لم تكن هادية تتخيّل أن رحلتها مع سرطان الدم ستقودها إلى مفترق قاس، مخلفات وضعتها أمام مسار علاجي طويل ومُرهق تداخلت فيه الآمال بالانتكاسات حيث تعلّقت بالعلاج الطبي وتابعت الفحوصات بدقّة وانتظرت تحسّنًا يمنحها بعض الطمأنينة. لكن مع مرور الوقت، ومع تعثّر الاستجابة وتراجع النتائج، بدأت تلك الثقة تهتزّ شيئًا فشيئًا. أصبحت الأدوية لا تُحدث الأثر المنتظر، وعند تلك العتبة التي يتراجع فيها اليقين العلمي ويعجز عن طمأنة الخوف، مثل كثيرين غيرها، فتحت الباب أمام مسارات موازية، حيث يُستدعى غير المألوف، ويصبح البحث عن الشفاء رحلة تطرق أبوابا خارج حدود العلم.

بين نصائح الأقارب وروايات متناقلة في بيئة اجتماعية شعبية في منطقة غنوش بڨابس، نصحوها باستهلاك لحم سلحفاة البحر لعلاج السرطان. فكرة بدت غريبة في البداية، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى خيار مطروح خاصة مع تضاؤل البدائل، بشيء من التردّد وكثير من الأمل، خاضت هادية هذه التجربة، مدفوعة برغبة في التمسّك بأي احتمال للشفاء. لم تكن وحدها في ذلك، فمثل هذه الممارسات تجد طريقها لدى عدد من المرضى، فكل ما يعجز العلم عن إيجاد حل له، يجد في الخرافة وغير المألوف منفذًا للرجاء. تقول هادية لـنواة:

اشتريت لحم سلحفاة البحر سنة 2023 من وسيط يتعامل مع بعض البحارة، بحوالي 50 دينارًا واستهلكت كمية صغيرة مرة واحدة فقط لكن علمت فيما بعد من جمعية بيئية بمخاطر استهلاك لحم هذه السلاحف التي قد يتسبب الاستمرار في استهلاكها في حدوث تسمم فتوقفت فورًا عن ذلك.

إستمع إلى شهادة هادية

بدورها تشارك زُهيرة، من منطقة نحال بڨابس، تجربتها الشخصية لـنواة قائلة ”قبل ثلاث سنوات، لجأت إلى شراء لحم سلحفاة البحر بعد سماعنا من الأقارب والجيران عن قدرته على علاج العقم لدى زوجي، لا سيما بعد أن عجز الطب عن تقديم حل لمشكلتنا الإنجابية“ حيث توضح ”حصلت على اللحم من صياد يبيعه سرا بـ 100 دينار للكيلوغرام الواحد“، مؤكدة أن ”الإغراء بهذه الخطوة كان قويًا جدًا، لا سيما في محيطها العائلي والسكني.“ حيث تلعب التقاليد والمعتقدات الشعبية داخل هذه الأوساط دورًا حاسمًا في خيارات الناس عند مواجهة الأمراض المستعصية.

سبتمبر 2024 قرقنة – نشطاء جمعية القراطن يقدمون على امتداد السنة حملات توعوية للعائلات والبحارة للتحسيس بالدور المهم لسلاحف البحر في الحفاظ على التوازن البيئي وتفنيد خرافات فوائد استهلاك لحمها المنتشرة في بعض الأوساط – َAKDDCL

لحوم تُسبب التسمم تُباع في السوق الموازية

خلف هذه التجارب الفردية، تتكشف شبكة أوسع من الممارسات غير القانونية، فبحسب ما تؤكده مصادر متقاطعة في هذا التحقيق، فإنه يتم أحيانًا ذبح السلاحف البحرية التي تجنح إلى الشواطئ في خليج ڨابس، وبيعها في سوق موازية، بدل تسليمها للجمعيات أو للجهات المختصة وذلك في غفلة من هياكل الرقابة. وتُغذّي هذه الممارسات معتقدات راسخة، تُقدَّم فيها السلحفاة كـ”علاج“ للأمراض المستعصية، لتوليد أرباح مالية كبيرة، في وقت يُواجه فيه هذا الكائن أصلا مخاطر مزدوجة بشرية وبيئية تهدد وجوده، من التلوث إلى الصيد الجائر والعرضي والتغير المناخي والتداخل مع شبكات الصيد…

حول ملابسات الظاهرة، يُؤكد شتاوي علية، رئيس نقابة الصيد الساحلي بمعتمدية غنوش وعضو مجمع التنمية للصيد الساحلي التقليدي، أن ”عمليات قتل السلاحف البحرية وبيعها لم تتوقف كليًا، رغم انخفاضها خلال السنوات الأخيرة.“ ويشير المتحدث في مقابلة لـنواة إلى أن ”بعض الأفراد الذين ليسوا بحارة يتسللون إلى الشواطئ ويذبحون السلاحف النافقة، مستغلين خرافات شعبية حول قدراتها العلاجية للعُقم، وبيع لحمها بأسعار مرتفعة تصل إلى 110-120 دينار للكيلوغرام الواحد.“ فيما يُشدد في المقابل على أن مجهودات جمعيات حماية السلاحف والتحركات البيئية ساهمت في تقليص هذه الظاهرة خلال السنتين الأخيرتين إلا أنها ما تزال تظهر في شكل حالات معزولة.“ وفق إفادته.

إستمع إلى شهادة شتاوي علية

من جانبها، عاينت جمعية المحافظة على المناطق الرطبة بالجنوب التونسي حالات استهلاك للحم السلحفاة بسبب ذات الدوافع السابق ذكرها حيث تستغل هذه الشبكات جهل الناس بمخاطر لحم السلحفاة وفق ما أكده ناصر غليص منسق العمل الميداني للجمعية في مقابلة لـنواة موضحا أن ”اصطياد السلاحف حاليا يتم في الغالب بشكل عرضي، غير أن بعض الحالات تتحول إلى ذبح متعمد، خاصة بفعل استغلال بعض التجار لمعاناة المرضى مما يجعل هذه الممارسات لا تهدد البشر فقط، بل تضغط بشدة على السلاحف البحرية.“

أكدت دراسات علمية دولية أن لحم السلحفاة يحتوي على ملوثات ومعادن ثقيلة تتراكم في جسم الإنسان، حيث يرتبط استهلاك لحم السلاحف بما يُعرف بظاهرة ”التسمم بلحم السلاحف البحرية“ (Chelonitoxism)، وهو تسمم غذائي قد يكون قاتلًا ولا يوجد له علاج محدد. وقد وثّقت الدراسات أكثر من 62 حادثة تسمم عبر العالم، شملت ما يزيد عن 2400 مصاب و420 حالة وفاة، نتيجة استهلاك لحم السلاحف البحرية. ومن بين هذه الحوادث، سجلت سنة 2024 وفاة 9 أشخاص ودخول 78 آخرين إلى المستشفى في زنجبار بعد تناولهم هذا اللحم ، كما سُجلت حالات مماثلة في جزر القمر والفلبين، أدت إلى وفيات، من بينها وفاة رضيع بسبب انتقال السموم عبر حليب الأم.[1]

وتُشير هذه المعطيات إلى أن السموم المتراكمة في أجسام السلاحف، نتيجة تلوث السلسلة الغذائية البحرية، لا تزول حتى بعد الطهي، ما يجعل استهلاكها خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان. وهو ما يفنّد بشكل واضح المعتقدات التي تروّج لها بعض الشبكات حول ”القدرة العلاجية“ لهذا اللحم، في حين أنه قد يتحول إلى سبب للتسمم والوفاة.

تُعد السلحفاة البحرية مؤشرًا بيئيًا دقيقًا على سلامة النظام البحري، نظرًا لدورة حياتها المعقدة وطول عمرها إذ تُبين الدراسات العلمية أن نسبة البقاء لدى صغار السلاحف ضعيفة جدًا، حيث لا يصل إلى سن البلوغ (من 20 إلى 30 سنة) سوى عدد ضئيل للغاية حتى أن سلحفاة واحدة فقط من بين كل ألف سلحفاة تولد تتمكن من بلوغ سن التكاثر. وهو ما يعني أن أي تراجع في أعدادها اليوم لن تظهر تداعياته إلا بعد عقود، نظرًا لطول الدورة الزمنية لتجدد أجيالها.

هذه الهشاشة البيولوجية تجعلها شديدة التعرض للانتهاكات البشرية المتعددة، وعلى رأسها معدات الصيد والتغيرات المناخية المتسارعة التي تعيد تشكيل موائلها البحرية.

إستمع إلى شهادة ناصر غليص

بين فكي كماشة: شباك الصيد والتغيّر المناخي

رغم تراجع ظاهرة القتل العمد للسلاحف بفضل حملات التحسيس وتنامي وعي البحارة بأهميتها البيئية، يُشير حامد ملاط مراقب بيئي بالمحمية البرية والساحلية بقرقنة، وعضو جمعية قراطن للتنمية المستدامة والثقافة والترفيه، وباحث في علوم البحار مختص في دراسة وحماية السلاحف البحرية إلى أن ”الضغوط الاقتصادية كارتفاع كلفة معدات الصيد وتراجع الموارد السمكية، إضافة إلى تأثير ممارسات الصيد المحظورة، تجعل بعض البحارة ينظرون إلى إنقاذ السلحفاة حينما تتداخل مع شباك الصيد كعبء، لأنها تتسبب في إتلاف الشباك وبالتالي يخسر الصياد وسيلة رزقه وتموت السلحفاة نتيجة اختناقها.“

تتنفس السلاحف البحرية عبر الرئتين مثل الإنسان، ما يجعلها عرضة للاختناق إذا علقت في شباك الصيد أو في مخلفات البحر وتُعد هذه الظاهرة شائعة خصوصًا في القرى الصغيرة الساحلية، حيث يصطاد بعض البحارة تقليديًا بالقرب من الشواطئ، فتجد السلاحف نفسها عالقة دون القدرة على الصعود إلى سطح الماء للتنفس، مما يؤدي غالبًا إلى نفوقها. وهو ما عاينته جمعية قراطن في قرقنة.

أما على مستوى التغيرات المناخية، فتنعكس آثارها مباشرة على دورة الحياة البيولوجية للسلاحف البحرية، إذ يؤثر ارتفاع درجات الحرارة داخل الأعشاش خلال فترة حضانة البيوض في تحديد جنس الفراخ. وتشير الدراسات إلى أن درجات الحرارة المنخفضة (أقل من نحو 27.7 درجة مئوية) تُنتج ذكورًا، في حين تؤدي درجات الحرارة المرتفعة (أكثر من 31 درجة مئوية) إلى إنتاج إناث بنسبة كبيرة.

ومع الارتفاع المتواصل في درجات الحرارة بفعل التغير المناخي، تسجل العديد من مواقع التعشيش عالميًا انحرافًا واضحًا نحو إنتاج الإناث، حيث أظهرت دراسة حديثة أن 57 موقعًا من أصل 64 حول العالم تسجل نسبًا منحازة بشدة للإناث، مع تجاوز 90% في بعض الحالات. ويطرح هذا الخلل تهديدًا حقيقيًا لاستمرارية النوع، إذ قد يؤدي على المدى الطويل إلى نقص الذكور القادرة على التزاوج، ما يضعف القدرة التكاثرية للسلاحف ويهدد توازنها الديمغرافي.

تبعا لهذه المخاطر المزدوجة التي تهدد وجود هذا الكائن، يؤدي تراجع أعداد السلاحف البحرية إلى اختلال في التوازن البيئي، حيث تتزايد بعض الأنواع الغازية مثل السلطعون الأزرق وقناديل البحر، إضافة إلى ما يُعرف محليًا بـ”داعش البحر“. نظرا لأن السلاحف تتغذى على هذه الكائنات، وبالتالي تساهم في الحد من انتشارها، في حين يؤدي غيابها إلى تكاثرها بشكل مفرط، وهو ما ينعكس سلبًا على الثروة السمكية والأنظمة البيئية الساحلية وعلى مورد رزق البحارة وعلى السباحة صيفا. وفق مُحدثنا حامد ملاط.

تكشف دراسة علمية نُشرت سنة 2023 في مجلة Animals، أنجزها الاستاذ عماد الجريبي وباحثون من جامعة صفاقس بالتعاون مع المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي بباريس، أن الصيد العرضي يُعد من أخطر التهديدات التي تواجه السلاحف البحرية في تونس. وبالاعتماد على 483 مقابلة مع صيادين في 19 ميناءً، قدّرت الدراسة أن نحو 11,740 سلحفاة بحرية (تم إرجاع أغلبها للبحر) تُصطاد سنويًا في تونس، خاصة عبر شباك الجر التي تُسجل التأثير الأكبر بسبب كثافة استخدامها. وتُظهر النتائج أن هذا الرقم يعكس ضغطًا كبيرًا على هذه الكائنات، في ظل استمرار تفاعلها مع معدات الصيد المختلفة.[2]

خليج قابس يُمثل أحد أهم المجالات الحيوية للسلاحف البحرية في البحر الأبيض المتوسط، حيث تقصده أعداد متزايدة منها قادمة من مختلف المناطق خلال بحثها عن وفرة الغذاء واعتدال درجات الحرارة. وتنتمي السلاحف البحرية الموجودة في تونس والبحر الأبيض المتوسط أساسًا إلى ثلاثة أنواع رئيسية، يتصدرها السلحفاة ضخمة الرأس (Caretta caretta) والسلحفاة الخضراء (Chelonia mydas)، وهما النوعان الأكثر حضورًا في المنطقة ويُسجَّل لهما التعشيش في بعض الشواطئ المتوسطية بالإضافة إلى السلحفاة الجلدية (Dermochelys coriacea) والتي تُعد النوع الأكبر عالميًا، لكنها لا تُشاهد في المتوسط إلا بشكل عرضي ونادر، حيث تمرّ عبره قادمة من المحيط الأطلسي في إطار هجرات مرتبطة بالتغذية، دون أن تكون من الأنواع المقيمة أو المعششة في هذه المياه. وفق ما فسره الأستاذ عماد الجريبي، أستاذ باحث بكلية العلوم بصفاقس، وأحد رؤساء مجموعة خبراء السلاحف البحرية في البحر الأبيض المتوسط، ورئيس شبكة حماية السلاحف البحرية بشمال إفريقيا في لقاء مع نواة.

مارس 2026 قرقنة – جمعية القراطن للتنمية المستدامة والثقافة والترفيه بقرقنة تقدم ورشات تكوين وتوعية للبحارة في كيفية التعامل مع السلاحف البحرية وانقاذها – AKDDCL

تلوث مزدوج ضوئي وبلاستيكي

لا تتوقف التهديدات على وصفات للعلاج والصيد العرضي، بل يمتد أيضا إلى التلوث الضوئي وهو ما يفسره ذات المصدر الأستاذ عماد الجريبي، في دراسته التي أظهرت[3] أن التلوث الضوئي يشكّل تهديدًا حقيقيًا للسلاحف ضخمة الرأس على شواطئ الشابة بولاية المهدية. إذ يؤدي الضوء الصناعي في مصابيح الشوارع والمنازل القريبة إلى ضياع صغار السلاحف عند خروجها من الأعشاش ليلًا، بفعل انجذابها إلى مصادر الضوء بدل التوجه نحو البحر، ما يزيد من مخاطر الجفاف، الإرهاق والتعرض للمفترسات، أو الحوادث المرورية فضلا على التهديدات الأخرى كاحتلال الشواطئ التي تُعد مواقع ملائمة للتعشيش بسبب التوسع العمراني والأنشطة البشرية المكثفة.

وأبرزت ذات الدراسة اختلافًا كبيرًا بين الشواطئ، فمثلاً على شاطئ السير بالشابة، المتسّم بكثافة الإضاءة العالية، لوحظ أن جميع الصغار ينحرفون عن مسارهم الطبيعي ويواجهون مخاطر أكبر، في حين سجل شاطئ سيدي مسعود، الأقل تعرضًا للضوء، 21% حالة ضياع فقط دون وفيات جماعية. وتشدد النتائج على ضرورة اتخاذ إجراءات حماية مستهدفة، تشمل حجب أو إزالة الإضاءة غير الضرورية، استخدام مصابيح بطيف أحمر، وتنفيذ حملات توعية لحماية مواقع التعشيش الصغيرة.

كما يمثل التلوث البلاستيكي وما يُعرف بـ”الشباك الشبحية“ التي تنفلت من البحارة وتبقى في البحر، هاجسا اضافيا حيث تتحول إلى مصائد قاتلة للكائنات البحرية، بما في ذلك السلاحف والأسماك خصوصا في خليج ڨابس.

تُعدّ السلاحف البحرية كائنًا دليلًا لمراقبة صحة البيئة البحرية، إذ تُمكّن دراسة حركتها وسلوكها من فهم توازن السلسلة الغذائية. لذلك يعتمد الباحثون على أجهزة تتبّع لمراقبة مساراتها ومناطق تغذيتها وهجرتها، ما يسمح بتحديد مناطق التلوث البلاستيكي والضوئي ورصد الضغوط البيئية. وتشكل هذه المعطيات أداة أساسية لوضع استراتيجيات حماية فعّالة ودعم جهود إنقاذ السلاحف وإعادة تأهيلها.

انقاذ سلحفاة بحرية وتركيز جهاز تعقب لدراسة سلوكها ومساراتها – صور عماد الجريبي

رغم تعدد القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية التي تصنف السلاحف البحرية كأنواع محمية، فإن الفجوة بين النصوص القانونية والتطبيق الميداني تظل واضحة، في ظل استمرار المخالفات وضعف الردع فالقانون يجرم مسكها أو قتلها أو الاتجار بها بموجب قوانين حماية الثروات البحرية والتنوع البيولوجي، إلى جانب التزامات تونس الدولية. ورغم الدور الرقابي الموكول لوحدات انفاذ القانون في متابعة المخالفات والتصدي للصيد غير القانوني، تبقى التجاوزات متواصلة وفق المعطيات الميدانية، رغم عمل الجمعيات البيئية في التوعية والتدخل الميداني.

في سياق التحقيق، تقدّمنا بطلب رسمي إلى وزارة الداخلية للحصول على معطيات حول عدد المخالفات المرتبطة بصيد أو مسك السلاحف البحرية ووضعيتها على السواحل التونسية، خاصة في خليج قابس، غير أننا لم نتلقَّ أي رد إلى تاريخ نشر هذا المقال. كما امتنعت وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عن الإجابة عن استفساراتنا دون تقديم مبررات، وفق ما أفادت به المكلفة بالإعلام، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية خطط الدولة في حماية هذا الكائن البحري المهدد.

من المنصة العائمة إلى جزر قوريا، تجارب رائدة لتأهيل السلاحف

على مستوى جهود الإنقاذ، تُعد تونس من الدول المتقدمة نسبيًا في مجال معالجة وتأهيل السلاحف البحرية المصابة، مقارنة بعديد بلدان جنوب المتوسط، حيث توجد مراكز مختصة، من بينها مركز بالمنستير تابع لـلمعهد العالي لعلوم وتكنولوجيا البحار، وآخر بكلية العلوم بصفاقس وهي تعمل على إعادة تأهيل السلاحف قبل إرجاعها إلى بيئتها الطبيعية غير أن ضعف إنفاذ القانون أدى لظهور مبادرات ميدانية تحاول سدّ هذا الفراغ، عبر تطوير آليات التدخل المباشر بإمكانيات نجاعة أفضل لحماية السلاحف البحرية وإنقاذها.

ففي جزيرة قرقنة، أطلقت جمعية قراطن للتنمية المستدامة والثقافة والترفيه تجربة رائدة تتمثل في منصة عائمة لإعادة تأهيل السلاحف البحرية المُصابة، وُضعت بالقرب من جزيرة قرمدة بمنطقة العطايا. وتهدف هذه المنصة إلى تقليص الوقت الفاصل بين العثور على السلحفاة المصابة والتكفل بها، من خلال تمكين البحارة من نقلها مباشرة إلى موقع العلاج في البحر، بدل تعقيدات النقل إلى البر. وتتم داخل هذه المنصة عمليات التشخيص والعلاج بإشراف مختصين وبياطرة، قبل إعادة السلاحف إلى بيئتها الطبيعية، في تجربة تُعد من بين النماذج النادرة في البحر الأبيض المتوسط، حيث تعتمد أغلب المبادرات على مراكز برية. وفق إفادة عضو الجمعية وأحد المُشرفين عليها حامد ملاط.

المنصة العائمة بجزيرة قرقنة لإعادة تأهيل السلاحف البحرية المصابة – AKDDCL

ويكشف ملاط أن عدد السلاحف التي تم إنقاذها مباشرة في البحر خلال العامين الأخيرين بلغ 332 سلحفاة، إضافة إلى استقبال نحو 18 سلحفاة سنة 2024 و19 سلحفاة سنة 2025 في المنصة العائمة للعلاج وإعادة التأهيل. وفي خليج ڨابس يشير ناصر غليص إلى أنه تم خلال السنة الماضية إعادة 12 سلحفاة بحرية إلى البحر في إطار هذه المبادرات، بعد علاجها.

هذه المبادرات تندرج ضمن توجه أوسع في تونس لتعزيز حماية التنوع البيولوجي البحري، إذ تم تطوير تجارب مماثلة في المنستير، خاصة على مستوى أرخبيل قوريا، التي يعد من أبرز مواقع تعشيش السلاحف البحرية في البلاد. وقد شهدت هذه الجزر برامج لحماية الأعشاش ومراقبة السلاحف، ضمن مقاربة تشاركية تجمع بين البحث العلمي والمجتمع المدني، ما يعكس إمكانية بناء نماذج ناجحة للحفاظ على هذا الكائن، رغم التحديات البيئية والضغوط البشرية المتزايدة.

ورغم ما تحققه هذه المبادرات من نتائج ملموسة على المستوى المحلي، فإنها تصطدم بسياق أوسع، حيث تتحول حماية السلحفاة البحرية إلى قضية عابرة للحدود داخل فضاء متوسطي مشترك، تتداخل فيه الالتزامات البيئية مع رهانات اقتصادية ثقيلة، بما يجعل جهود الإنقاذ محدودة التأثير خارج نطاقها المحلي.

إستمع إلى شهادة حامد ملاط

نفوذ كبرى شركات النقل يُعيق إنفاذ القانون البيئي

تُشكل القوانين والاتفاقيات الدولية حجر الأساس لحماية النظم البيئية البحرية، من بينها اتفاقية برشلونة لحماية البحر المتوسط، والتي تهدف إلى الحد من التلوث والحفاظ على التنوع البيولوجي في المنطقة، غير أن فعالية هذه الأطر تظل محدودة على أرض الواقع، بفعل تشابك النفوذ الدولي وتضارب مصالح الدول الصناعية وشركات النقل البحري.

في هذا السياق، يشير كريستيان هيغلو محامي فرنسي بيئي وخبير دولي في المجال، في لقاء مع نواة، إلى أن ”حماية البيئة البحرية في المتوسط تصطدم بإشكاليات تطبيق حقيقية، موضحًا أن تجدد مياه البحر المتوسط يستغرق نحو قرن، ما يجعل أي تلوث حتى إن كان عرضيًا ذو أثر طويل الأمد. كما ينبه إلى محدودية صلاحيات المنظمة البحرية الدولية، وتأثير لوبيات النقل البحري في توجيه قواعد اللعبة، بما يضعف فعالية القوانين ويُفرغها جزئيًا من مضمونها.“

في المحصلة، لا تواجه سلحفاة البحر مجرد تهديدات متفرقة، بل منظومة ضغط متكاملة، تمتد من ممارسات محلية قائمة، إلى أنشطة اقتصادية عابرة للحدود يصعب إخضاعها للمساءلة. وبين هذا وذاك، تصبح حماية هذا الكائن اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنظومة البيئية العالمية على فرض قواعدها لا فقط إعلانها ضمن معادلة غير متكافئة.


[1] علوم البيئة الكلية، المجلد 954، 1 ديسمبر 2024, دراسة عالمية عن حوادث التسمم الناتجة عن استهلاك لحم السلاحف البحرية وتأثيراتها على صحة الإنسان

[2] ميساء لوحيشي، ألكسندر جيرار، إيمد جريبي (2023). دراسة: ”مقابلات الصيادين: أداة منخفضة التكلفة لتقييم تأثير الصيد على السلاحف البحرية الضعيفة في تونس وتحديد أدوات التخفيف“. مختبر BIOME، كلية العلوم، جامعة صفاقس، تونس؛ وPatriNat، المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي، باريس، فرنسا

[3]  كلية العلوم، جامعة صفاقس، ، تونس. 31/10/2025، تأثير التلوث الضوئي على نجاح تعشيش سلحفاة منقار الصقر في الشابة