منذ ثلاث سنوات ونصف، تحديدا يوم 1 جوان 2022، جمع الرئيس قيس سعيّد وزراء حكومته ليعلن عن قرار بتنقيح المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء وذلك بعد أقل من أربعة أشهر على اصداره.
في الاجتماع ذاته، قال سعيّد حرفيا:
لقد أُعطيت الفرصة تلو الفرصة وتم التحذير تلو التحذير حتى يُطهّر القضاء نفسه ولا يمكن أن نطهّر البلاد من الفساد ومن تجاوز القانون إلا بتطهير كامل للقضاء ولا يمكن أن يستمر الوضع دون نهاية.
في ظرف ساعات قليلة من ذلك الاجتماع، صدر المرسوم عدد 35 المنقح للمرسوم عدد 11 لسنة 2022، وفي الليلة ذاتها، قطف الفصل عدد 20 الذي نقّحه سعيد، رؤوس 57 قاضيا، بعد صدور قرار إعفائهم في الرائد الرسمي عدد 63 المؤرخ في 1 جوان 2022.
منذ الإعلان عن حل المجلس الأعلى للقضاء من مبنى وزارة الداخلية، استهدف نظام الرئيس سعيد بطريقة آلية متواصلة السلطة القضائية عبر خطابات متشنجة سرعان ما ترجمت إلى نصوص ومراسيم وقرارات عزل ونقل تعسفية. بمناسبة مرور سنتين على عزل 57 قاضيا، التقت نواة الأستاذ احمد صواب لنقاش الحالة التي أصبح عليها المرفق القضائي.
ينص الفصل 20 من المرسوم عدد 35 لسنة 2022 على أنه ”لرئيس الجمهورية، في صورة التأكّد أو المساس بالأمن العام أو بالمصلحة العليا للبلاد، وبناء على تقرير معلّل من الجهات المخوّلة، إصدار أمر رئاسي يقضي بإعفاء كل قاض تعلّق به ما من شأنه أن يمس من سمعة القضاء أو استقلاليته أو حُسن سيره. وتُثار الدعوى العمومية ضدّ كل قاض يتم إعفاؤه على معنى هذا الفصل. لا يمكن الطعن في الأمر الرئاسي المتعلق بإعفاء قاض إلا بعد صدور حكم جزائي بات في الأفعال المنسوبة إليه“.
بطالة قسرية
أحال الأمر الرئاسي عدد 516 لسنة 2022 المتعلق بإعفاء قضاة، 57 قاضيا على البطالة، من ضمنهم 49 قاضيا قبلت المحكمة الإدارية طعونهم في الأمر الرئاسي. كان القاضي س. أ من ضمن القضاة الذين أنصفتهم المحكمة الإدارية، لكنه ظلّ عاطلا عن العمل منذ ثلاث سنوات بسبب عدم امتثال وزارة العدل لقرار المحكمة الإدارية. يقول القاضي س. أ في تصريح لنواة:
تم إيقاف راتبي منذ صدور اسمي في قائمة القضاة المعزولين وأعيش الآن بطالة قسرية. ليس لي مورد رزق آخر ووجدت زوجتي نفسها العائل الوحيد لي ولأطفالنا الثلاثة. في الحقيقة لم يعد باستطاعتي مواجهة المصاريف العادية بما في ذلك إصلاح سيارتي التي تعطلت ولم أجد المال لإصلاحها. يمكن القول إنني حالة اجتماعية، أعيش في منزل مؤجّر ولا أملك راتبا منذ ثلاث سنوات.
عُزل القاضي ”س.أ“ بسبب حكم أصدره في قضية مدنية دون علمه بأن المواطن المعني بالقضية محل متابعة بوليسية. رغم أنه يعاني من البطالة القسرية منذ أكثر من ثلاث سنوات، يرفض هذا القاضي العمل في أي مهنة أخرى، حيث يقول “أنا قاض برتبة عالية، عملت بإخلاص بما يفرضه عليّ ضميري ولم أصدر أي قرار ظالم، ورغم ذلك حُرمت من ممارسة مهنتي. أرفض قطعيا امتهان عمل آخر، بما في ذلك ممارسة المحاماة خلف الستار. عرض علي صديق من المحامين مقترحا وهو مساعدته في العمل على ملفات قضائية مقابل أجر مادي، شكرته على محاولته مساعدتي لكنني رفضت مقترحه لأنني لا أريد ممارسة المحاماة في الظل“.
تقدّم القاضي ”س.أ“ صحبة عدد من القضاة المعزولين بطلب إلى الهيئة الوطنية للمحامين خلال عهدة العميد حاتم مزيو، من أجل الترسيم في جدول المحاماة، لكن مجلس الهيئة رفض يوم 11 جويلية 2024 مطالب جميع القضاة المعزولين والمستقيلين والمتقاعدين حسب بلاغ صدر عن العمادة، ومن المنتظر أن تنظر محكمة الاستئناف يوم 28 جانفي القادم في الطعن الذي تقدم به قرابة عشرين قاض معزول ضد قرار الهيئة.
يفسر القاضي عفيف الجعيدي الموضوع في تصريح لنواة بوجود مسارين أمام القضاة المعزولين أوله إعادتهم إلى مواقعهم الأصلية إذا حكمت المحكمة الإدارية لصالح القضاة المعزولين في القضايا في الأصل المرفوعة لديها، أما المسار الثاني فهو توجه القضاة المعزولين للترسيم في المحاماة، ويضيف الجعيدي ”لقد سبق للمحكمة الإدارية أن أمرت بإيقاف تنفيذ قرار عزل القضاة المذكورين، ونتوقع أن تنتصر هذه المحكمة لهم قبل المرور لإصدار أمر بتنفيذ هذه الأحكام الصادرة. إعادة القضاة المعزولين إلى مناصبهم هو إعادة الاعتبار لهم. من جهة أخرى، فإنه من تقاليد المحاماة ترسيم القضاة المعزولين أو المتقاعدين في جدول العمادة، وهو ما حصل سنة 1985 فيما سمّي بمجزرة القضاة حين رسّمت عمادة المحامين في عهد العميد منصور الشفي، القضاة الذين عزلهم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، قبل أن يستأنفوا عملهم في القضاء. المهم في قضية الحال، أن قرار العزل لا يتعلق بأشخاص، بل بقضية تدخل السلطة التنفيذية في القضاء“.

على عكس القاضي ”أ.س“، اضطرّ قاض معزول آخر تحدثت معه نواة، ورفض الإشارة إلى هويته، إلى العمل في مكتب أحد المحامين من أجل ضمان قوته، في انتظار قبول الهيئة الحالية برئاسة العميد بوبكر بالثابت طلب ترسيمه في جدول المحامين، ويقول القاضي المذكور إنه لا يتقاضى أجرا بالمعنى الحرفي للكلمة لكن ما يتلقاه مقابل العمل على ملفات قضايا بحوزة مكتب المحامي المذكور، يمكن أن يغطي جزء ضئيلا من التزاماته المالية.
في جوان 2022، قالت القاضية السابقة كلثوم كنو في تدوينةمعلقة على عزل 57 قاضيا، ”عزل بورقيبة قضاة سنة 1985 ثم عادوا إلى عملهم، وبعضهم توجّه إلى المحاماة، وأجرم البحيري في حق قضاة ثم عادوا إلى عملهم، نفس الشيء سيحصل بالنسبة للقضاة الذين عزلهم السيد قيس سعيد والأيام بيننا“.
يوم 11 أوت 1985،صدر القانون الأساسي عدد79 لسنة 1985 المتعلق بنظام القضاة الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة، الذي أقر خضوع قضاة النيابة العمومية إلى سلطة وزارة العدل وأدى ذلك المرسوم إلى احتجاج عدد من القضاة ضدّه لأنه يمس من استقلالية القضاء، فقام بورقيبة بعزلهم وكان من ضمنهم القاضي الراحل مختار اليحياوي.
يمثّل قبول ترسيم القاضي المعزول محمد الطاهر الخنتاش في جدول المحاماة يوم 12 ديسمبر 2025، مؤشرا مطمئنا للقضاة المعزولين الذين رُفضت مطالب ترسيمهم في جدول مهنة المحاماة، خاصة أن أغلبهم استوفوا شروط الهيئة بما في ذلك معلوم الترسيم الذي يبلغ عشرين ألف دينارا بالنسبة لأي قاض يريد أن يباشر المحاماة، وهو مبلغ يصعب توفيره خاصة في وضعية القضاة المعزولين. يقول العميد بوبكر بالثابت في تصريح لنواة ”وصل عدد من مطالب قضاة معفيين للترسيم في جدول المحاماة إلى الهيئة الوطنية للمحامين وهناك مطالب قيد المراجعة وسيقوم مجلس الهيئة بدراسة المطالب حالة بحالة قبل اتخاذ قبول الترسيم من عدمه“.

شغور متعمد لقضاء المذكرات
يوم 1 أكتوبر سنة 2023، أُحيل الرئيس الأول لمحكمة التعقيب منصف الكشو على التقاعد، ولم يتم سدّ ذلك الشغور على رأس محكمة التعقيب ولا في منصب رئاسة المجلس الأعلى للقضاء الذي يتولاه رئيس محكمة التعقيب وفق المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المنظّم لعمل المجلس الأعلى المؤقت للقضاء، وبالتالي قصمت السلطة التنفيذية القشة التي يمكن أن يتشبّث بها القضاة المعزولون من أجل التظلم بخصوص قرارات إعفائهم، إذ ينصّ الفصل 15 من المرسوم عدد 11 على أن ينظر كل مجلس مؤقت للقضاء، ويقصد بذلك المجالس الثلاثة المؤقتة للقضاء العدلي والإداري والمالي، المكونة للمجلس الأعلى المؤقت للقضاء ”في إعداد حركة القضاة السنوية من تسمية وتعيين وترقية ونقلة وإعفاء وفي مطالب رفع الحصانة والاستقالة. يتولى كل مجلس مؤقت للقضاء: المبادرة، بصفة تلقائية أو بطلب من رئيس الجمهورية، بمراجعة التعيينات وإجراء حركة قضائية جزئية والنظر في مطالب التظلم عند الاقتضاء لضمان حسن سير القضاء“، كما يضمن الفصل 22 من المرسوم ذاته حق التظلم على قرارات الترقية والنقلة والإعفاءات لدى كل مجلس مؤقت للقضاء حسب اختصاصه بعد نشر الأمر الرئاسي المتعلق بالقرارات المذكورة في الرائد الرسمي، غير أن تنقيح الفصل 20 من المرسوم عدد 11 المنظم لعمل المجلس الأعلى المؤقت للقضاء، ضرب ذلك الحق حين منح رئيس الجمهورية لنفسه السلطة الكاملة في قرارات إعفاء القضاة وفي حرمانهم من الطعن في هذه القرارات قبل صدور حكم جزائي بات في الأفعال المنسوبة للقاضي المُعفى.
أصدر رئيس الدولة قيس سعيد مرسوما يقضي بحل المجلس الأعلى للقضاء في 22 فيفري 2022، بعد مضي سنة وتعويض المجلس بآخر مؤقت، مازال القضاء التونسي يعاني إشكالات وأزمات تتعلق أساسا باستقلاليته وتوظيفه سياسيا، لعل أهمها عزل القضاة من قبل السلطة السياسية وتوجيه وزيرة العدل لتعليمات مباشرة للنيابة العمومية.
في أكتوبر الماضي وصفت جمعية القضاة التونسيين في بيان لها، استخدام وزيرة العدل لآلية مذكرات العمل طيلة عامين منذ بداية الشغور على رأس المجلس الأعلى المؤقت للقضاء، بأنه مخالف للدستور، وحسب البيان المذكور، رصدت الجمعية أكثر من ألف مذكرة عمل صادرة عن وزارة العدل طيلة عامين وهو ما ”آل إلى تغيير جذري في المشهد القضائي وإشاعة فوضى التسميات في الخطط والإعفاء منها وتعميم النقل الاعتباطية على مدار السنة خارج كل منطق سليم“ حسب بيان الجمعية.
لعبت السلطة التنفيذية بأوراق رابحة من أجل السيطرة على القضاء: الأولى حين رفضت الهيئة الوطنية للمحامين برئاسة حاتم مزيو ترسيم القضاة المعزولين، وبالتالي ضمنت صمت عدد من القضاة خاصة تجاه الخروقات الإجرائية في قضايا سياسية، أما الورقة الثانية فهي الإبقاء على المجلس الأعلى المؤقت للقضاء في حالة عطالة منذ أكثر من سنتين، وبالتالي أطلقت يد وزارة العدل للعمل وفق مذكرات تصدرها في النقل والترقيات والإعفاءات، وكل ذلك ”بالقانون“ على حد تعبير وزيرة العدل خلال حديثها أمام البرلمان. قانون بدأ التونسيون يتعايشون مع تحويله إلى وسيلة في يد السلطة، تستعمله كما شاءت للبقاء في كرسي الحكم والتنكيل بكل نفس معارض، ما ينتج فقدان ثقة المواطنين في مرفق العدالة وهو أمر شديد الخطورة على الدولة والمجتمع.





iThere are no comments
Add yours