يدخل النقابيات والنقابيون مؤتمرهم العام أيام 25 و26 و27 مارس بالمنستير، والنقاشات المُعقّدة لتشكيل القائمات المُترشّحة لعضوية المكتب التنفيذي لا تزال متواصلة، مما يجعل كل الاحتمالات مُمكنة على ضوء الحسابات الانتخابية والمُستجدّات التي يُمكن أن تؤثر في اتجاهات تصويت النواب، التي يُمكن أن تفرض اتفاقات جديدة تُغيّر من بعض الأسماء التي تشكل إلى حدّ الساعة قائمتين رئيسيّتين مُتنافستين، من جُملة 46 مُترشّحا لعضوية المركزية النقابيّة.
حسابات الجهات والقطاعات
الشقّ الداعم لتقديم موعد المؤتمر العام، والمتمثل في مجموعة الأربعة ومن ورائهم جهتي صفاقس وڨفصة وُمسانديهم، يواصل النقاشات الصعبة لمحاولة استكمال القائمة في ظلّ إشكاليّات الحدّ الأقصى للمتقاعدين في المكتب التنفيذي والمُحدّد بـ4 مقاعد من جُملة 15 مقعدا، في حين أن غالبية القيادات النقابية الجهوية أدركت التقاعد، وعلى رأسهم الكُتاب العامون، بالإضافة إلى الخلافات التي تطرأ من حين لآخر كالتي حصلت في الاجتماع الأخير المُنعقد بجهة صفاقس بانسحاب الكاتب العام لاتحاد الشغل بڨفصة محمد الصغير الميراوي لرفضه تواجد بعض الأسماء في القائمة، وفق ما كشفته مصادر نقابية لـنواة.
فقائمة مجموعة الأربعة كما تُسمّى، وهم كل من أعضاء المركزية النقابية الطاهر المزي وعثمان جلولي وصلاح الدين السالمي وأنور بن قدور، تُمثل في حيّز كبير منها تحالفا بين جهتي صفاقس وڨفصة بهدف إعادة اتحاد الشغل إلى الجهتين عبر الفوز بأغلبية مقاعد المكتب التنفيذي أو جميعها وتصعيد أمين عام، باعتبارهما جهتي التأسيس، بعد سيطرة جهات الشمال الغربي على المنظمة طيلة السنوات التي تلت سقوط نظام بن علي، ولكن ذلك التحالف منذ بداية الأزمة الداخلية لم يمنع الخلاف والتنافس بين الجهتين في عملية تشكيل القائمة والمفاوضات المُعقّدة لاستكمالها.
وإلى حدود الساعة تظم تلك القائمة، وفق ما كشفته مصادر نقابية لنواة، كلّ من أعضاء المكتب التنفيذي الثلاث، الطاهر المزي وعثمان جلولي وصلاح الدين السالمي، بالإضافة إلى الكاتب العام لاتحاد الشغل بتونس جبران بوراوي والكاتب العام لجامعة البنوك أحمد الجزيري وعضو جامعة التعليم الثانوي مبروك التومي، المطروح تعويضه بعضو نفس الجامعة جودة دحمان، وكاتب عام جامعة النفط سلوان السميري وكاتب عام اتحاد الشغل بنابل حاتم بن رمضان ومُقرّر لجنة المراقبة المالية حبيب حليّم وكاتب عام جامعة النقل وجيه الزّيدي والكاتب العام لجامعة البناء والأشغال العمومية الطيب البحري، وهو مرشّح جهة صفاقس، لكن جهة ڨفصة ترفضه وترغب في تعويضه بكاتب عام بنزرت بشير السحباني وعضو المكتب التنفيذي لجامعة أعوان جامعة التعليم العالي وأعوان المخابر زكية الحفصي التي تمثل كذلك محلّ خلاف بين جهتي ڨفصة وصفاقس مما طرح فرضية تعويضها بعضو المكتب التنفيذي لجهة صفاقس سامية عميد حاجي.

في الجهة المقابلة يواصل عضو المكتب التنفيذي المكلف بالنظام الداخلي فاروق العياري مشاورات تشكيل قائمة سيترأسها، لمُنافسة قائمة مجموعة الأربعة المُتداول أنها الأكثر حظوظا في الفوز، لتضم مبدئيّا، عضوتي المكتب التنفيذي هادية العرفاوي وسهام بوستة وكل من الكاتب العام لاتحاد الشغل بجندوبة خالد العبيدي وعضو الجامعة العامة للصحة عبد الفتاح العياري والكاتب العام لجامعة موظفي التربية فتحي الرويسي، كما تشمل المفاوضات لاستكمالها كل من عضو جامعة التعليم الثانوي جودة دحمان والكاتب العام لجامعة المالية عبد الله القمودي وكاتب عام جامعة أعوان المحاكم حافظ بوقرة وكاتب عام جامعة الفلاحة عمار الزين وعضو الاتحاد الجهوي بأريانة كمال الغيلوفي وعضو الهيئة الوطنية للمراقبة المالية لطفي اللطيفي.
وباعتبار أن تلك القائمة تُمثّل الشقّ الرافض لعقد المؤتمر العام قبل موعده، فالأسماء المُتواجدة فيها تحظى بدعم أعضاء المركزية النقابية الذين يتبنّون نفس الموقف، وهم أساسا حفيّظ حفيّظ وسامي الطاهري وعبد الله العشي وسمير الشفي ومحمد الشابي.
ومن المرجّح أن ينخفض عدد المترشّحين القياسي لعضوية المكتب التنفيذي الوطني، نظرا لعدم توفّر شروط الترشّح التي تفرضها قوانين المنظمة الداخلية، بالإضافة إلى ما ستُنتجه الطعون خلال انطلاق المؤتمر العام وكذلك الانسحابات التي سيقع إعلانها من طرف بعض المترشّحين على ضوء المفاوضات والنقاشات.
الأمانة العامة وتشعّب المفاوضات
خلال كل مؤتمرات اتحاد الشغل السابقة تقريبا، كان اسم الأمين العام المقبل معلوما للجميع قبل أشهر من موعد المؤتمر، بل ويقوم هو نفسه بتشكيل قائمته التي تُسمى بالقائمة الرسمية أو قائمة الأمين العام والتي تفوز عادة بكل مقاعد المكتب التنفيذي الوطني، تقليد يغيب هذه المرة في مؤتمر المنستير.
ورغم الغموض الذي يلف مستقبل الأمانة العامة فإن بعض المصادر أفادت لـنواة، بأن كاتب عام الإتحاد الجهوي بتونس جبران بوراوي تخلى عن رغبته لتولي الأمانة العامة مقابل تمكينه من قسم النظام الداخلي، لينحصر التنافس على الأمانة العامة بين ممثل جهة ڨفصة وقطاع الصحة عثمان جلولي، الأقرب ليكون مرشّح تلك القائمة لمنصب الأمانة العامة، وصلاح الدين السالمي الذي تدعمه جهة صفاقس، في سياق مفاوضاتها لتحسين عدد ووضع مرشّحيها وتمكينهم من الخطط المفاتيح في الإتحاد كالإدارة والمالية مُقابل التخلي عن ترشيح السالمي لصالح مرشّح جهة ڨفصة عثمان الجلولي.
وفي نفس سياق تشعّب المفاوضات وتعقد الأزمة المالية، تدخل هادية العرفاوي عضوة المركزية النقابية المكلفة بالعلاقات الخارجية والمُترشّحة ضمن قائمة فاروق العياري، بحظوظ وافرة للمواصلة في نفس الخطة، حيث لا يحتمل الظرف تغييرها بعضو جديد يتطلّب فهمه لطبيعة القسم والعلاقات مع المنظمات الدولية وقتا لا تملكه المنظمة، ما يجعل تواجدها في المكتب التنفيذي المقبل ضرورة ستدفع على الأرجح شقّ الاربعة بالتصويت لها رغم تواجدها في قائمة منافسة.
هذا وينصّ القانون الأساسي لاتحاد الشغل أن التصويت لانتخاب أعضاء المكتب التنفيذي الوطني يكون على الأفراد وليس القائمات، فيما يقع انتخاب الأمين العام من بين أعضاء المكتب التنفيذي الفائزين ومن طرفهم في إطار توزيع المهام خلال بداية عُهدتهم النيابية.

انقسام وانفلات مُرجّح في التصويت
يبلغ عدد نواب المؤتمر 610 نائبا، من بينهم 74 نائبا بصفتهم أعضاء الهيئة الإدارية الوطنية من المركزية النقابية والكتاب العامين للاتحادات الجهوية والقطاعات، و57 نائبا ينتمون لقطاع التعليم الثانوي و51 نائبا عن قطاع المعادن و47 نائبا لقطاع التعليم الأساسي و42 نائبا لقطاع الصحة. وتبقى جهة تونس الاكثر تمثيلية بـ 98 نائبا تليها جهة صفاقس بـ 59 ومن ثم سوسة 42 نائبا و37 نائبا عن جهة بن عروس وبنزرت بـ 33 نائبا وڨفصة بـ 30 نائبا.
هذه التوازنات بين الجهات وكبرى القطاعات ستحسم صورة المكتب التنفيذي الجديد بهيمنتها على مفاوضات تشكيل القائمات وعدد النواب المفترض تصويتهم للمترشحين، وعليه فإن الجهات التي لها أكبر عدد من النواب هي المتحكمة في تشكيل القائمة الأكثر حظوظا في الفوز بأغلبية الأصوات وبالتالي أكبر عدد من مقاعد المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد. وعادة ما يصوّت كل نائب في الغالب لـ 14 اسما في القائمة التي يسندها من جملة 15، ليترك الاسم الأخير لمرشح قطاعه إن كان خارج تلك القائمة أو للمرشّح الذي ينتمي لتيّاره الإيديولوجي، وعليه لا يُمكن تشكيل قائمة ذات حظوظ كبيرة للفوز دون ممثلين عن القطاعات الأكثر تمثيلية من حيث عدد النواب، كقطاعات التعليم الثانوي والأساسي والصحة والمعادن وبدرجة أقل النفط والمواد الكيميائية.
إلا أن مؤتمر المنستير يبقى مختلفا نظرا لحالة الانقسام صلب الهياكل القطاعية والجهوية، فجهة تونس مثلا تعرف انقساما في توجهات نوابها البالغ عددهم 98 نائبا، بين مساندين للكاتب العام الحالي للاتحاد الجهوي جبران بوراوي ومساندين لعضو المكتب التنفيذي فاروق العياري الذي كان على رأس جهة تونس قبل تولي عضوية المركزية النقابية. وقائع تجعل من المستبعد أن تستأثر قائمة واحدة بكل مقاعد المكتب التنفيذي كما هو مُعتاد في المؤتمرات السابقة، إلا في حالة التوافق في اللحظات الأخيرة بين القائمتين المتنافستين أو حتى من خارجهما لتشكيل قائمة واحدة، وهو طرح قائم يُمكن أن تفرضه حسابات المؤتمر رغم الخلافات والصراع بين الشقين.
التعامل مع الأزمة المالية
وفق ما أكدته مصادر نقابية لنواة، فإن حملة توزيع الانخراطات الجديدة، لتجاوز إلغاء الاقتطاع الآلي من أجور المنخرطين الذي حرم المنظمة مما يقارب الـ 1.3 مليون دينار شهريّا، لم تكن ذات مردودية كبيرة خلال الأيام الماضية مما جعل الملفّ يطغى على أشغال الهيئة الإدارية المُنعقدة بتاريخ 17 مارس الجاري، خاصة بعد طلب نور الدين الطبوبي من الكتاب العامين للاتحادات الجهوية تحويل المداخيل المالية لتوجيهها نحو تمويل المؤتمر العام، ما جعل عددا من أعضاء الهيئة الإدارية يطالبون بتأخير المؤتمر إلى حين إيجاد التمويلات الضرورية له. واقع سيدفع الاتحاد إلى الاختيار بين بيع أسهم المنظمة في إحدى مؤسسات التأمين أو التفويت في مقر المغلق للمنظمة بحي الخضراء بالعاصمة بقيمة تُقدّر بحوالي 50 مليون دينار، وهو الخيار الأقرب لاعتماده كحلّ للأزمة المالية التي أصبحت تُهدّد حتى الإيفاء بالمصاريف القارة للمنظمة، وعلى رأسها أجور الموظفين والعاملين بها.
وفي نفس سياق الأزمة المالية، أعدت لجنة مُنتخبة من طرف الهيئة الإدارية الوطنية، مشروعا للإصلاحات خاصة في الجانب المالي والإداري، سيقع عرضه على نواب المؤتمر لمناقشته أكثر قبل التصويت عليه، وفق ما كشفته لنواة مصادر من اللجنة التي صاغت مشروع الإصلاحات.
أهم مقترحات تنقيح القانون الأساسي
في جانب آخر من المؤتمر العام سيقع طرح بعض مقترحات تنقيح القانون الأساسي للاتحاد على التصويت، ووفق ما كشفته مصادر لنواة فقد صاغت لجنة تقنية انتخبتها الهيئة الإدارية جملة من مشاريع تعويض بعض الفصول من القانون الأساسي ومن أبرزها الفصل المثيل للجدل والمعروف بالفصل 20 والمتعلق بعدد الدورات الممكنة لأعضاء المكتب التنفيذي، حيث سيتم العودة للصيغة القديمة المتمثلة في تحديد دورتين مُتتاليتين كحدّ أقصى لعضوية المكتب التنفيذي، بما فيها الأمانة العامة، مع الحسم في احتساب الدورات السابقة للتنقيح من عدمه، وكذلك طرح مُقترح لتخفيض عدد أعضاء المركزية النقابية إلى 11 عضوا أو 9 أعضاء ودمج بعض الأقسام لتتماهى عدديّا مع التحوير المُقترح.
كما تشمل مُقترحات تنقيح القانون الأساسي التخلّي كُليّا عن آلية النسبية في التصويت، عبر إقرار التساوي في أصوات كل الأعضاء في هياكل مُعيّنة صلب اتحاد الشغل، خلال التصويت على بعض القرارات التي يفرض القانون الأساسي حاليا اعتمادها للنسبية التي تجعل أصوات أعضاء الهياكل التنفيذية العليا، كالمكتب التنفيذي الوطني في المجلس الوطني والمكتب التنفيذي الجهوي في المجلس الجهوي، تساوي أضعافا مُضاعفة لبقية أصوات الأعضاء.

كما ستطرح التنقيحات المنتظرة تمكين الكُتاب العامين للنقابات من عضوية الهيئة الإدارية دون شرط بلوغ النقابة 6 آلاف منخرط. بالإضافة إلى تنقيحات في علاقة بتمكين الكتاب العامين للنقابات الخصوصية من عضوية الهيئة الإدارية، دون حقّ التصويت أو تمكينهم من التصويت ككل أعضاء الهيئة الإدارية، وهو ما سيحسم فيه نواب مؤتمر المنستير.
من جهتها تبدو المعارضة النقابية، بكل تفرّعاتها وخاصة المعارضة النقابية الديمقراطية والمعارضة النقابية بجهة صفاقس، مصممة على ترك بصمتها في مؤتمر المنستير بتنظيم تحركات احتجاجية على هامشه، من ذلك إمكانية الاعتصام أمام النزل الذي سينعقد فيه المؤتمر أو تنفيذ وقفات احتجاجية وتوزيع مطويات تشرح موقفها وطرحها لحلّ الأزمة العميقة التي يعيشها الإتحاد، وفق ما أكده القيادي بالمعارضة النقابية الديمقراطية الحبيب التليلي لـنواة. كما سيتوجّه عدد من أعضاء الهيئة الإدارية للاتحاد ونواب بعض الجهات، إلى الاحتجاج عبر الطعن في قانونية المؤتمر لدى رئاسته، على اعتبار أنه يعقد قبل موعده بحوالي السنة دون أن يأخذ طابعا استثنائيا. طعن قد يتجاوز رئاسة المؤتمر بالتوجه إلى القضاء ليطرح إشكالية يُمكن أن تمثل تهديدا إضافيّا للمنظمة ومؤتمرها في ظل واقع سياسي تعادي فيه السلطة الأجسام الوسيطة وتحرك فيه أذرعها للتخلص من النقابات والجمعيات أو جرّها نحو الولاء المطلق لها.





iThere are no comments
Add yours