تأسس مجلس نواب الشعب الحالي على فكرة ”سياسية“ واحدة وهي ”انخراط“ أبناء المشروع (او ما يسمى مسار 25 جويلية) في مؤسسات الدولة الجديدة وفق تصور الرئيس قيس سعيد، ربما أراد البعض منهم استغلال هذه الفرصة للدفاع عن مصالح المواطنين وحقوقهم وممارسة المهام الرقابية على السلطة التنفيذية، لكن تجربة البرلمان منذ تركيزه قبل سنة والأرقام المتعلقة بأداء المجلس تثبت أن الأداء كان ضعيفا مقارنة ببرلمانات ”العشرية الماضية“. فكرة ”سياسية“ قامت على طرح شعبوي يعتبر البرلمان يمثل الشعب بعيدا عن الأحزاب التي نكلت به، تم اتخاذ كل الإجراءات لضرب أي تمثيلية حزبية لفائدة صعود الافراد من ”أبناء الشعب“، لكن ذلك لم يمنع الأحزاب من دخول المجلس متنكرة في ثوب مستقلين مستغلين لسذاجة الفكرة المعادية للتحزب التي تبنتها دولة 25 جويلية. 

خلال سنة كاملة لم يصادق مجلس النواب سوى على عشرة قوانين، وهي النسبة الأضعف مقارنة ببرلماني 2014 و2019، من بين هذه القوانين العشرة خمس اتفاقيات قروض وقانون لإحداث الوكالة الوطنية للدواء ومواد الصحة، ومذكّرة تفاهم في مادّة الضمان الاجتماعي بين تونس والكيبيك، وضبط النظام الأساسي الخاصّ بالقضاة العسكريّين، إلى جانب الموافقة على انضمام الجمهورية التونسية الى الاتفاق المنشئ لمؤسسة افريقيا للتمويل.. بالإضافة الى مشروع ميزانية الدولة ومشروع بطاقة التعريف البيومترية وتعديل مرسوم الصلح الجزائي. كلها مشاريع قوانين مقدمة من السلطة التنفيذية ولا مشروع واحد تقدم به نواب في اطار حقهم في المبادرة التشريعية. 

وتكمن المفارقة الأخرى في أن البرلمان حافظ على دور غرفة التسجيل التابع للسلطة التنفيذية حتى في موضوع تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث توقعنا أن ينتفض النواب مستغلين حالة الانسجام الوطني المتضامن مع فلسطين ”حكومة وشعبا“. هم بالفعل استغلوا ذلك وقدموا مبادرة تشريعية لقانون يجرم التطبيع، مشروع القانون الوحيد الذي يصل الجلسة العامة خارج مشاريع السلطة التنفيذية، وكان المشروع في طريق مفتوح للمصادقة عليه بأغلبية ساحقة داخل المجلس. لكنه سقط قبل بدء المناقشة في الجلسة العامة والتصويت، أسقطه اتصال بسيط بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب وذلك تجنبا للإضرار بمصالح تونس الدبلوماسية حسب ما اعلنه ابراهيم بودربالة. 

أما في مجال حرية التعبير والرأي وحقوق الإنسان، فقد كان للمجلس صولات وجولات، بدأت بمنع صحفيي مختلف وسائل الإعلام من تغطية الجلسة الافتتاحية، هكذا دون تبرير، وتواصلت بوضع قيود تمنع الصحافة من اداء دورها في تغطية العمل البرلماني لعل أبرزها اعتماد مبدأ أشغال اللجان المغلقة وهي سابقة في تاريخ المجلس جعلته غرفة مظلمة تعمل بعيدا عن رقابة الشعب. لكن في المقابل سعى عدد من البرلمانيين لإحداث اختراق في محال حرية التعبير من خلال ممارسة حقهم في مبادرة تشريعية لتنقيح المرسوم 54 المرفوض من قبل كل الفعاليات السياسية والاعلامية والحقوقية والنقابية. وبالفعل اتفق 40 نائبا على نص ينقح المرسوم المذكور وخاصة الفصل 24 منه والذي تمت بمقتضاه اغلب محاكمات الرأي في الفترة الماضية. وعلى خلاف قانون تجريم التطبيع الذي تمكن من عبور مكتب المجلس نحو اللجان فالجلسة العامة، لم تتجاوز هذه التنقيحات أدراج مكتب ابراهيم بودربالة الذي تجاوز صلاحياته كالعادة ورفض حتى مناقشة هذه التعديلات أمام انظار مكتب المجلس!! من يجرؤ على تعديل مرسوم أصدره رئيس الدولة حتى لو اتفق الحميع انه مرسوم قمعي متخلف؟! 

هو إذا مجلس نيابي بوظيفة غرفة تسجيل لفائدة السلطة التنفيذية، لا قدرة له على المبادرة ولا على مساءلة الحكومة ولا رئيس الجمهورية، ولا حتى مجرد التحفظ على مشاريعهم. باستثناء قلة كلما أرادت المبادرة بالإصلاح من الداخل، تداعى عليها الداخل لمنعها من ذلك تعسفا او تشويها او تهديدا…


نواة في دقيقة: برلمان الشعب أم برلمان الرئيس؟

بعد سنتين من تنصيب المجلس التشريعي، بقيت مبادراته التشريعية محدودة لم تمسّ جوهر الحقوق والحريات، إذ كان من المنتظر مراجعة التشريعات الزجرية وتعزيز منظومة الحقوق والحريات وتسجيل مواقف إزاء القضايا العادلة، إلا أنّه فضل الاختباء وراء ظلّ قصر قرطاج.


قانون لتجريم التطبيع مع الاستبداد

حدث وراء آخر وفرقعات إعلامية هنا وهناك لم تنجح على تنوعها في طرد كابوس ليلة 2 نوفمبر الشهيرة، ليلة الهروب البرلماني المذل من جلسة التصويت على مشروع قانون تجريم التطبيع وما أحوجنا لتجريمه مع الابارتايد والاستبداد.


نواة في دقيقة: كيف ناقش سيد نفسه ميزانية الرئاسة

صادق البرلمان التونسي على ميزانية رئاسة الجمهورية لسنة 2024 بموافقة 132 صوتا دون تسجيل أي تحفظ أو اعتراض. ميزانية الرئاسة سجلت ارتفاعا ب 9.4 مليون دينار مقارنة بالسنة الماضية، نورد مقتطفات من نقاشها الحماسي.


مبادرة تجريم التطبيع: هل سيأكلها الحمار هي الأخرى؟

ظهر طيف الرئيس قيس سعيّد خلال الجلسة العامّة بالبرلمان المنعقدة بتاريخ 02 نوفمبر 2023 والمتعلّقة بمناقشة مقترح القانون المتعلّق بتجريم التطبيع، حين نقل إبراهيم بودربالة رئيس المجلس ما قاله سعيد عن هذا المقترح، الّذي تبيّن وفق قوله أنّه ”سوف يضرّ بالمصالح الخارجية لتونس“، وأنّ ”الأمر يتعلق بالاعتداء على أمن الدولة الخارجي“. وبعد التصويت على فصلين من المقترح، رُفعت الجلسة ولم تُستأنف بعد.


نحو مبادرة تشريعية لتجريم التطبيع: البرلمان في مختبر المواقف

توجّه قرابة مائة نائب في البرلمان بعريضة يوم 10 أكتوبر إلى مكتب المجلس لطلب استعجال النّظر في المبادرة التشريعية المجرّمة للتطبيع مع الكيان الصهيوني، في سياق العدوان ضدّ الشعب الفلسطيني وعملية طوفان الاقصى.


حصيلة الدورة النيابية الأولى للبرلمان: تبعية للرئاسة ورقابة محدودة على الجهاز التنفيذي

تسعة قوانين، ثلاث جلسات حوار مع الحكومة، جلسة لطرح سؤال شفاهي وأكثر من 170 سؤالا كتابيّا موجَّهًا للحكومة هي حصيلة المجلس التشريعي الّذي انطلقت أشغاله في 13 مارس 2023، بنظام انتخابي قائم على الأفراد وفي ظلّ منظومة سياسيّة تكرّس حكم الفرد وتُضعف البرلمان والحكومة.


مجلس نواب الشعب الجديد: لجان تتحول إلى ”غرف مظلمة“ وبتر متعمد للذاكرة البرلمانية

منذ تجميده البرلمان قبل حله، بنى الرئيس قيس سعيد سرديته على القطع مع ”الغرف المظلمة“ التي تصاغ فيها ”قوانين على المقاس“. ثلاثة أشهر بعد تركيز البرلمان الجديد، تحول مجلس نواب الشعب إلى حاضنة لمجموعة من الغرف المظلمة وهي اللجان البرلمانية.


إجماع النواب على مراجعة المرسوم 54: البرلمان ضد الرئيس؟

تزامنا مع تركيز هياكل البرلمان وانتخاب لجانه، سارعت الحكومة إلى إحالة 4 مشاريع قوانين على أنظاره. قوانين ذات طابع إداري تنظيمي ومالي، تعكس سلم الأولويات الحكومية في علاقة بعمل مجلس نواب الشعب. إلا أن القوانين التي فرضها الرئيس بمراسيم رئاسية، قبل بداية عمل المجلس، ما فتئت تثير الجدل والخلاف. من بينها المرسوم 54، المتعلق بمكافحة الجرائم المتّصلة بأنظمة المعلومات والاتصال، نظرًا لطابعه الزجري الّذي وظّف سياسيًّا لملاحقة معارضي السلطة.


البرلمان التونسي الجديد: الأحزاب التي أخرجت من الباب عادت من الشباك

يتكوّن البرلمان الحالي من 6 كتل، فيما اختار 39 من أعضائه عدم الانضمام لأيّ منها. التنظّم في كتلة يقتضي إيمانًا بمشروع يتّفق حوله الأعضاء، لكنّ الوضعية بدت صعبة مع تغّير نظام الاقتراع وترشّح النواب بصفة فرديّة عوضا عن الانضمام إلى قائمات، حزبية أو مستقلة أو ائتلافيّة، توحّدهم حول برامج ومشاريع.


تحت الرداء الأسود، عباءات إبراهيم بودربالة المتلوّنة

يرتدي إبراهيم بودربالة، عميد المحامين السابق ورئيس مجلس النواب الحالي، رداء المحامين الأسود منذ أكثر من أربعين عاما. طيلة تلك العقود، كان بودربالة ينفي دائما إخفاء لون سياسي تحت رداءه الأسود، غير أن المتتبع لمسيرته في عالم المحاماة سيتبين أن الرياح السياسية التي هبت على تونس، كانت دائما تميل بردائه في اتجاه قريب من السلطة، حتى جاهر منذ عام تقريبا بقربه من السلطة بشكل كامل، ليصبح أحد أجهزتها.


مشروع النظام الداخلي لبرلمان 2023: ما الجديد؟

بعد لغط جلسته الافتتاحية، يستهل مجلس نواب الشعب جلساته العامة بالتصويت على نظامه الداخلي الجديد يوم 11 أفريل الجاري. نظام داخلي لتنظيم العمل النيابي والقطع مع الإشكاليات التي رافقت عمله في السابق، مثل الغيابات والسياحة البرلمانية وتعطيل الأشغال.