داخل هذا المشهد، يقف الاتحاد العام التونسي للشغل عند لحظة دقيقة. ليس لأنّه فقد تاريخه أو امتداده، بل لأنّ شروط الفعل نفسها تغيّرت. لم تعد السلطة في حاجة إلى صدام مباشر معه بقدر ما تعمل على تحييده تدريجيّا عبر تقليص مجالات التفاوض وتجميد القنوات التقليدية للحوار وتحويل الملفات الاجتماعية إلى قرارات فوقية تُقدّم كحقائق نهائية لا كمواضيع تفاوض.

بهذا المعنى، لم يعد الرهان الأساسي حول زيادة في الأجور أو اتفاق قطاعي، بل حول من يحدّد قواعد اللعبة. إذ حين تُلغى المفاوضات الاجتماعية وتُختزل النقابة في دور احتجاجي محدود، فإننا أمام إعادة تعريف لدورها؛ من فاعل يوازن السلطة، إلى طرف مركون مُبعد عند القرار.

لكن هذا التحول لا يُفسَّر فقط بضغط السلطة. إذ يرتبط جزء منه بما يحدث داخل الاتحاد نفسه. فحين تتقدّم هواجس التوازن المالي وضبط الجهاز وإدارة التعقيدات الداخلية، يتراجع منطق الصراع لصالح منطق الإدارة. هنا يصبح الهدف الحفاظ على استمرارية المنظمة لا توسيع قدرتها على الفعل. لكن هذه المعادلة تحمل في طيّاتها نسف معنى العمل النقابي. فحين يتحوّل البقاء إلى غاية، يفقد النضال معناه.

في أول اختبار فعلي له، اختار المكتب التنفيذي الجديد للاتحاد العام التونسي للشغل التعاطي مع الإضراب العام الذي كان مبرمجا بمنطق الاحتواء لا بمنطق الفعل. لكنّ هذا الخيار لا يمكن قراءته كحادثة معزولة. فالمسار بدأ قبل المؤتمر، حين تحوّل الإضراب العام نفسه-في واحدة من أكثر لحظات التوتر وضوحا-من أداة مواجهة إلى ورقة تُسحب بصمت، حاملة دلالات واضحة تجاه السلطة وباحثة عن صكّ عبور آمن في لحظة أزمة داخلية خانقة.

هذا التحوّل لم يكن تقنيّا، بل سياسيّا بامتياز. إذ لم يُلغ الإضراب فقط، بل جرى تدجينه رمزيّا: من ذروة الفعل النقابي إلى خيار هامشي. وتأتي نبرة بيان الأوّل من ماي لتُكمل هذا المسار: مطالب باهتة، سقف منخفض، وخطاب أقرب إلى إدارة الوضع منه إلى تغييره. في المحصلة، نجد أنفسنا أمام إعادة تعريف دور النضال النقابي: من فرض كلفة الصراع إلى تفاديه.

كما لم ينفصل بيان الأوّل من ماي عن هذا السياق. إذ عكست نبرته محدودية سقف المطالب ليكون أقرب إلى تسجيل حضور منه إلى رسم أفق صراع. فحين يتراجع الخطاب إلى عموميات، ويُختزل البرنامج في عناوين فضفاضة، تصبح النتيجة منسجمة: فعل نقابي منخفض الحدّة وخيارات تميل إلى التهدئة.

تفهم السلطة هذه الإشارات جيّدا، لذلك لا تسعى بالضرورة إلى تفكيك الاتحاد، بل إلى إبقائه قائما بشروط محدّدة: حاضر شكلا وغائب فعلا، يُصدر مواقف لكنه لا يفرض المسارات. وضع يمثّل خطرا أكبر من القمع المباشر على الاتحاد العام التونسي للشغل، لأنه يُحوّل النقابة إلى جزء من مشهد الاستقرار الظاهري لا إلى قوة تقلق النظام وتسقط خطابه الواهم عن الرخاء.

في المقابل، يعيش الاتحاد توترّا داخليّا بين قواعد ما تزال تدرك أن تدهور القدرة الشرائية وتفكك الخدمات العمومية لا يمكن مواجهتهما دون صراع حقيقي، وقيادة تميل إلى التهدئة وضبط الإيقاع. هذا التباعد يهدّد جوهر العمل النقابي على مستوى العلاقة العضوية بين القاعدة والقرار. فكلما اتسعت المسافة، تحوّل الغضب إلى طاقة معطّلة بدل أن يكون قوة منظّمة.

الأخطر أن هذا المسار يتزامن مع إعادة تشكيل أوسع للمجال العام منذ 25 جويلية 2021. فتزامنا مع مركزة القرار السياسي والاقتصادي والمجتمعي، يتمّ تفكيك كل الوسائط التي يمكن أن تُنتج توازنا. في هذا السياق، لا يعد ضعف النقابة مسألة قطاعية، بل يصبح مؤشرّا على اختلال شامل في توزيع القوة داخل المجتمع، لأن النقابة-تاريخيًا-لم تكن فقط مدافعا عن العمال، بل أحد آخر الحواجز أمام التغوّل السياسي للسلطة.

هنا تحديدا يستعيد الأوّل من ماي معناه الحقيقي. ليس كتقليد احتفالي، بل كاختبار: هل ما يزال الاتحاد قادرا على تحويل التدهور الاجتماعي والاقتصادي إلى قضية جماعية منظّمة؟ أم أنه يكتفي بإدارة الانحدار وتلطيف كلفته دون القدرة على كبحه؟ الفرق بين الحالتين ليس تفصيلا؛ إنه الفرق بين نقابة تُفاوض من موقع قوة وأخرى تُحاول الحفاظ على مكان لها داخل لعبة لم تعد تتحكم في قواعدها.

لا أحد ينكر صعوبة الظرف. فكلفة المواجهة مرتفعة والميزان مختلّ والفضاءات تضيق. لكن التاريخ النقابي لم يُكتب في ظروف مريحة. قوته كانت دائما في قدرته على تحويل الاختلال إلى رافعة، لا إلى ذريعة للتراجع. ففي كل مرة اختارت فيها النقابة التهدئة كخيار استراتيجي طويل، خسرت جزءا من معناها. وفي كل مرة استعادت فيها منطق الفعل، أعادت تعريف موقعها داخل المجتمع.

السؤال اليوم، إذا، ليس إن كان الاتحاد سيبقى-وعلى الأرجح سيبقى-بل حول شكل البقاء. هل سيكون جهازا يُدير التوازنات ويؤمّن حدّا أدنى من الاستقرار، أم قوة تفرض على السلطة الاعتراف بحدودها؟ بين هذين الخيارين يتحدّد معنى النقابة في تونس اليوم، ويتحدّد معه أيضا شكل المرحلة القادمة.

في ذكرى احياء اليوم العالمي للعمال، لا يكفي استحضار تاريخ الحركة النقابية ولا سرد بطولاتها، فالمعيار الحقيقي هو الحاضر. إذ ماذا يعني أن تكون نقابيّا اليوم في سياق تُفتح فيه السجون للمعارضين وتُغلق فيه الفضاءات العامة وتُدار فيه الملفّات الاجتماعية بقرارات فوقية. النضال النقابي في هذه اللحظة يقف عند مفترق طرق. إمّا أن يكتفي بالحفاظ على ”الشقف“، أي البقاء في حدّه الأدنى، بانتظار تغيّر موازين القوى. وإمّا أن يستعيد وظيفته الأصلية بكسر هذا الميزان نفسه أو على الأقل التشويش عليه.

لهذا، فإن معنى الأوّل من ماي اليوم لا يُقاس بعدد المسيرات أو البيانات، بل بقدرة النقابات على الإجابة عن هذا السؤال البسيط والقاسي: هل ما زالت تمثّل قوة أم أصبحت تبحث فقط عن إذن بالبقاء؟