المسار الاحتجاجي الطويل الذي يقوده ”الڨوابسية“ كان نتيجة لوعي متصاعد بخطورة الضرر البيئي والصحي وبحدود الخيارات التنموية التي فُرضت على الجهة. وعي واحتجاج تحول مع مرور السنوات من التنبيه والتحذير إلى رفع سقف المواجهة وصولا إلى الدعوة الصريحة لتفكيك الوحدات الصناعية التي تنفث أطنانا من السموم يوميا في أرض وبحر وسماء ڨابس، تطور ترجمه الطوفان البشري الذي خرج يوم الاضراب العام في 21 أكتوبر 2025 في مشهد غير مسبوق لم تعرفه ضفتا المتوسط وشمال القارة الافريقية سابقا، كتعبير عن حجم الاحتقان وعمق القطيعة بين السكان والسياسات المعتمدة.
نضال مستمر ومطالب معلّقة
تطور الأحداث في علاقة بكارثية الوضع البيئي في ڨابس لا يمكن فهمه دون العودة إلى المسار الطويل الذي سطّر ملامح الحراك البيئي في الجهة، مسار لا يُختزل في لحظة احتجاج أو موجة غضب، بل تأسس على تراكم ممتد لسنوات. فمنذ ما قبل 2011 كانت بوادر الرفض قائمة، وإن ظلّت محدودة الأثر، رغم وجود وعي لدى الڨوابسية بمحورية الملف البيئي منذ ظهور أولى مخلفات تركيز المجمع الكيميائي وبداية تدمير التوازن البيئي وفق ما يؤكده ابن المنطقة والناشط البيئي محرز الحمروني في حديثه لنواة.
الا أن التحول الفعلي بدأ يتشكل سنة 2012 بعد أن هبت رياح الثورة على البلاد، حيث خرجت المطالب البيئية من الهامش والحلقات المغلقة إلى الفضاء العام وأدارت اعناق وسائل الاعلام محلية كانت او عالمية، لتظهر أولى أشكال التنظيم يوم 5 جوان 2012 حول مطالب ”اجتماعية اقتصادية بيئية والحق في حياة كريمة“ وفق ما يقوله صابر عمار، عضو حملة STOP POLLUTION، في تصريحه لنواة. فمن هذا المنعطف تشكّلت الحملة كإطار جامع أعاد صياغة الغضب المحلي في شكل فعل منظم واضعا مسألة التلوث في ڨابس ضمن معادلة نضالية مفتوحة على الزمن، وفق تعبيره. غير أن أهمية هذا الحراك لا تكمن فقط في لحظة تأسيسه، بل في قدرته على الاستمرار، فعلى امتداد أكثر من عقد لم ينقطع هذا المسار، بل أعاد إنتاج نفسه عبر محطات متتالية في علاقة مباشرة بتعمّق الأزمة البيئية وتوسّع آثارها.
يفسر صابر عمار هذا التطور بأن الڨوابسية أدركوا أنهم بحاجة للكثير من النضال من أجل تغيير الواقع المزري، في إشارة إلى انتقال الوعي من مجرّد إدراك بالخطر إلى قناعة بضرورة مواجهة طويلة النفس. فالتلوث في ولاية ڨابس لم يعد يعتبر كإشكال تقني معزول، بل كنتاج مباشر لمنظومة صناعية كاملة تفتك بالمنطقة. الإشكاوفق ما يؤكده محرز الحمروني يكمن في كل المنطقة الصناعية التي تمثل خطرا صحيا وليس في وحدة بعينها أو في المجمع الكيميائي لوحده، وهو ما يتقاطع مع توصيفات داخل الحراك تعتبر النشاط الكيميائي غير قادر على خلق التنمية، بل يخلق فقط مصطلح ”مناطق التضحية“، مثل ڨابس والحوض المنجمي بڨفصة وغيرها من المناطق، حيث تتحمّل جهات بعينها كلفة خيارات اقتصادية لا تعود عليها بالتنمية.

رغم بعض المحطات المفصلية، من بينها المظاهرات التي دفعت الحكومة في 29 جوان 2017 إلى عقد مجلس وزاري انبثق عنه قرار بتفكيك الوحدات الملوثة بالمجمع الكيميائي، أو مقترحات نقل الوحدات الصناعية خارج المناطق السكنية سنة 2019، فإن أيّا من هذه القرارات لم تر النور، حيث تنصلت الحكومة من تنفيذ قرار 2017 ووأدت تدخلات سياسية مقترح 2019. في هذا السياق يشير الحمروني إلى أن مشروع نقل وحدات المجمع خارج ڨابس وبالتحديد إلى معتمدية منزل الحبيب تم تعطيله بتدخلات سياسية ما أدى إلى مواصلة الكارثة البيئية في شط السلام وڨابس، في تعبير يلخّص من وجهة نظره حدود الاستجابة الرسمية. ومع ذلك لم يؤدّ هذا التعطيل إلى انكسار الحراك، بل ساهم في مزيد تجذره وتحوله إلى مطلب شعبي يرفعه عشرات الآلاف. فالهاجس البيئي، كما يظهر من خلال الشهادات التي وثّقتها نواة خلال لقاءاتها بالسكان والنشطاء لم يكن مجرد ردّ فعل ظرفي بل سيرورة متواصلة فرضت إبقاء هذا الملف على رأس أولويات المنطقة لتسجل حضورها في كل حراك احتجاجي يخوضه الڨوابسية في شوارع ڨابس وحتى خارج الولاية والبلاد اجمالا في مواجهة واقع لم يتغير ووعود لم تتحقق.
هذا الإصرار المتواصل منذ سنوات أخرج ملف التلوث في ڨابس من حدوده المحلية أو الجهوية، ليحوّله إلى أحد أبرز الاختبارات الفعلية للسياسات العمومية في تونس وإلى معيار يُقاس به مدى جدية السلطة في التعاطي مع قضايا البيئة والعدالة الاجتماعية. فتعاقب الحكومات لم يغيّر من جوهر المقاربة المعتمدة بقدر ما كرّس نمطا من إدارة الأزمة قائما على التأجيل والمراوحة، رغم تصاعد الاحتجاجات وتراكم المؤشرات الدالة على عمق الكارثة.
بعد انقلاب جويلية 2021 والقضاء على التعددية والعودة الى حكم الفرد، كان شعار ”الشعب يريد“ حجر أساس خطاب الرئيس سعيّد، غير أن هذا الشعار وُضع في ڨابس أمام اختبار حقيقي حين أعاد المحتجون توجيهه بشكل صريح، رافعين مطلب تفكيك الوحدات الملوثة باعتباره تعبيرا عن إرادة محلية واضحة، إلا أن ”سردية السلطة حول شعار الشعب يريد ارتبكت في ڨابس“ لتكشف حدود الانسجام بين الخطاب والممارسة، وفق ما يقوله صابر عمار.
ففي مقابل هذا التعبير الشعبي الواضح لم تسجّل استجابة سياسية بمستوى المطالب رغم ما نقل عن الرئيس سعيد من إقرار في أكثر من مناسبة بأن ڨابس منطقة منكوبة اغتيلت فيها البيئة وتعاني من التلوث وأن حلّها يمر عبر قرار سياسي وإرادة سياسية. غير أن هذا الاعتراف الذي مثل في لحظته تحولا في اللغة الرسمية لم ينعكس على مسار الفعل العملي إذ بقيت الإجراءات المعلنة، ولعل أبرزها اللجنة التي عينها الرئيس، في حدود الخطابات دون أن تنفذ على أرض الواقع أو تفضي إلى نتائج ملموسة تغير من واقع التلوث أو تحسن واقع العيش في الجهة، وهو ما يشير إليه الناشط محرز الحمروني في شهادته لنواة مستحضرا لقاءه برئيس الدولة في قصر قرطاج بعد أن تحول من شط السلام بڨابس الى قصر قرطاج على متن دراجة نارية في حركة رمزية للفت الانتباه الى الكارثة البيئية، حيث وجد مساندة وتفهما ووعودا لم ترى النور رغم مرور نحو 6 سنوات عن ذلك اللقاء.

عدم ثبوت الضرر… رغم ثبوته
في تطور اعتبر مفصليا في مسار الملف، جاء الحكم القضائي القاضي أواخر فيفري 2026 بعدم ثبوت الضرر بعد شكاية رفعتها هيئة المحامين بڨابس، اسنادا للحراك البيئي ضد المجمع الكيميائي التونسي، استندت الشكاية على تقرير التدقيق البيئي والاجتماعي لسنة 2025 الذي أعدّه المجمع نفسه. وهو تقرير لا يترك في مضمونه مجالا واسعا للتأويل إذ يكشف عن سلسلة من الإخلالات المصنفة في معظمها ك”عدم مطابقة جسيمة“ تمتد من تجاوزات في تصريف المياه الصناعية من حيث الحرارة والحموضة وتركيز المواد الكيميائية إلى استمرار تدفق مواد ملوثة نحو البحر في ظل غياب شبه تام لمنظومة مراقبة فعالة. كما يوثّق التقرير انبعاثات متعددة لغازات سامة دون رقابة دقيقة أو بيانات محينة فضلا عن اختلالات هيكلية في إدارة النفايات وعلى رأسها ملف الفوسفوجيبس بما يعكس خللا عميقا في الحوكمة البيئية يتجاوز مجرد اخلالات تقنية معزولة.
في مشهد غير مسبوق، شهدت ولاية ڨابس يوم الثلاثاء 21 أكتوبر 2025 تحرّكًا تاريخيًا لبّى فيه الڨوابسية نداء الاتحاد الجهوي للشغل، بالتزام مواطني عالي في إضراب عام شلّ كل المرافق بنسبة نجاح بلغت 100%. أعقب الإضراب مسيرة شعبية ضخمة فاق عدد المشاركين فيها 110 ألف شخص، جابت شوارع المدينة مطالبة بوقف الجريمة الكيميائية المستمرّة ضد الإنسان والطبيعة في ڨابس.
هذا المسار القضائي لم يتطور في معزل عن سياقه الميداني إذ تزامن مع تصاعد غير مسبوق في حالات الاختناق خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2025 في ڨابس ما تسبب في احتجاجات واسعة وإضراب عام في لحظة كشفت حجم الأزمة كما يعيشها السكان يوميًا ومناخ عام كان فيه تتالي حالات الاختناق وارتفاعها من أبرز العوامل التي فجّرت الغضب الشعبي مقابل غياب استجابة فعلية تعالج جذور المشكلة.
الإنهاك القضائي للنشطاء، الرياضة الأولى للسلطة في تونس
في امتداد مباشر لما كشفه مسار الطعن في الحكم القاضي بعدم ثبوت الضرر، وبعد فشل السلطة في اخماد جذوة الحراك، انتهجت تحريك ملفات قضائية تستهدف قادة الحراك البيئي وأبرز النشطاء في ڨابس. فرغم جعجعة شعارات سلطة 25 جويلية وحديثها عن مقاربات جديدة ستغير شكل البلاد والعالم بأسره، فقد حافظت في قضية الحال على ما كانت تعتمده سياسات استبداد بن علي في قمع التحركات الاحتجاجية؛ البداية تكون بمحاولة التعتيم وضرب الحق في الوصول الى المعلومة ثم اعتماد العنف البوليسي وتنفيذ جملة من الاعتقالات العشوائية ونهاية تمرير الملف الى القضاء لإخماد الحراك وترهيب النشطاء من مغبة العودة إلى التحرك. قضية الناشط البيئي خير الدين دبية تبدو كأبرز تجليات تتبّع النشطاء على خلفية تحركاتهم. فقد صدر في حقه حكم ابتدائي غيابي بالسجن لمدة سنة، بتهمة ”تعطيل حرية العمل“ وذلك بناء على شكوى تقدّم بها المجمع الكيميائي التونسي.
وبحسب ما أورده دبية في تدوينة على حسابه الشخصي بعد صدور القرار، فقد علم بصدور الحكم بشكل غير مباشر بعد أن أخبره أحد النشطاء، في حين تعود أطوار القضية إلى سنة 2020 عندما تم إيقافه رفقة مجموعة من الشباب خلال اعتصام أمام الإدارة الجهوية للمجمع بڨابس قبل أن يتم إطلاق سراحهم بعد ساعات إثر تدخل عدد من المحامين وتجمّع مواطنين في المكان. مضيفا أن المعلومات التي بلغتهم آنذاك كانت بحفظ الملف قبل أن تتم إعادة إثارته سنة 2022، ليتفاجأ المعنيون يوم 8 مارس 2023 بصدور حكم غيابي بالسجن لمدة سنة في حق 12 شخصا دون أن يتلقّوا أي استدعاء أو إعلام مسبق.
كما أشار إلى صدور برقيات تفتيش في حقه خلال شهري نوفمبر وديسمبر الماضيين، تزامنا مع عودة الحراك البيئي إلى الواجهة وتصاعد المطالب بتفكيك الوحدات الصناعية التابعة للمجمع، معتبرا أن هذا الاستهداف لن يثنيه عن مواصلة نشاطه ولن يزيده إلا إصرارا على مواصلة النضال.
على الرغم من الحراك الشعبي الواسع الرافض للتلوث في ڨابس، أصدرت المحكمة مؤخرا حكما قضائيا برفض غلق المجمع الكيميائي بدعوى عدم ثبوت الضرر البيئي ما أثار موجة استياء لدى الأهالي والنشطاء البيئيين. في هذا الإطار التقت نواة صابر عمار، الباحث والناشط بحراك Stop Pollution، للحديث عن الحكم القضائي الأخير وتقييم تعامل السلطات مع المطالب البيئية بالإضافة إلى عدد من القضايا البيئية الأخرى المطروحة .
يبرز هذا المنحى بوضوح في ما يصفه الناشط صابر عمار بتحريك ملفات النشطاء الموجودة لدى القضاء منذ 2020 الذي لم يأت بمعزل عن السياق العام في البلاد، بل تزامن مع ذروة الاحتجاجات البيئية والاجتماعية، معتبرا أن ذلك يندرج ضمن سياق سياسي عام يقوم على الترهيب. ولا يتعلق الأمر بإجراءات قضائية معزولة بل بمقاربة أوسع في إدارة الملفات ذات الطابع الاحتجاجي تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع التوظيف القضائي بما يجعل من القضاء في بعض الحالات جزءا من مناخ الضغط المحيط بالحراك. هذا التصور لا يُطرح من فراغ، بل يأتي متصلا بتجربة ميدانية تشهد تواترا في الاحتجاجات مقابل بطء أو غياب الاستجابة للمطالب البيئية. يذهب عمار في حديثه إلى التأكيد على أن هذا المسار، رغم ثقله الرمزي والقانوني ”لن يكون قادرًا على قبر الملف البيئي أو إنهاء مطالب الڨوابسية“، في إشارة إلى ما يعتبره صلابة اجتماعية للحراك وقدرته على الاستمرار رغم تعدد أدوات الضغط القانوني.

يكشف المسار الممتد للحراك البيئي في ڨابس عن أكثر من مجرد نزاع حول التلوث أو حدود المسؤولية التقنية للمجمع الكيميائي، ليرتقي إلى ملف مركّب يتقاطع فيه البيئي بالصحي والاجتماعي والقضائي، في علاقة توتر دائمة بين المعطى الميداني والتعامل المؤسسي معه. فمنذ انطلاق حملة STOP POLLUTION سنة 2012 وما قبلها، حافظ الحراك على حيويته مع مراكمة التجارب واكتساب خبرات في التحرك وكشف مواطن الخلل والتفاوض، ما أدى إلى نجاح الاضراب العام في أكتوبر 2025 وخروج المدينة على بكرة ابيها للتظاهر، ما اضطر السلطة الى سحب بوليسها من الشوارع. في المقابل لم ينجح المسار الرسمي في حسم هذا الملف أو تقديم اجابة تتناسب مع حجم المطالب المطروحة. وفي ظل استمرار تتبّع عدد من النشطاء وغياب حلول بنيوية قادرة على معالجة جذور الأزمة يبقى ملف ڨابس مفتوحا على احتمالات متعددة عنوانها الأبرز هو استمرار الحراك كفعل اجتماعي وحقوقي يرفض التراجع طالما استمر المجمع الكيميائي في نفث سمومه في المنطقة.

انجز هذا المقال كجزء من نشاط ”شبكة المواقع الاعلامية المستقلة بخصوص العالم العربي“، وهي إطار تعاون إقليمي تشارك فيه ”السفير العربي“، و”مدى مصر“، و”مغرب اميرجان“، و ”بابل ماد“ و ”ماشا الله نيوز“، و”نواة“، و”حبر“ و”أوريانXXI“.




iThere are no comments
Add yours