ما كابدته التونسيات والتونسيين خلال صائفة 2026 لم يكن يتوقعه أكثر المتشائمين أو حتى أدقّهم اطلاعا على تقارير الشح المائي، لاعتقاد بأنه مهما بلغ حجم العبث فإن هناك خبرة في التسيير والتخطيط المسبق لن تترك السكان بلا ماء معدني في نقاط البيع أمام تجنب استهلاكهم مياه الحنفيات. لكن ذلك حصل فعلا وصارت فئات واسعة من الشعب تلهث وراء قاروة ماء في عز الصيف ، ما ألقى بالبلاد وسكانها في دوامة من التساؤلات الوجودية، ”ماذا فعلنا بأنفسنا لنقضّي اليوم بحثا عن قارورة ماء؟“، ”ثم ماذا يا ترى سيحل بنا؟“ ”هل هذا الوضع المزري عقاب إلاهي مسلّط علينا؟“ والسؤال الأهم والأغرب والأكثر تعبيرا عن الواقع ”أين الدولة وعقلها خارج علكة المؤامرات اللعينة؟“
الماء المعلّب الصالح للشراب أو حتى شبهه، انتقل إذا، منذ اواخر جويلية وشهر اوت حتى بدايات سبتمبر، من مورد أساسي يفترض أن تضمن الدولة استمرارية التزود به إلى عنوان أزمة تتداخل فيها ندرة الموارد مع طريقة إدارتها، تحت إشراف نظام يفرض قتل المعلومة ويحاول بث الرعب في النفوس التي تبحث عنها عبر التهديد والتخوين والتشويه والسحل الالكتروني المتواصل والسجون والتنكيل.
فقدان المياه المعلبة.. تشريعات تخلق الأزمات
أمام احدى بوابات المغازات الكبرى بالعاصمة، تجمع عشرات الأشخاص تحت شمس صيف ”أوسّو“ اللاهب، كانوا يتقدّمون ببطء شديد خطوة بعد أخرى، بعضهم يحتمي بظل ضيّق بالكاد يغطي الرؤوس والأعناق المشرئبّة وآخرون حوّلو أيديهم إلى ما يشبه المراوح طلبا لجرعة هواء و إن كانت ”شهيلي“ ساخن. كانت أعينهم تتنقل بين باب المغازة ونهاية الصف، كأن كل حركة في الداخل قد تحمل خبرا جديدا عن كميات الماء المتوفرة أو نفاذها. يتصاعد التوتر مع كل دقيقة تمر ومع كل شخص يحاول التقدم قبل دوره أو الاستفسار عن الكمية المتاحة، وبين ضجيج المنتظرين وحركة الداخلين والخارجين يخترق المكان صوت أحد العملة حازما كأنّه إعلان لا مجال لمناقشته: نجدد التذكير ”ستيكة” (علبة 6 قوارير) واحدة لكل شخص .. ولن نعطي أكثر من هذا.”
تسقط العبارة على الصف الطويل للمنتظرين مثل خبر ثقيل فتتغيّر ملامح الوجوه وتعلو همهمات الغضب والاستياء. فالكمية المسموح بها لا تكاد تكفي لإطفاء عطش يوم لشخص واحد ولا تبدو عادلة أمام ساعات الوقوف تحت الحر خصوصا بالنسبة إلى من جاءوا بحثا عن كمية تكفي عائلة أو كبار سن أو أطفال ينتظرون في البيت، لا تتوقف دردشات خفيفة بين عشرات المنتظرين يؤكدون من خلالها أنهم لا يطلبون أكثر بدافع التخزين بل رغبة في تجنب رحلة شاقة أخرى في اليوم التالي، أصبحوا يعرفون تفاصيلها مسبقا بخروج مبكر، تنقل بين المحلات وأسئلة متكررة ثم عودة مثقلة بالتعب وخيبة الأمل.

خلف هذا المشهد، تتكرر الحكاية نفسها في أحياء شعبية وأماكن أخرى لكن دون طوابير واضحة. مواطنات ومواطنون يذرعون الشوارع تحت شمس حارقة ويتنقلون من محل إلى آخر بحثا عن قارورة ماء من أي صنف أو أي علامة بعد ان كانوا يختارون علامات مفضلة ويشترطون أن تكون مبردة بشكل جيد..، يمشون مسافات طويلة ويتوقفون لالتقاط أنفاسهم ثم يستأنفون البحث مدفوعين بعطش يزداد مع كل خطوة وبأمل صغير في أن تكون الإجابة مختلفة هذه المرة. لكن الأبواب والمحلات المتتالية لاتقدم لهم سوى العبارات ذاتها ببرود يكشف عمق الأزمة، ”لا يوجد ماء .. الكمية التي جاءت للمحل انتهت خلال دقائق .. المزوّد لم يأت اليوم ” ومع اتساع الأزمة يوما بعد آخر، لم تعد مشاهد الازدحام والتدافع مقتصرة على أبواب المغازات وأمام محلات بيع المواد الغذائية بل أصبحت حاضرة بقوة على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال عشرات الصور ومقاطع الفيديو التي توثّق لحظات صادمة يتدافع فيها التونسيون والتونسيات من أجل الحصول على قوارير الماء في الشوارع أو مقاطع أخرى لعمليات سطو ومحاولات للاستيلاء على شاحنات تقلّ كميات من القوارير في مشاهد تعكس حجم الفوضى والتوتر الذي بات يرافق رحلة البحث عن الماء.
يتحدث بلال لنواة وهو صاحب كشك لبيع المواد الغذائية ، بالنسبة إليه تتجلى مظاهر أزمة المياه المعدنية في عدة عناصر من غياب القوارير عن رفوف المحلات وانتظار طويل لشاحنة قد تتأخر أياما قبل أن تصل إليه وبكمية محدودة يعرف مسبقا أنها لن تصمد طويلا أمام الطلب. يوضح محدّثنا ”المزود قد يغيب علينا أياما وعندما يأتي لا يحضر كمية كافية، في بعض الأحيان لا تكفيني حتى ليوم واحد.. وما إن تبدأ الشاحنة في تفريغ حمولتها الصغيرة حتى يتحول وصولها إلى ما يشبه خبرا عاجلا في الحي، فبمجرد أن يرى أحد السكان الشاحنة أمام الكشك أو يسمع بوصول المياه حتى ينتقل الخبر بسرعة في الأرجاء ويتوافد العشرات في وقت واحد لاقتناء ما يستطيعون من القوارير”.
أمام هذا الإقبال، يضطر بلال إلى تحديد الكمية المباعة، فيكتفي بقارورة واحدة لكل شخص حتى يتمكن من توزيع الحمولة على أكبر عدد ممكن من الحرفاء، لكن حتى هذا الإجراء لا يصمد طويلا أمام حجم الطلب وفق قوله. مضيفا ”أحيانا لا تصمد الكمية التي وصلت أكثر من سويعات، وفي بعض الحالات لا تتجاوز مدة بقائها على الرفوف دقائق قبل أن أجد نفسي مجددا أمام رفوف فارغة ورحلة بحث جديدة عن مزود يملك كمية من المياه.” لتتحول عملية التزود حسب تعبيره إلى حلقة تتكرر بشكل متواصل لأيام من البحث والانتظار قبل العثور على مزود، ثم شراء كمية محدودة وبيعها في يوم واحد تحت ضغط الطلب قبل أن تنفد ويعود البحث من جديد.
في ظل أزمة التزود بالماء التي تجتاح البلاد مؤخرا، حاورت نواة منسق المرصد التونسي للمياه علاء المرزوقي للإجابة عن أبرز الأسئلة المتعلقة بإدارة السلطة الحالية للأزمة، الحلول الممكنة للخروج منها وضرورة إعلان حالة الطوارئ المائية.
في الجانب الآخر من سلسلة التزويد، تحدث أحد مزودي المياه لنواة مفضلا عدم الكشف عن هويته، موضحا أن آثار الأزمة طالت المزودين الذين يعملون كوسطاء بين شركات إنتاج المياه وعدد من نقاط البيع من مغازات ومتاجر ومقاه ومطاعم، معتبرا أن طريقة العمل التي كان يعتمدها سابقا أصبحت اليوم شبه مستحيلة. ففي فترات ارتفاع الطلب كان يلجأ إلى تخزين كميات من المياه في مستودع مخصص لذلك بما يسمح له تأمين حاجيات الحرفاء ومواجهة فترات النقص، كما كان يحصل على كميات إضافية من المصنع مقابل شيك ضمان على أن يسدد قيمتها بعد بيعها. لكن هذه الطريقة، وفق روايته، لم تعد ممكنة اليوم بعد أن أصبحت الشركة التي يتعامل معها ترفض نظام التزود السابق فيما بات هو نفسه مترددا في تخزين كميات من المياه خوفا من أن يتحول أي تصرف عادي في سياق عمله إلى شبهة تضعه تحت طائلة التتبع. ”إذا رآك شخص تدخل كمية من المياه إلى المستودع فقد يقوم بتصويرك أو التشهير بك أو يبلغ عنك” مضيفا أنه يخشى أن تتحول صورة أو مقطع فيديو بلا مصداقية إلى أساس لتهم ثقيلة وأن يصبح محل تتبعات وأحكام سجنية بسبب تخزين أو حيازة مواد غذائية ، قائلا ”أنا أبحث عن لقمة عيشي وأريد إعالة عائلتي، ولا أريد أن أجد نفسي ضحية لتهم كيدية ”.معللا الأمر بأن هذا الخوف لم يأت من فراغ، بل تغذيه قصص لأشخاص وزملاء له سمع عن تعرضهم لتتبعات وأحكام سجنية بسبب تخزين أو حيازة مواد غذائية في إطار عملهم اليومي المعتاد، لذلك فهو يفضل تجنب تخزين كميات كبيرة حتى عندما تسمح له الظروف بذلك. ولا تتوقف الصعوبات عند الوسطاء إذ يقول محدثنا إن الشركة المنتجة للمياه المعلبة والتي يتعامل معها لا تملك، وفق ما يلاحظه من سير العمل، مخزونا جاهزا من المياه في مقرها كما كان الأمر سابقا وهو ما يجعل أصحاب الشاحنات ينتظرون في أغلب الأحيان لساعات وليالي في طوابير طويلة قبل أن يتمكنوا من تحميل شاحناتهم. ”نحن تقريبا نقوم بتعبئة الماء من سلسلة الإنتاج مباشرة ولا يوجد مخزون كبير ينتظرنا في مستودعات الشركة، ولذلك الشاحنات تصطف وتنتظر بالساعات”. يربط محدثنا هذا الوضع أيضا بما يعتبره حالة من الخوف لدى الشركة نفسها من الاحتفاظ بمخزون كبير في مستودعاتها قائلا إنها تخشى أن يُفهم التخزين على أنه احتكار أو مساهمة في افتعال الأزمة، خصوصا في ظل المناخ العام الذي يجعل أي كمية كبيرة مخزنة في مكان واحد موضع شبهة حتى وان وجدت كل الاثباتات والحجج ما يجعل أصحاب الشركات يخشون أن تتحول عملية تخزين عادية إلى مشهد يُستعمل ضدهم إذا ما تمت مداهمة أحد المستودعات بشكل مفاجئ وتصوير كميات المياه الموجودة فيه باعتبارها دليلا على الاحتكار.

في نفس السياق يفسر حسام سعد عن منظمة ”آلارت“، في حديثه لنواة، أزمة المياه المعدنية المعلبة بجملة من العوامل الهيكلية والظرفية معتبرا أن قانون الشيكات ومرسوم الاحتكار و سوء الإدارة من قبل السلطة مثلت أبرز أسباب الأزمة، وهو ما أدى وفق تقديره إلى تعميقها وإطالة أمدها. ويوضح محدثنا أن قطاع المياه المعلبة كان يدخل فصل الصيف عادة بمخزون جرى تكوينه خلال الشتاء، إذ كانت المصانع تنتج كميات تفوق الاستهلاك العادي لتغطية ذروة الطلب فيما تتوزع الكميات المخزنة بين المصانع والوسطاء ومحلات التفصيل والمقاهي والمطاعم وحتى المستهلكين. ويضيف سعد إن الوسطاء كانوا يمثلون الحلقة الأهم في منظومة التخزين، بفضل المساحات التي يوفرونها وشيكات الضمان التي تسمح لهم بالاحتفاظ بكميات كبيرة لكن هذه المنظومة تفككت تدريجيا فدخل السوق موسم الذروة دون مخزون استراتيجي كاف، في وقت تزامنت فيه عدة عوامل ظرفية من بينها الارتفاع الكبير في درجات الحرارة وتزايد الطلب انقطاعات مياه الصوناد والكهرباء، فضلا عن تعطل توريد المواد الأولية لصناعة القوارير البلاستيكية لنحو عشرين يوما خلال شهر أوت بسبب اضطرابات الملاحة والتجارة البحرية المرتبطة بالأوضاع على الصعيد العالمي. ولا يفصل حسام سعد هذه الأزمة عن طبيعة استهلاك المياه في تونس معتبرا أن التونسي وجد نفسه مجبرا على استعمال المياه المعلبة في ظل ما يصفه بعدم صلاحية مياه الصوناد للشرب، كما ينتقد طريقة إدارة الأزمة، قائلا ”السلطة لم تذهب إلى معالجة الأسباب الفعلية لندرة المياه المعلبة في السوق بل ركز خطابها على المحتكرين والمتآمرين” معتبرا أن إيقاف بعض مزودي المياه الذين كانوا يوزعون مباشرة على محلات التفصيل أدى إلى إرباك مسالك التوزيع بعدما كانت الكميات تصل إلى المحلات في اليوم نفسه قبل أن تمر لاحقا عبر مسالك أطول. ويضيف أن ضعف التواصل الرسمي ساهم بدوره في استمرار الأزمة إذ لم تصل إلى المستهلكين معلومات واضحة حول توفر المخزون في بعض الفترات ما غذّى حالة القلق واللهفة على الشراء وأبقى الطلب مرتفعا حتى في فترات كانت فيها المياه متوفرة بكميات كبيرة في السوق. الأمر الذي أكدته ودعمته الغرفة النقابية الوطنية لمنتجي المشروبات غير الكحولية التي نفت في بيان لها بتاريخ 26 أوت 2026 وجود أي نية لدى منخرطيها لافتعال نقص في المياه المعدنية المعلبة أو حجب المنتوج عن السوق أو ممارسة المضاربة. وأرجعت الاضطرابات المسجلة في التزود ببعض المناطق إلى الارتفاع الاستثنائي في درجات الحرارة وما رافقه من زيادة كبيرة في الطلب، إلى جانب اضطرابات وانقطاعات متكررة في التيار الكهربائي أثرت على سير بعض وحدات الإنتاج وتسببت في توقف خطوط إنتاج وأعمال صيانة وإعادة تشغيل. كما أشارت الغرفة إلى أن القطاع يضم 31 مصنعا موزعة على مختلف مناطق الجمهورية، وأن حصة أي شركة أو مجموعة شركات لا تتجاوز 25 بالمائة من السوق، معتبرة أن ذلك ينفي وجود وضعية هيمنة تتيح التحكم في الكميات المعروضة.

لغز مياه ”الصوناد” وشبكات تصريفها
تزامنا مع واقع الشح في المياه المعدنية المعلّبة وعملا منها على التقليل من حالة الهلع التي أصابت شرائح واسعة من التونسيين، قامت الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، ببث مقاطع فيديو لعدد من مسؤوليها وخبرائها لطمأنة التونسيين بأن لا خوف من شرب المياه التي تصل إلى حنفياتهم لأنها بجودة مقبولة ومعالجة تستجيب للمواصفات العالمية. لكن هذا الخطاب يصطدم بواقع استهلاك مختلف، إذ تشير الأرقام والوقائع الى أن جزء كبيرا من التونسيين اختار التخلي عن مياه الحنفية للشرب والاعتماد بدلا منها على المياه المعلبة. إذ كشف المرصد التونسي للمياه في دراسة بعنوان ”المياه المعدنية في تونس الواقع والتحديات“، عن طفرة غير مسبوقة في سلوك المستهلك التونسي حيث قفز معدل الاستهلاك الفردي السنوي للمياه المعلبة من 87 لترا عام 2010 إلى 225 لترا في 2020 و نحو 241 لترا سنويا في 2024 ، لتبلغ تونس بذلك المرتبة الرابعة عالميا وتتجاوز بفارق شاسع المعدل العالمي المقدر بـ 40 لترا فقط.
حملة الصوناد الترويجية وعكس ما خُطط لها، قوبلت بوابل من التعليقات الساخرة والتشكيك، حيث كان واضحا عدم إتقان الشركة لتقنيات التواصل وعدم اهتمامها بجودة الصورة والصوت والإضاءة..كما أن الكثير من التفاعلات استحضرت تجاربها السيئة مع المياه التي تصل إلى المنازل في مفارقة واضحة بين الرسالة التي أرادت الشركة إيصالها والصورة التي يحملها جزء من المستهلكين عن مياه الشبكة، ما دفع ”الصوناد“ إلى حذف أطول هذه المقاطع من صفحتها الرسمية سريعا بعد موجة التشكيك والسخرية والإبقاء اضطرارا على مقاطع قصيرة لا تزيد جودة عن المقطع المحذوف.
في الوقت ذاته تكشف الوقائع أن المياه المعلّبة أصبحت جزءا من الاستهلاك اليومي لعدد كبير من الأسر، إذ أظهرت دراسة أكاديمية نشرت سنة 2025 في مجلة Applied Economic Perspectives and Policy، استندت إلى مسح شمل 834 أسرة في تونس الكبرى سنة 2022 أن 85% من المستجوبين يفضّلون المياه المعلّبة للشرب داخل المنزل، وخلص الباحثون إلى أن تقييم جودة مياه الحنفية كان العامل الأكثر تأثيرا في قرار استهلاك المياه المعلبة. لا يتوزع هذا الاستهلاك بالتساوي على مدار السنة إذ تستأثر أشهر الصيف بنحو 40% من الاستهلاك السنوي مع ارتفاع الطلب إلى حوالي 10 ملايين لتر يوميا خلال فترات الذروة ليرتفع بذلك استهلاك الفرد من المياه المعلّبة بنحو 177% بين 2010 و2024 في مسار يتزامن مع تكرار اضطرابات التزويد بالماء الصالح للشراب و تنامي الاعتماد على مصادر بديلة لمياه الشبكة.

في حديثه لنواة يرى منسق المرصد التونسي للمياه علاء المرزوقي أن مسألة صلاحية مياه الحنفية للشرب لا يمكن حسمها بالاعتماد على الانطباعات التي يسجلها المواطن في منزله فقط، حتى وإن كان المذاق أو درجة الملوحة أو الرائحة أو لون المياه مؤشرات تدفعه إلى التشكيك في جودتها، مؤكدا أن التقييم الحقيقي لا يكون إلا عبر إجابة علمية تقوم على تحليل عينات مائية بشكل منتظم وهي مسؤولية تتحملها أساسا الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه ووزارة الصحة بما يفرض عليهما مراقبة جودة المياه ونشر نتائج التحاليل دوريا أمام المواطنين. فالدعوة إلى استهلاك مياه الحنفية لا يمكن أن تقوم على حملات تواصلية أو تطمينات عامة بل يفترض أن تستند إلى معطيات مخبرية منشورة تتيح للمواطن معرفة حقيقة المياه التي تصل إلى منزله.
في المقابل، تؤكد الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه أن المياه التي تضخها إلى شبكات التوزيع تخضع لمراقبة بكتريولوجية وفيزيائية وكيميائية وفق المواصفة التونسية NT 09-14 وتوصيات منظمة الصحة العالمية وهو الأمر الذي تدعمه الشركة بالمعطيات المنشورة عبر موقعها الرسمي حيث أجريت 57504 تحاليل بكتريولوجية على المياه خلال سنة 2023، خلصت 97.9% منها إلى مطابقة النتائج للمواصفات، وتقول الشركة إن هذه المراقبة لا تقتصر على مخابرها، إذ تتولى مصالح وزارة الصحة بدورها إجراء تحاليل مستقلة على المياه الموزعة خاصة في المناطق البعيدة عن مخابر الصوناد.
في المقابل تكشف إجابة وزارة الصحة على مطلب نفاذ إلى المعلومة تقدّم به المرصد التونسي للمياه، اطّلعت عليه نواة، عن مفارقة لافتة بين ما تنشره الصوناد حول جودة مياه الحنفية وما تكشفه بيانات الرقابة الصحية فعليا، فتظهر معطيات وزارة الصحة المتعلقة بسنة 2022 وجود حالات متعددة لعدم مطابقة على مستوى شبكات وخزانات المياه التابعة للصوناد. فقد أنجزت مصالح الصحة 12966 تحليلا جرثوميا على هذه الشبكات، تبين أن 1323 منها أي 10.20% غير مطابقة للمواصفات، كما سجلت 4914 حالة غياب للكلور المتبقي الحر من أصل 102675 عملية مراقبة، بما يمثل 4.79% من العمليات. وتبدو المفارقة أكثر وضوحا في شبكات وخزانات المياه التابعة للهندسة الريفية حيث بلغت حالات غياب الكلور 33.92% من عمليات المراقبة فيما أظهرت التحاليل الجرثومية عدم مطابقة في 487 تحليلا من أصل 3709 أي بنسبة 13.13%.
وفي إطار مزيد التثبت والتحري حول جودة المياه، أخذنا في نواة خلال إعداد هذا التحقيق في سبتمبر 2026 عينة من المياه الموزعة في وسط العاصمة تونس، وأخضعناها لتحليل بكتريولوجي لدى مخبر مراقبة المياه والمواد الغذائية بمعهد باستور بتونس التابع لوزارة الصحة والمختص في مراقبة الجودة الصحية للمياه. وقد أظهرت النتائج وجود 10 قولونيات كلية في كل 100 مل من العينة، فيما جاءت نتائج القولونيات البرازية والعقديات البرازية دون حد الكشف المعتمد. وخلص معهد باستور في تقريره إلى أن ”الجودة البكتريولوجية لعينة المياه المحللة غير مطابقة للشرب والسباحة” وفق ما ورد حرفيا في خلاصة التقرير. كما قمنا بعرض نتيجة التحليل على خبير المياه حمزة الفيل، الذي أوضح أن خلو العينة من القولونيات البرازية والعقديات البرازية يعني غياب مؤشرات التلوث البرازي في العينة. في المقابل، كشف التحليل عن وجود 10 قولونيات كلية في كل 100 مل وهو ما يجعل العينة غير مطابقة لمواصفات مياه الشرب التي تشترط غياب هذه البكتيريا. ويرى الفيل أن وجود القولونيات الكلية قد يرتبط بخلل في التعقيم أو بتسرب الأتربة مشيرا إلى أن مصدرها قد يكون منزليا نتيجة تكاثر بكتيريا بيئية في مصفاة الحنفية أو ركود المياه في خزان غير معقم أو تراجع تركيز الكلور كما قد يكون مرتبطا بشبكة التوزيع العامة في حال انخفاض تركيز الكلور أو حصول أشغال صيانة في محيط الشبكة.

تكشف الوقائع والأرقام التي أمكن التثبت منها عن فجوة بين ما تروّجه الصوناد بشأن الماء الصالح للشرب وبين التجارب التي ينقلها المواطنون حول المياه التي تصل إلى منازلهم، ولا سيما ما يتصل بالطعم والرائحة واللون، إلى جانب ما أظهرته التحاليل التي أُجريت في إطار هذا التحقيق وهو ما يطرح أسئلة جدية حول مدى كفاية الخطاب الرسمي وحده لإثبات جودة المياه فيما يظل نقص الأرقام والدراسات الحديثة والواضحة والمنشورة حول جودة مياه الحنفية خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز مواطن القصور في هذا الملف، لأنه يحرم المواطن من معطيات تمكنه من التثبت والمساءلة بما لا يساهم إلا في مزيد إضعاف الثقة بين التونسيين والشركة.
خريطة العطش وإهدار الماء
في مختلف جهات البلاد، لا تكاد الأخبار المتواترة عن أزمة التزوّد بالماء تنقطع خاصة في فصل الصيف. وقفات احتجاجية، طرق تغلق، واعتصامات تنظم أمام مقرات الإدارات، ومواطنون يشتكون من انقطاع مياه الشرب لأيام متواصلة، فيما يجد آخرون أنفسهم أمام حنفيات جافة لم تصلها المياه أصلا. وتكشف أرقام ”خريطة العطش” للمرصد التونسي للمياه تصاعدا لافتا في التبليغات المتعلقة بالتزود بالماء مع دخول أشهر الصيف خاصة لهذه السنة. ففي شهر ماي تلقى المرصد 302 تبليغا، من بينها 266 تبليغا بشأن انقطاعات التزوّد بالماء و 9 تبليغات حول مياه غير صالحة للشرب و 12 تحركا احتجاجيا. وخلال شهر جوان ارتفع العدد إلى 423 تبليغا منها 374 تبليغا حول الانقطاعات واضطرابات التزود بالتوازي مع تسجيل 23 تحركا احتجاجيا و6 تبليغات متصلة بجودة المياه. أما في جويلية فقد بلغت التبليغات 608 منها 549 تبليغا بشأن الانقطاعات والاضطرابات وهي أعلى حصيلة شهرية خلال هذه الفترة. وبذلك تجاوز مجموع التبليغات التي جمعها المرصد خلال 3 أشهر فقط 1300 تبليغا بما يعكس اتساع نطاق الشكاوى الميدانية مع اشتداد الضغط على منظومة التزوّد خلال أشهر الصيف. وتبقى هذه الأرقام حصيلة تبليغات المواطنين التي يجمعها المرصد عبر منصته للانقطاعات والاضطرابات غير المعلنة مسبقا من قبل الصوناد ولا تمثل إحصاء رسميا واجماليا لعدد الانقطاعات التي سجلتها الشركة.

في قراءة للأرقام وفي ما توفر من مصادر مفتوحة ورسمية خلال سنة 2023، قدرت الصوناد معدل استهلاك الفرد للماء، باحتساب مختلف الاستعمالات، بنحو 122.3 لترا يوميا، بينما بلغ الاستهلاك المنزلي لوحده 101.4 لتر يوميا للفرد المرتبط بشبكة التوزيع. وفي نفس السنة أنتجت الصوناد 773.3 مليون متر مكعب من المياه الصالحة للشراب ”أي ما يعادل أكثر من 773 مليار لتر” قبل أن توزع منها 667.9 مليون متر مكعب عبر الشبكة في حين بلغ الرقم الذي سجلته كمياه مستهلكة 516 مليون متر مكعب فقط. وبناء على الأرقام المتوفرة، يمكن الاستنتاج بأن المسار بين الماء الذي أنتجته الصوناد والماء الذي انتهى في خانة الاستهلاك يكشف عن فارق يتجاوز 250 مليار لتر من الماء في سنة واحدة وهو ما يعادل تقريبا نحو 33.3% من كامل المياه المنتجة. فيما تجدر الاشارة الى أن الصوناد تؤكد في تقاريرها أن هذا الرقم لا يعني أن الكميات الضائعة تسربت كلها حرفيا من الأنابيب، بل يوجد حوالي 105 مليون متر مكعب لم تنتقل أصلا من مرحلة الإنتاج إلى التوزيع باعتبار الفرق بين الكميات المنتجة والموزعة، بينما يوجد فارق آخر قدره حوالي 152 مليون متر مكعب بين المياه التي وزعتها الصوناد والمياه التي سجلتها كمياه مستهلكة. إلا أنه حتى عند الاكتفاء بالفارق بين المياه المنتجة والمياه المستهلكة، فإن حجم الكمية يظل كبيرا عند قياسه ومقارنته بالاستهلاك اليومي، فالكمية الضائعة من المياه تعادل كمية تكفي وفق معدل الاستهلاك الفردي تغطية الاستهلاك السنوي لحوالي 5.8 مليون شخص، أي إن المياه التي لم تصل إلى خانة الاستهلاك خلال 2023 فقط كانت تعادل تقريبا ما يحتاجه نصف سكان تونس لمدة سنة، وإذا احتسبنا فقط الاستهلاك المنزلي البالغ 101.4 لتر يومياً للفرد المرتبط بالشبكة، فإن الكمية نفسها تعادل استهلاك حوالي 7 ملايين شخص لمدة سنة. ووفق آخر الأرقام بلغت نسبة المياه المفقودة في شبكات التوزيع نحو 22.3% سنة 2023، أي أن أكثر من خمس المياه المنتجة والموجهة إلى الشبكة لم تصل إلى الاستهلاك المفوتر.
يعيش سكان قرية ”دوّار الحوش“ بمعتمدية نفزة من ولاية باجة تحت وطأة أزمة عطش متواصلة، تتقاطع مع صعوبات تنقّل التلاميذ عبر مسالك وعرة في ظل تجاهل السلطة لنداءاتهم المتواصلة. استجابت نواة لنداء سكان المنطقة لكسر التعتيم الذي يفرضه الإهمال ونقل صورة واقعية لكفاحهم اليومي من أجل الحياة والكرامة. ستعود نواة بأكثر تفاصيل إلى ”دوّار الحوش“ في عمل توثيقي قادم.
تجدر الاشارة أننا اعتمدنا في احتساب حجم الهدر والضياع في شبكة توزيع مياه الشرب على المعطيات التي تنشرها الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه فقط باعتبارها الجهة الوحيدة المسؤولة عن إنتاج المياه وتوزيعها ، غير أن البيانات الإحصائية المفصلة التي تتيحها الشركة للعموم لا تتجاوز سنة 2023 إذ لا تتوفر إلى حدود إعداد هذا التحقيق تقارير سنوية مماثلة منشورة عن ما بعد هذه الفترة.
تكشف أزمة المياه المعلبة خلال الفترة الأخيرة إضافة إلى تدهور الثقة في مياه الحنفية واتساع خريطة العطش واستمرار هدر المياه أن الأزمة لم تعد تُفسر بندرة الموارد وحدها بل هي حصيلة خيارات وسياسات عمومية تتحمل الدولة مسؤولية نتائجها بترك المواطن أمام حنفية تنفر منها فئات متزايدة بسبب الجودة أو الانقطاعات ومناطق لا تحصل على حاجتها من الماء بانتظام وبطريقة عادلة، فيما يتزايد اللجوء إلى المياه المعلبة وكلفتها المرتفعة على الأسر بالتوازي مع استمرار هدر كميات كبيرة من المياه في شبكة تعاني من اختلالات مزمنة ليتحول الحصول على الماء إلى عبء إضافي على المواطن فيما لم تُترجم خطورة الأزمة إلى إصلاحات توازي حجمها.




iThere are no comments
Add yours