أول ما يكشفه هذا الجدل هو هشاشة تمثّل السيادة في المخيال العام. ليس لأنّ تونس فقدت سيادتها بالمعنى القانوني، بل لأنّ الوعي الجماعي بات يتعامل مع أي إشارة خارجية باعتبارها مشروع تدخّل فعلي. فمقال في صحيفة أجنبية كان كافيا لإطلاق موجة من الشكوك، وكأنّ القرار السياسي يُصنع فعلا خارج الحدود. هذا التفاعل لا يعكس فقط حساسية تاريخية تجاه التدخّل الأجنبي، بل يعبّر عن تحوّل أعمق: فقدان الثقة في قدرة الداخل على إنتاج السلطة. إنّ تصوّر المجال العمومي كفضاء للنقاش العقلاني، يفترض استقلالية نسبية عن مراكز القوة. لكن حين يتآكل هذا الفضاء، يصبح الخارج حاضرا حتى في مستوى التخيّل لا كفاعل حقيقي بالضرورة، بل كاحتمال دائم.
غير أنّ هذه الهشاشة ليست مجرّد حالة نفسية، بل نتيجة مسار سياسي واضح قاد إلى ما يمكن تسميته بـ”التصحّر السياسي“. في أدبيات بيار بورديو، يقوم الحقل السياسي على توازن بين فاعلين يمتلكون رأس مال رمزيا يتصارعون به لإنتاج المعنى والسلطة. لكن ما حدث في تونس هو تفريغ تدريجي لهذا الحقل: إيقافات، محاكمات، تضييقات، وتراجع في دور الوسائط التقليدية. النتيجة ليست فقط إقصاء بعض الفاعلين، بل انهيار شروط اللعبة نفسها. لم يعد هناك صراع سياسي بالمعنى الكامل، بل مشهد محدود الفاعلين، ضعيف الكثافة وقابل للاختراق.
يفسّر هذا التصحّر لماذا يمكن لاسم مثل الغريبي أن يتحوّل إلى قضية وطنية. فحين يُفرغ الحقل من داخله، يصبح هشّا أمام أي عنصر خارجي. هنا لا يعود المهمّ من هو الغريبي، بل لماذا لا يوجد داخل تونس ما يكفي من الأسماء والمسارات لشغل هذا الفراغ. في هذا السياق، يمكن استحضار سابقة مغني الراب كادوريم، الذي تحوّل في لحظة ما إلى موضوع جدل سياسي. لم يكن ذلك نتيجة مشروع سياسي فعلي، بل نتيجة فراغ سمح بتحويل شخصية من خارج السياسة إلى ”فاعل محتمل“. إنّ ما يحدث اليوم مع الغريبي هو النسخة الأكثر ”نخبوية“ من نفس الظاهرة: رجل أعمال دولي بدل مغنّي راب. لكن الآلية واحدة؛ ساحة فارغة تبحث عن أي امتلاء.
كما أنّ هذا التحوّل يعتبر خطيرا لأنّه يُعيد تعريف السياسة نفسها. لم تعد المسألة تنافسا بين مشاريع داخلية، بل بحثا عن ”شخصية قادرة“ مهما كان مصدرها. وهنا يلتقي هذا المنطق مع نزعة أوسع في المنطقة: اختزال السياسة في الأفراد والرهان على “الرجل القوي“ أو “الشخصية المنقذة“، بدل بناء مؤسسات ومسارات ديمقراطية. الغريبي، في هذا السياق، ليس سوى صورة من صور هذا الخيال السياسي: رجل علاقات، ناجح دوليّا ويمكن أن يُنقذ ما فشلت فيه النخب المحلية.
إذن، لا يعني هذا التصحّر فقط غياب الأحزاب أو ضعف الإعلام، بل انهيار آليات إنتاج المعنى السياسي. إذ لم يعد هناك نقاش عمومي حقيقي ولا صراع رؤى ولا حتى سرديات متنافسة. في مثل هذا السياق، يتحول كل حدث إلى ضجيج وكل اسم إلى ”قضية“، دون أن يفضي ذلك إلى أي تراكم سياسي فعلي.
غير أنّ هذا الفراغ لم يُترك دون تعويض. بل جرى ملؤه بشكل مختلف عبر الفضاء الرقمي، وخاصة فيسبوك، الذي تحوّل من منصة تواصل إلى أداة مركزية في إنتاج السياسة. هنا يُمكن استحضار أطروحات مانويل كاستلز حول ”مجتمع الشبكات“، حيث تصبح السلطة مرتبطة بالقدرة على التحكم في تدفق المعلومات. في تونس، لم يوسّع الفضاء الرقمي النقاش العمومي بقدر ما أعاد تشكيله في صورة أكثر هشاشة عبر تدفقات من الغضب، حملات تشويه، سرديات متضاربة وغياب شبه تام للمعايير المهنية المتعلقة بالاتصال والاعلام.
لقد تحوّلت شبكات التواصل وعلى رأسها الفيسبوك في مجاله التونسي إلى فضاء هستيري، تختفي فيه الحدود بين الخبر والدعاية وبين التحليل والتلفيق. في هذا السياق، لم تبق الدولة خارج هذا الفضاء، بل أصبحت أحد أبرز الفاعلين فيه. إذ تحوّلت صفحة رئاسة الجمهورية، مثلا، إلى المنصة الأولى لعرض الأنشطة الرئاسية في ظل تهرب السلطة من أي حوارات إعلامية جادة وبحثها فقط عن الپروپاڨندا الهابطة. بالتوازي، نشأت منظومة من الصفحات الموالية التي تشتغل بمنطق تعبوي: الدفاع، الهجوم والتشويه. هذا ما يمكن قراءته كجزء من عملية ”تصنيع إجماع رقمي“، حيث لا يُفرض الرأي بالقوة المباشرة بل عبر الإغراق والتكرار.
هنا يلتقي السياسي بالسوسيولوجي؛ حين يُغلق المجال العمومي التقليدي ويُترك الفضاء الرقمي دون ضوابط، يتحوّل هذا الأخير إلى بديل مشوّه. لا ينتج نقاشا، بل ضجيجا يفتّت المعنى ويمنع تشكّل بدائل متماسكة. وفي مثل هذا المناخ، يصبح أي خبر-مثل طرح اسم الغريبي-قابلا للتضخيم السريع، لأنّه يمرّ عبر قنوات لا تتحقّق ولا تُحلّل، بل تُعيد إنتاجه بشكل هستيري.
أما النقطة الثالثة، فهي تحوّل فكرة ”البديل“ نفسها. في الأنظمة السياسية الحيّة، يُنتج البديل من داخل المجتمع، عبر الأحزاب والحركات والنقاش العمومي. لكن حين تُغلق هذه القنوات، يتحول البديل إلى شيء يُستورد أو يُتخيّل كمستورد. هنا يمكن العودة إلى تحليل أنطونيو غرامشي حول ”الأزمة العضوية“، حين ”يموت القديم ولا يستطيع الجديد أن يولد“، فتظهر أشكال هجينة من القيادة.
الغريبي، بهذا المعنى، ليس مشروعا سياسيّا بقدر ما هو تعبير عن هذا الفراغ. طرح اسمه لم يكن نتيجة مسار تونسي داخلي، بل نتيجة تقاطع بين بالونات اختبار خارجية وساحة داخلية عاجزة عن إنتاج بدائل قادرة على التصدي للحكم الفردي لسعيّد وثقافة المؤامرات والتخوين والشماتة التي تجر البلاد نحو القاع. هذا ما يجعل الجدل حوله دالّا، ليس لأنه مرشح فعليّ، بل لأنه يكشف في العمق عن فقدان الأمل في الداخل. حين يصبح الخارج مصدرا للبدائل، فذلك يعني أن الداخل لم يعد يُرى كفضاء ممكن للإصلاح أو التغيير. وهذا أخطر ما في الأمر: ليس أن يتدخّل الخارج، بل أن يُنتظر تدخله.
في المحصلة، يختزل الجدل حول كمال الغريبي قصة فراغ. فراغ سياسي ناتج عن تصحير السلطة للساحة السياسية والجمعياتية، فراغ إعلامي ملأه فضاء رقمي منفلت، وفراغ رمزي جعل فكرة البديل نفسها تُستورد من الخارج. وبين سابقة كادوريم وواقعة الغريبي، يتأكد أن المشكلة ليست في الأسماء، بل في الشروط التي تمنحها هذا الحجم.




iThere are no comments
Add yours