9 أفريل بين زمنين، بقيت الشعارات وتبخّر المعنى
ملف خاص
 9 أفريل بين زمنين، بقيت الشعارات وتبخّر المعنى
Samih Beji Okkez

 سميح الباجي عكاز

يوم 9 أفريل 1938، لم يكن التونسيون يفاوضون على هامش داخل نظام مفروض، بل كانوا يعيدون تعريف السياسة نفسها. إذ لم تكن الشعارات التي ارتفعت في شوارع العاصمة مجرد تعبير عن الغضب، بل صياغة مكثّفة لمشروع تحرّري واضح: ”برلمان تونسي“، ”السيادة للشعب“ و”حكومة وطنية مسؤولة“. كانت تلك العبارات، في بساطتها الظاهرة، تقطع مع منطق الاحتلال الفرنسي وتؤسس لفكرة جذرية: لا شرعية لسلطة لا تنبع من الشعب.

ذلك اليوم لم يكن مجرد احتجاج، بل لحظة انتقال من المطالبة بالإصلاح إلى إعلان السيادة. لحظة فهم فيها التونسيون أن الاستعمار لا يُهذّب، بل يُطرد. لذلك لم يكن شعار ”برلمان تونسي“ تفصيلا مؤسساتيّا، بل محور المعركة: من يحكم؟ وبأيّ شرعية؟

بعد أكثر من ثمانية عقود، يعود نفس المعجم بقوة منذ انقلاب 25 جويلية 2021. السيادة، الإرادة الشعبية، التحرّر من الإملاءات… كلمات تتردّد في خطاب قيس سعيّد بكثافة، حتى ليبدو وكأن التاريخ يُعيد نفسه. لكن ما يبدو للوهلة الأولى، استمراريّة رمزيّة، يكشف عن مفارقة حادّة بين الشعارات والممارسات.

كان شعار ”برلمان تونسي“ يعني انتزاع سلطة التشريع من يد المقيم العام الفرنسي، وبناء مؤسسة تعبّر عن الإرادة الشعبية. كان البرلمان آنذاك أفقا للنضال، لأنه يجسّد فكرة السيادة ذاتها. أمّا اليوم، وإن كان البرلمان قائما شكلا، لكنه وُلد من عزوف انتخابي غير مسبوق وفي ظل نظام اقتراع أعاد تفكيك السياسة إلى أفراد معزولين. دون كتل متمايزة أو برامج، ودون صراع سياسي بالمعنى الحقيقي. مجلس بلا حياة، يعمل داخل هامش ضيق ويعجز عن فرض نفسه كسلطة قائمة بذاتها.

المفارقة هنا ليست في ضعف البرلمان وشكليّته، بل في انقلاب المعنى. فما كان يُطلب كأداة للتحرّر، أصبح قائما كهيكل بلا مضمون. فمجلس النوّاب لم يعد يعكس الإرادة الشعبية، بل يعكس انكفاءها. وهكذا، يتحقق الشعار شكلا ويُفرغ من محتواه.

أما ”السيادة للشعب“، فقد عرفت هي الأخرى تحوّلا أعمق. في سنة 1938، كانت السيادة تعني، أوّلا وقبل كل شيء، التحرّر من هيمنة خارجية واضحة. اليوم، يُرفع نفس الشعار، لكن وجهته تغيّرت. لم تعد السيادة تُمارس في مواجهة الخارج بقدر ما تُستدعى في إدارة الداخل. فتُستخدم لتبرير مركزة السلطة وإقصاء الوسائط وإعادة تعريف ”الشعب“ ككيان صامت لا فاعلا سياسيّا يُمارس إرادته.

الأخطر أن هذا التحول لا يقف عند مستوى الخطاب، بل يكشف عن حدوده حين يُختبر في الواقع. ففي الملفات الحاسمة، تعمل السلطة أسقف أقلّ بكثير ممّا ترفعه في العلن، سواء تعلّق الأمر بالضغوط المتواصلة من الاتحاد الأوروبي واتفاقيات ملف الهجرة التي تجعل من تونس حارسا للضفة الجنوبية لأوروبا وشريكا وظيفيّا في سياسات تُملى عليها.

حتى شعار ”حكومة وطنية مسؤولة“، الذي كان يعني في سياق 1938 خضوع السلطة التنفيذية للمساءلة الشعبية، فقد معناه تدريجيًا. فالمسؤولية اليوم لا تُقاس بمدى خضوع الحكومة للرقابة، بل بمدى انسجامها مع توجهات رئيس الجمهورية. ومع برلمان ضعيف ومعارضة مشتتة وفضاء عام مُغلق، تكون النتيجة سلطة بلا توازنات، تعمل وسط فراغ سياسي يضعفها بقدر ما يحميها.

هنا تحديدا، يتجلّى الفارق الجوهري بين لحظتين. ففي يوم 9 أفريل 1938، كانت الشعارات أدوات صراع، تُوجّه نحو تغيير موازين القوى وبناء مؤسسات حيّة. أمّا اليوم، فقد تحوّلت إلى أدوات لتأسيس الديكتاتورية جديدة.

بعد ثمانية عقود، تعود نواة على هذه الذكرى بملف من اعمالها الصحفية، ليس من منطلق الحنين إلى الماضي أو لإقامة مقارنة رومانسية بين زمنين، بل تساؤلا عن معنى الكلمات حين تفقد وظيفتها. ماذا يبقى من ”السيادة“ حين تُختزل في خطاب لا يصمد دقيقة أمام الواقع؟ ماذا يبقى من ”البرلمان“ حين يُفرغ من دوره ويتحول من سلطة إلى وظيفة؟ وماذا يبقى من ”الشعب“ حين يُستدعى كمرجعية رمزية لا كفاعل رئيسي؟

بين 1938 واليوم، لم تختف الشعارات، بل تغيّر موقعها. انتقلت من الشارع إلى الخطاب الرسمي، ومن كونها مطلبا موجّها إلى السلطة، إلى أداة بيدها. وهذا التحوّل، في حدّ ذاته، يلخص جزءا كبيرا من الأزمة: تتبنّى هذه السلطة نفس الشعارات، لا لتستجيب لها، بل لتحتويها.

في النهاية، لا يُقاس الوفاء لذكرى 9 أفريل بتكرار شعاراتها، بل بمدى قدرة السلطة على إعادة إنتاج معناها: سيادة تُمارس، برلمان يُراقب ويُحاسب، وشعب يشارك. دون ذلك، تبقى الشعارات قائمة، لكن كأصداء بعيدة لمعركة لم تُحسم بعد.




مظاهرة غضب رفضا لعبث الوظيفة البرلمانية
– 22 سبتمبر 2024 –

رفضا لمقترح تنقيح القانون الانتخابي المقدم من قبل عدد من نواب البرلمان، نظمت الشبكة التونسية للحقوق والحريات تحركاً إحتجاجياً الأحد 22 سبتمبر 2024 بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة، التحرك تحول إلى مسيرة من أمام المسرح البلدي نحو مقر وزارة الداخلية، رفع خلالها المحتجون شعارات تطالب بإسقاط النظام وإطلاق سراح مساجين الرأي وإسقاط مقترح أعضاء البرلمان المطالبين بسحب صلاحية البت في القضايا الانتخابية من المحكمة الإدارية قبل أيام من الانتخابات الرئاسية.







Inscrivez-vous

à notre newsletter

pour ne rien rater de nawaat

iThere are no comments

Add yours

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *