في الوسط والجنوب التونسي، لا تُختزل الأرض في حدود الملكية أو في الأرقام المسجلة على خرائط الاستثمار، بل هي فضاء للعيش والإنتاج، تمتد فيه السباسب والمراعي على مساحات واسعة، وتتحرك القطعان وفق إيقاع المطر وتعاقب المواسم، فيما تتشكل حولها أنشطة اقتصادية واجتماعية تعتمد على تربية الماشية وتجارة الأغنام ومشتقاتها، في إطار منظومة تقوم على توازن دقيق بين الأرض والماء والمناخ. غير أن هذا الواقع بات يطرح تساؤلات مُلحّة مع التسارع المتزايد لمشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر: ماذا يحدث عندما تتحول أراضٍ رعوية وزراعية شاسعة إلى فضاءات مخصصة لإنتاج الطاقة، وما هي كُلفة هذا التحول على الأرض والماء، ومن هم المستفيدون الفعليون منه، وإلى أي مدى ينسجم مع هدف السيادة الطاقية في ظل الانفتاح على الاستثمارات الأجنبية؟
يأتي هذا التحقيق في سياق توجه رسمي نحو الانتقال الطاقي، الذي يُقدَّم باعتباره انتقالاً أخضر وخياراً استراتيجياً لمعالجة العجز الطاقي ودعم اقتصاد منخفض الكربون حيث سيسعى إلى تفكيك الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية لهذه المشاريع.
تغيير وظيفة الأرض وإعادة تشكيل أنماط العيش المحلية
في منطقة منزل الحبيب التابعة لولاية قابس، إحدى المناطق المدرجة ضمن مواقع مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، لا يُخفي الفلاح عزالدين جماعي مخاوفه من التحولات التي قد تطرأ على نمط العيش المحلي إذ يقول إن ”الأراضي المرشحة لاحتضان هذه المحطات ليست فضاءات فارغة أو غير مستغلة، بل أراضٍ رعوية وخاصة تعتمد عليها أنشطة قائمة منذ عقود، من الرعي إلى الزراعات الموسمية المرتبطة بنزول الأمطار وحركة القطعان بين السباسب.“

تكتسي هذه المسألة أهمية متزايدة عقب مصادقة مجلس نواب الشعب في أفريل 2026 على خمس اتفاقيات لزمات لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية .”الفولطوضوئية“ موزعة بين ولايات سيدي بوزيد وقفصة وقابس، بطاقة جملية تناهز 598 ميغاواط وكلفة استثمارية تقدر بحوالي 1.64 مليار دينار. تمتد هذه العقود بين 20 و25 سنة، تتولى خلالها الشركات صاحبة اللزمات إنشاء المحطات واستغلالها وبيع كامل إنتاجها إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز، قبل أن تعود المنشآت إلى الدولة أو يتم تفكيكها وفقاً للشروط التعاقدية.[1]
غير أن إسناد هذه اللّزمات، الذي حُصر في ثلاث شركات أجنبية، يطرح إشكاليات حول مدى انسجامه مع الخطاب الرسمي الذي يرفع شعارات السيادة الوطنية في أكثر من مناسبة ويثير تساؤلات بشأن ترجمة هذا التوجه على مستوى الممارسة الفعلية، خاصة وأنه يندرج ضمن سياسة تُقدَّم باعتبارها ركيزة للانتقال الطاقي وتقليص الاعتماد على الواردات الطاقية.
هذه الخيارات تأتي في سياق يتسم بتفاقم الضغوط على قطاع الطاقة. فقد بلغ العجز الطاقي في تونس سنة 2025 نحو 6.3 مليون طن مكافئ نفط، فيما ارتفعت نفقات دعم الطاقة من 550 مليون دينار سنة 2011 إلى 7112 مليون دينار سنة 2025، بما يعادل قرابة 9 بالمائة من ميزانية الدولة. كما لا يغطي الإنتاج الوطني من الغاز الطبيعي سوى 23 بالمائة من الاستهلاك المحلي، وفق معطيات المرصد الوطني للطاقة والمناجم.
وتُقدَّم هذه المشاريع في الخطاب الرسمي باعتبارها استجابة ضرورية لهذه الاختلالات، غير أن توسع البنية التحتية الطاقية في المناطق الرعوية والزراعية يفتح، وفق الوقائع الميدانية، أسئلة حول التحولات التي قد تطال أنماط استعمال الأرض ووظائفها الاقتصادية.
في هذا السياق، يقول عزالدين جماعي، فلاح وعضو المجلس المحلي بمنطقة منزل الحبيب في مقابلة لـنواة، إن .”نمط العيش المحلي شهد خلال السنوات الأخيرة تحولات تدريجية بفعل تراجع التساقطات وتغير المناخ وتقلص الغطاء النباتي، إلى جانب تراجع دعم النشاط الرعوي.“ ويضيف أن ”هذه التحولات، رغم حدّتها، ظلت في حدود قدرة السكان على التكيّف، فيما يمثل إدخال مشاريع الطاقات المتجددة تحولاً من طبيعة مختلفة، لأنه لا يقتصر على تغيير أنماط الإنتاج، بل يمس وظيفة الأرض ذاتها ويعيد توجيه استعمالها نحو أغراض جديدة.“
ويحذر جماعي من أن ”أي تقليص للمساحات الرعوية لا ينعكس على الإنتاج الفلاحي فحسب، بل يمتد أثره إلى منظومة اجتماعية واقتصادية كاملة تشمل مربي الماشية والتجار والحرفيين المرتبطين بهذا القطاع في ظل ضغط بيئي متزايد أصلاً.”
يحذر جماعي من أن أي تقليص للمساحات الرعوية لا ينعكس على الإنتاج الفلاحي فحسب، بل يمتد أثره إلى منظومة اجتماعية واقتصادية كاملة تشمل مربي الماشية والتجار والحرفيين المرتبطين بهذا القطاع، في ظل ضغط بيئي متزايد أصلاً. ورغم هذه التحفظات، لا يرفض مشاريع الطاقات المتجددة من حيث المبدأ، لكنه يشدد على ضرورة ألا تتم على حساب التوازنات المحلية أو تتحول إلى فضاءات مغلقة أمام أنشطة السكان. ويستحضر في هذا السياق تجربة قابس مع التحولات الصناعية خلال العقود الماضية، حين حوّلت الصناعات الثقيلة المدينة من فضاء فلاحي وسياحي إلى مركز صناعي مثقل بالتلوث، محذراً من إمكانية إعادة إنتاج اختلالات مشابهة بأدوات جديدة.
ومن زاوية أوسع، تعتبر الأستاذة الجامعية والباحثة وعضو مجموعة السيادة الفلاحية ليلى الرياحي أن ”الإشكال في مشاريع الطاقات المتجددة يتعلق بالموارد التي تقوم عليها، وفي مقدمتها الأرض وتوضح أن هذه المشاريع تتطلب مساحات شاسعة، ما يجعل أراضي الرعي في الوسط والجنوب الأكثر استقطاباً، بحكم قربها من الشبكات والبنية التحتية وانخفاض كلفة تهيئتها مقارنة بالمناطق الصحراوية أو الجبلية.“
على خلاف ما يُروَّج بشأن فراغ هذه الأراضي، تؤكد ليلى الرياحي أن ”هذه الأراضي ليست فضاءات هامشية، بل هي قاعدة الاقتصاد الرعوي في تونس، غير أن تحويل هذه المجالات إلى مواقع لإنتاج الطاقة يعني، عملياً، تطويقها بالبنية التقنية للمشاريع وتسييجها، بما يحدّ من حركة الرعي ويقلّص من نفاذ المربين إلى مواردهم التقليدية، في سياق يتسم بتزايد هشاشتها البيئية وتعمّق دورها داخل المنظومة الغذائية والاجتماعية.“ وتتقاطع مقاربتها مع ما ذهب إليه عزالدين جماعي في شهادته الميدانية بشأن انعكاسات هذه المشاريع على أنماط العيش المحلي وعلاقة السكان بالأرض.
تشير الرياحي في تصريح لـنواة إلى أن .”التسهيلات القانونية المرتبطة بالاستثمار في الطاقات المتجددة ساهمت في تسريع النفاذ إلى الأراضي الفلاحية والرعوية، في ظل غياب رؤية شاملة توازن بين متطلبات الانتقال الطاقي ومصالح المجتمعات المحلية، معتبرة أن هذا التوجه يندرج ضمن نموذج يمنح الأولوية للتصدير على حساب تلبية الحاجيات الوطنية.“
وتكشف تنقيحات السنوات الأخيرة، عن مسار تدريجي لفتح قطاع الطاقة أمام الاستثمار، عبر السماح بإنجاز مشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة على أراضٍ فلاحية دون تغيير صبغتها، تحت مبرر تسريع الاستثمار، بالتوازي مع إعادة هيكلة القطاع وفق منطق اللزمات والعقود طويلة الأمد.
وما يُعمّق حالة إنكار الواقع ووتيرة التسريع التي تطبع مسار تنفيذ هذه المشاريع هو تمريرها في غياب تقييمات كافية للأثر البيئي والبيولوجي، إذ تُطرح، وفق ما تشير إليه الرياحي، في غياب دراسات معمّقة حول تأثيرها على التنوع البيولوجي والأنظمة البيئية الهشة، خاصة في مناطق السهوب والمراعي التي تلعب دوراً أساسياً في مقاومة التصحر وتثبيت الكربون في التربة، بما يحدّ من إمكانية تقييم انعكاساتها الفعلية على هذه المنظومات. وتخلص إلى أن:
النموذج الحالي لا يوفّر شروط نقل تكنولوجي أو تطوير صناعي فعلي، باعتبار أن المعدات والتجهيزات تُستورد بالكامل تقريباً، بينما يبقى الأثر المحلي محدوداً على مستوى التشغيل. وترى أن النتيجة هي إعادة توجيه الموارد الطبيعية نحو إنتاج طاقة موجهة أساساً إلى الخارج، مقابل تقلص تدريجي في المساحات المخصصة للرعي والفلاحة، بما يكرس عدم التوازن بين الانتقال الطاقي والحفاظ على الوظائف الاقتصادية والاجتماعية للأرض.
كما لا يتوقف النقاش عند هذا المستوى فحسب، بل يمتد إلى طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يحكمها والخطاب البيئي الذي يرافقها. فحين يظل الأثر المحلي محدوداً من حيث التشغيل والتصنيع ونقل التكنولوجيا، مقابل توجيه الموارد والأراضي نحو إنتاج طاقة تخدم بالأساس دوائر استهلاك وأسواق خارجية، يبرز التساؤل حول ما إذا كان الأمر يتعلق بانتقال طاقي عادل، أم بإعادة إنتاج علاقات تبعية قديمة؟
وقعت تونس الأسبوع الماضي مذكرة تفاهم مع شركتي توتال للطاقات الفرنسية وفاربوند النمساوية لإنجاز مشاريع للهيدروجين الأخضر في تونس، وسط مخاوف جدية من مخاطره على البيئة وعلى الثروات الطبيعية. ووسط هذا الجدل، حاورت نواة، ليلى الرياحي ممثلة المنصة التونسية للبدائل لتفسير التحديات التي ستواجهها تونس بعد توقيعها على تلك المذكرة.
غسيل أخضر يستنسخ النموذج الاستعماري
يرى إلياس بن عمار، عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل، أن الجدل حول لزمات إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة يكمن في النموذج الذي تم اختياره لتنفيذه، والذي أعاد، ترتيب علاقة الدولة بالقطاع الطاقي عبر منطق اللزمات والعقود طويلة الأمد. مشيرا إلى أن قانون عدد 12 لسنة 2015 المتعلق بإنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، فتح المجال أمام القطاع الخاص، وخاصة المستثمرين الأجانب، للدخول إلى إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح عبر نظام اللزمات. بموجب هذا الإطار، تتولى الشركات الفائزة إنجاز محطات الإنتاج وتشغيلها وبيع كامل الإنتاج حصرياً إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز.
يعتبر بن عمار أن ”هذا النموذج يعيد إنتاج منطق اللزمات الاستعماري الذي تم تفكيكه مع دولة الاستقلال، حين أُلغيت اللزمات الفرنسية وتم إحداث الشركة التونسية للكهرباء والغاز كإطار عمومي موحد بحيث انتقلنا من ذلك الاستعمار المباشر إلى استعمار تعاقدي ومن امتيازات شركات أجنبية إلى عقود طويلة الأمد تُبرم ضمن إطار الانتقال الطاقي ويعتبر أن النتيجة في الجوهر واحدة وهي تحكم خارجي في موارد استراتيجية مقابل تقليص تدريجي لدور الدولة المنتج.“
ويُثير المُتحدث في مقابلة خاصة مع نواة جملة من التحفظات على هذه الصيغة التعاقدية، معتبراً أن ”المخاطر الاقتصادية لا يتحملها المستثمر وحده، بل تنتقل أساساً إلى الشركة التونسية للكهرباء والغاز، إذ تُلزم العقود المبرمة هذه الأخيرة بشراء كامل الكهرباء المنتجة طيلة فترة تمتد بين 20 و25 سنة، حتى في الحالات التي لا تكون فيها الشبكة الوطنية في حاجة إلى كامل الإنتاج.“
ويرى أن هذا النموذج يشمل أيضاً ”طريقة صياغة السياسات الطاقية، مشيراً إلى اعتماد تونس المتزايد على الوكالات والخبرات الأجنبية في إعداد الدراسات والاستراتيجيات المرتبطة بالقطاع. ويعتبر أن جزءاً مهماً من القرار الطاقي أصبح يُبنى خارج المؤسسات الوطنية أو بالاستناد إلى تصورات وخيارات تقنية جاهزة، بما يحدّ من استقلالية القرار العمومي في مجال استراتيجي.“
كما تُظهر المعطيات أن كلفة شراء الكهرباء في إطار هذه اللزمات، رغم تحديدها تعاقدياً، تبقى مرتبطة بعوامل خارجية مثل سعر صرف الدينار وتقلبات الأسعار الصناعية في أوروبا، في حين تبقى مداخيل الشركة التونسية للكهرباء والغاز محلية بالدينار، وهو ما يخلق اختلالاً هيكلياً في توازن المخاطر على المدى الطويل بين طرفي العقد.
يتعزز هذا الاختلال، وفق الإطار التعاقدي ذاته، بجملة من الضمانات الممنوحة للمستثمرين، من بينها تثبيت جبائي يمنع مراجعة النظام الضريبي طوال فترة قد تصل إلى 25 سنة، إلى جانب اللجوء إلى آليات تحكيم دولي خارج تونس في فض النزاعات، وهو ما يعني عملياً إسناد جزء من الحوكمة التعاقدية إلى منظومات قانونية خارج الإطار القضائي الوطني، بما يعمّق الطابع الدولي لهذه العقود ويحد من أدوات التدخل السيادي لاحقاً.
كما تشير ذات المعطيات إلى أن عدداً من المشاريع يُنجز ضمن تحالفات دولية تضم فاعلين أجانب في مجال الطاقات المتجددة، من بينهم شركة Scatec النرويجية المتخصصة في تطوير وتشغيل مشاريع الطاقة الشمسية. وقد ورد اسمها في بعض التقارير في سياق تصدير أرصدة الكربون[2] إلى جهات خارجية، من بينها وزارة البيئة اليابانية، بما يعكس توجيه جزء من القيمة البيئية للمشاريع نحو الخارج، بكلفة قُدّرت بنحو 80 مليون دينار.
في المقابل، يظل الحضور المحلي محدوداً، إذ لا يتجاوز شركة تونسية واحدة من بين عشرة متعهدين، دون ضمانات واضحة لنقل التكنولوجيا أو تعزيز التشغيل المحلي.
تضع دراسة صادرة عن مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة في نوفمبر 2025، هذا التحول في سياقه التاريخي إذ بدأ مع سياسات التحرير الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية التي شهدتها تونس منذ أواخر الثمانينيات، قبل أن يتجسد قانونياً عبر فتح مجال إنتاج الكهرباء أمام القطاع الخاص سنة 1996[3] وصولاً إلى قانون سنة 2015 وهو مسار لم يقتصر على تونس، بل شمل عدداً من بلدان الجنوب على وقع توصيات المؤسسات المالية الدولية الداعية إلى تحرير قطاع الطاقة وتقليص دور الدولة فيه.[4]
وتذهب الدراسة إلى أن ما يُقدَّم اليوم باعتباره انتقالاً طاقياً أخضر لا يمثل قطيعة مع النموذج السابق، بل يعيد تشكيله. فبدلاً من مراجعة نموذج الاستهلاك، يجري نقل جزء من الإنتاج نحو بلدان الجنوب الغنية بالشمس والأراضي لتغطية حاجيات الأسواق الأوروبية. وتصف الدراسة هذا المسار بأنه أحد أشكال ”الغسيل الأخضر“، حيث تُنقل البصمة البيئية ومقتضيات الإنتاج إلى الجنوب، بينما تُحتسب المكاسب المناخية والاقتصادية في الشمال.
وفي هذا السياق، ينتقد صابر عمار عضو حركة Stop pollution وعضو مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة ما يعتبره توظيفاً لمفهوم العجز الطاقي في الخطاب الرسمي لتبرير التوسع في مشاريع اللزمات، معتبراً أن هذا التوصيف يخفي طبيعة الاختلال الحقيقي في ميزان الطاقة. ويؤكد أن الجزء الأكبر من العجز لا يرتبط بإنتاج الكهرباء، كما يُروّج، بل باستهلاك المشتقات النفطية، ما يعيد طرح سؤال أولويات السياسات الطاقية.
ويشير في حوار لـنواة إلى أن العجز الطاقي، المقدر بنحو 11 مليار دينار، يتوزع بين حوالي 7 مليارات دينار ناتجة عن واردات المنتجات البترولية المستعملة أساساً في النقل، ونحو 4 مليارات دينار مرتبطة بالغاز الطبيعي، وهو ما يجعل، وفق قراءته، ربط الحل حصرياً بمشاريع إنتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة معالجة جزئية لا تمسّ جوهر الإشكال، بل تعيد توجيه النقاش نحو قطاع محدد دون معالجة بنيوية لباقي مكونات المنظومة الطاقية.
ويمتد جدل هذه اللزمات إلى مشاريع استراتيجية كبرى أخرى من بينها الهيدروجين الأخضر، الذي يُقدَّم باعتباره عنوان المرحلة المقبلة للانتقال الطاقي المُوجه للتصدير، بينما يثير في المقابل أسئلة متزايدة حول الموارد التي سيقوم عليها وحدود الاستفادة الوطنية منه.
مع تواصل اختلال التوازن البيئي وسعي كبرى الدول المصنعة وشركاءها ضمان مصادر طاقات متجددة، شهدت دول شمال افريقيا ومن بينها تونس توجها وإن كان متعثرا لتحقيق الانتقال الطاقي بعناوين صديقة للبيئة. في هذا الصدد تتنزل جملة الاتفاقيات التي أمضتها الحكومة التونسية مؤخرا مع شركات ودول أجنبية لإنتاج وتصدير الهيدروجين الأخضر.
كيف نوازن بين احتياجاتنا الطاقية ومسؤولياتنا البيئية في أن واحد؟ وهل من طريق يضمن انتقالا طاقيا عادلا مع مراعاة واقعنا الاقتصادي والاجتماعي؟
نواة تفتح حلقة نقاش تجمع خبراء ونشطاء بيئيين، لتقديم إجابات عقلانية جدية تساعد على فهم حقيقي للموضوع.
الهيدروجين الأخضر: عطش تونس من أجل إنارة أوروبا
تعتبر الرياحي أن ”الإشكال أكثر تعقيداً هو ارتباطه الوثيق بالماء، في بلد يعاني مُسبقًا من شح مائي متفاقم وضغوط متزايدة على الفلاحة والتزويد بالمياه“. وتقول إن ”تحويل المياه إلى مورد لإنتاج الهيدروجين الموجّه للتصدير يؤدي إلى إعادة توجيه هذا المورد الحيوي نحو الخارج في شكل طاقة، بدل توظيفه في تعزيز الأمن الغذائي أو دعم الإنتاج الفلاحي المحلي..“ كما تلفت إلى أن ”الخطاب الرسمي الذي يربط الهيدروجين الأخضر بالانتقال الطاقي يخفي في جزء منه استمرار نفس المنطق الاقتصادي القائم على تصدير المواد الأولية في شكل جديد عبر إعادة تركيب سلسلة قيمة جديدة تعتمد على الأرض والماء والبنية الإيكولوجية المحلية دون تطوير منظومات صناعية وطنية قادرة على خلق قيمة مضافة داخل البلاد.“
وتُظهر معطيات ميدانية مرتبطة بالوضع المائي في جهة قابس حجم الضغط المتراكم على الموارد الجوفية، حيث سجلت مستويات الاستخراج تراجعاً حاداً من 715 لتراً في الثانية سنة 1970 إلى نحو 150 لتراً في الثانية حالياً، بالتوازي مع توسع النشاط الصناعي منذ بداية السبعينيات، وفق معطياتالمرصدالتونسيللمياه. كما تكشف المؤشرات ذاتها ارتفاع كلفة استخدام الماء في الدورة الصناعية، في وقت تتزايد فيه الحاجيات المستقبلية لمشاريع الطاقات الجديدة.
بعملية حسابية بالاستعانة بالمعطيات التقنية المتاحة، نتبيّن أن إنتاج كيلوغرام واحد من الهيدروجين الأخضر يتطلب ما بين 20 و30 لتراً من المياه المعالجة، عند احتساب مراحل التحليل الكهربائي والتنقية والتبريد. وبالاعتماد على هذه المعطيات، فإن مشروع ”إتش 2 نوتوس“ (H2 Notos)، الذي تقوده شركتا ”توتال إينرجيز“ و”فيربوند“ بطاقة إنتاج معلنة تبلغ 200 ألف طن سنوياً، يُقدَّر استهلاكه المائي بين 4 و6 ملايين متر مكعب سنوياً.
مع توسيع هذا التقدير ليشمل بقية المشاريع المدرجة ضمن ممر ”ساوث إتش 2″ (South H2 Corridor)، الذي يستهدف تصدير نحو 2.5 مليون طن سنوياً نحو أوروبا، ترتفع الحاجيات المائية إلى مئات ملايين الأمتار المكعبة، بما يتقاطع مع تقديرات المرصد التونسي للمياه في حدود 200 مليون متر مكعب سنوياً.
ويعني ذلك عملياً أن هذه المشاريع تفترض، بشكل شبه آلي، اللجوء إلى تحلية مياه البحر لتأمين حاجياتها، بما يعيد إنتاج معادلة معقدة، طاقة تحتاج ماءً، وتحلية تستهلك طاقة، في بلد يكافح إجهادا مائيًا حادا.
في ضوء هذا الواقع، يرى إسلام الزرلي، الناشط البيئي وعضو حملة ”Stop Pollution“ بقابس، أن ”الرهان على تحلية مياه البحر لتأمين حاجيات هذه المشاريع، ينقل الإشكال إلى مستوى أكثر تعقيداً، نظراً لما تفرضه هذه العملية من استهلاك إضافي للطاقة وما ينتج عنها من مخلفات مالحة قد تزيد من الضغط على المنظومة البحرية الهشة بخليج قابس، الذي لا يزال يعاني أصلاً من آثار تراكم التلوث الصناعي.“
ويعتبر أن هذه المشاريع المندرجة ضمن ممر SouthH2 Corridor، الهادف إلى نقل الهيدروجين الأخضر المنتج في جنوب المتوسط نحو أوروبا عبر شبكة أنابيب تمتد من تونس إلى إيطاليا ثم النمسا وألمانيا، بطاقة تصل إلى نحو أربعة ملايين طن سنوياً، تعكس في جوهرها أن البنية التحتية للمشروع صُممت أساساً لتلبية الطلب الأوروبي على الطاقة النظيفة، مقابل توجيه العائدات نحو إدخال العملة الصعبة.
يحذر الزرلي في مقابلة لـنواة من أن ”منطقة منزل الحبيب، التابعة لولاية قابس والمرشحة لاحتضان جزء من البنية التحتية لهذه المشاريع، قد تجد نفسها أمام إعادة إنتاج لمسار تاريخي عرفته الجهة منذ سبعينيات القرن الماضي مع الصناعات الثقيلة، حيث جرى استغلال الموارد الطبيعية باسم التنمية مقابل تحميل المجتمعات المحلية الكلفة البيئية والاجتماعية، بما انعكس لاحقاً في تحولات ديموغرافية وضغوط متزايدة دفعت جزءاً من السكان إلى الهجرة أو البحث عن بدائل اقتصادية خارج مناطقهم.“
وينظر الزرلي إلى هذا المسار باعتباره مؤشراً على اختلال في شروط الانتقال الطاقي، معتبراً أن أي تحول لا يضمن حماية الموارد المائية، ولا يربط العائدات بالتنمية المحلية، ولا يضمن توجيه جزء ملموس من المكاسب نحو الجهات المنتجة، يظل انتقالاً غير متوازن حتى وإن حمل عنواناً أخضر.

وفي السياق ذاته، تذهب دراسات صادرة عن منظمة ReCommon إلى أن ما يُقدَّم باعتباره ”انتقالاً طاقياً أخضر“ في منطقة جنوب المتوسط يعيد في الواقع إنتاج أنماط غير متكافئة في توزيع الموارد، حيث يتم توظيف أراضي ومجالات طبيعية في بلدان الجنوب لإنتاج طاقة موجهة أساساً لتلبية حاجيات أوروبا الصناعية. وتعتبر المنظمة أن مشاريع مثل الهيدروجين الأخضر والبنى التحتية الطاقية الكبرى تندرج ضمن ما تصفه بـ”الحلول الزائفة”، لأنها لا تؤدي إلى خفض جذري في الاستهلاك الأحفوري، بل إلى إعادة توزيع البصمة البيئية نحو الجنوب، تحت غطاء ”التحول الأخضر“.
ما تصفه المنظمة بالحلول الزائفة يندرج ضمن سياق أوروبي متسارع عقب الحرب في أوكرانيا وأزمة الغاز، حيث دفعت سياسات مثل ”الصفقة الخضراء الأوروبية“ [5] و ”REPowerEU“ إلى تعويض النقص من خلال شراكات مع بلدان جنوب المتوسط الغنية بالشمس والرياح خاصة شمال أفريقيا وبالتالي تحويلها إلى فضاءات استراتيجية لإنتاج الكهرباء والهيدروجين الأخضر.
وتُشير الباحثة والناشطة في قضايا الطاقة والبنية التحتية إيلينا غيربيزا (Elena Gerebizza) في منظمة ReCommon، في مقابلة خاصة مع نواة، إلى وجود مسارين متوازيين لمشاريع الهيدروجين الأخضر في تونس، مشروع تجريبي تقوده الحكومة التونسية في ولاية قابس، ومشروع آخر قيد النقاش في إطار تعاون تونسي إيطالي يُرجّح أن يتموقع في منطقة الهوارية قرب محطة ضغط الغاز SERGAZ (نظرا لوجود بنية تحتية للغاز)، حيث يدخل خط أنابيب ”ترانسميد“ إلى البحر المتوسط باتجاه صقلية، لافتة إلى ”عدم توفر معطيات حول إجراء تقييمات مستقلة للأثر البيئي أو المائي قبل اختيار الموقع فضلا على الكُلفة الخفية لهذه المشاريع على الموارد الطبيعية.“
ما سبق ذكره، يُفسر تسارع نسق الأحداث خلال 2024 و 2025 من خلال سلسلة اللقاءات والمشاورات بين تونس وإيطاليا لتباحث هذا المشروع الذي ستشارك فيه ENI وEnel وAcea في إطار ما يُعرف “بخطة ماتّي“ الذي يركز على قطاع الطاقة والهجرة ضمن استراتيجية ايطالية رسمية وقد وردت الإشارة إلى هذا المشروع ضمنإحاطةرسميةقدمتهاالحكومةالإيطاليةإلىالبرلمانفيجوان2025 .
وخلال إنجاز هذا التحقيق، حاولت نواة الحصول على ردّ رسمي من وزارة الصناعة والمناجم والطاقة بشأن مختلف المعطيات والاختلالات التي كشفها التحقيق، حيث تم توجيه طلب مقابلة رسمي إلى الوزارة، إلى جانب التواصل مع مصالحها الإعلامية، التي أفادت بأن الوزارة ترفض حالياً التعاطي مع ملف اللّزمات.
كما وجّهت نواة طلباً رسمياً مماثلاً إلى وزارة البيئة للاستفسار حول الجوانب البيئية المرتبطة بهذه المشاريع، غير أنها لم تتلقَّ أي ردّ إلى غاية تاريخ نشر هذا التحقيق.
تُظهر مُجمل هذه المعطيات أن مسار تحولات سياسات الطاقة في تونس يرتبط بتوجه أوروبي في إعادة صياغة أولويات الانتقال الطاقي داخل فضاء الجوار المتوسطي، بما يخدم تأمين الإمدادات الخارجية وفق مقاربات تحريرية متقاطعة مع شروط وتمويلات خارجية. ويُنفَّذ هذا المسار محلياً ضمن مقاربة مزدوجة تجمع بين التكيّف مع هذه التوجهات وتقديم خطاب سيادي موازٍ، ما يكشف فجوة بين الخطاب والممارسة في إدارة ملف استراتيجي يُعاد تشكيله تحت عناوين تُقدَّم كغطاء لـ“غسيل أخضر“ يعيد تغليف منطق قديم للاستخراج والتوجيه الخارجي للموارد بلغة مناخية جديدة، تجعل من الجنوب فضاءً لإنتاج حلول طاقية لأزمات الشمال أكثر مما تجعله مستفيداً منها، مع ما يرافق ذلك من إعادة توزيع غير متكافئة للموارد وضغوط متفاقمة على المجتمعات المحلية والأجيال القادمة.
[1] تقرير لجنة الصناعة والتجارة والثروات الطبيعية والطاقة والبيئة حول مشاريع القوانين عدد 01 و02 و03 و04 و05 لسنة 2026 المتعلقة بالموافقة على اتفاقيات لزمات إنتاج الكهرباء من عدد من المحطات الفولطاضوئية، مجلس نواب الشعب التونسي، أفريل 2026. متاح على الموقع الرسمي لمجلس نواب الشعب: www.arp.tn
[2] أرصدة الكربون: هي وحدات تمثل طنّاً واحداً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون يتم خفضه أو إزالته، وتُستخدم ضمن أسواق الكربون لتعويض الانبعاثات.
[3] القانون عدد 27 لسنة 1996 المؤرخ في 1 أفريل 1996 المتعلق بإسناد لزمات إنتاج الكهرباء للخواص،
[4] دراسة “الانتقال الطاقي في تونس بين الخوصصة والسيادة الطاقية”، مجموعة العمل من أجل ديمقراطية الطاقة (إملاد)، نوفمبر 2025.
[5] المفوضية الأوروبية، الصفقة الخضراء الأوروبية (European Green Deal)، 2019




iThere are no comments
Add yours