المقالات المنشورة بهذا القسم تعبّر عن رأي كاتبها فقط و لا تعبّر بالضرورة عن رأي نواة

اليوم الجمعة 17 أفريل 2026 يكتمل اليوم الألف والمائة والخمسون (1150 يوم) منذ اعتقال الرفيق عصام الشابي، سبعة وعشرون ألف وستمائة ساعة (27600 ساعة) من الغياب القسري، مليون وستمائة وستة وخمسون ألف دقيقة (1656000 دقيقة) من انتزاع الحرية، وما يزيد على تسعة وتسعين مليون ثانية من الصبر على الظلم.

لكن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاء، إنها زمن يكشف مفارقة قاسية بين رجل يحمل تاريخا من النضال العلني الممتد لعقود، وبين من يحاكمونه اليوم بخطاب يفتقر إلى ذلك الامتداد ويختزل السياسة في تهمة واهية.

حياة معلّقة

ألف ومائة وخمسون يوما (1150) لم تكن زمنا عابرا، كانت حياة بأكملها معلّقة بين جدران صامتة، في مقابل حياة خارجها باتت تفقد شيئا من معناها بغياب أصحابها، كم من فرح مرّ ناقصا وكم من حزن ازداد ثقلا وكم من تفاصيل يومية فقدت روحها حين ينتزع الإنسان من فضائه الطبيعي بالقوة لا بالاختيار. لكن ما لم ينتزع هو الثبات، فمن يعرف سيرة عصام الشابي يدرك أن الرجل لم يكن يوما طارئا على الشأن العام بل كان جزءا أصيلا منه منذ انخراطه المبكر في النضال الطلابي والنقابي ضمن فصيل النقابيون الثوريون، مرورا بمحطات المعارضة الديمقراطية من المشاركة في تأسيس التجمع الاشتراكي التقدمي والحزب الديمقراطي التقدمي وصولا إلى تحمّله مسؤولية الأمانة العامة للحزب الجمهوري، لقد ظلّ حاضرا في معارك الحرية مدافعا عن الديمقراطية ومنحازا للقضايا الوطنية والقومية. هذا ليس تاريخا يستدعى للاستشهاد به، إنه سيرة بنيت بالتراكم والتضحيات على مدى عقود.

من يحاكم من؟  المفارقة في أجلى صورها

هنا تتجلى المفارقة في أوضح صورها وتطرح نفسها بإلحاح: من يملك الحق الأخلاقي والتاريخي في إصدار الأحكام؟

من جهة رجل أمضى عقودا في العمل العلني، بنى حضوره في الفضاء السياسي حجرا فوق حجر ودفع أثمانا متواصلة في سبيل مواقفه، سيرته ليست ادعاء يحتاج إلى إثبات بل وثيقة حيّة كتبها بتضحياته أمام مرآة التاريخ، ومن جهة أخرى منظومة لا يمتلك رموزها ذلك الامتداد النضالي ولا يحملون من رصيد التضحية ما يخوّل لهم النظر في تاريخ الآخرين.

 هذا المشهد لا يحيل فقط إلى قضية بعينها بل يختزل مأزق عصر انقلبت فيه المعايير واختلّت فيه الموازين حتى غدا كل شيء مباحا: تستبدل السيرة النضالية بالتهمة ويصادر النقاش ليخلفه التضييق ويراد للتاريخ أن يمحى أو يشوّه بأقلام لم تصنعه ولم تدفع كلفته، وليس ذلك في جوهره سوى اعتراف ضمني بعجز الحجة وإفلاس الخطاب وهشاشة الموقف أمام قوة الرصيد النضالي وثقل الشرعية التاريخية.

لقد طالت هذه القضية طيفا واسعا من الوجوه السياسية والحقوقية، من المناضل الحقوقي العياشي الهمامي (صديقي) إلى شيخ الديمقراطية في تونس أحمد نجيب الشابي مرورا بعصام الشابي وغازي الشواشي وجوهر بن مبارك وعبد الحميد الجلاصي وخيام التركي ورضا بالحاج، وغيرهم ممن تختلف مواقعهم وتتنوع مرجعياتهم الفكرية والسياسية، وهذا الاتساع في الخلفيات والانتماءات لا يكشف عن حادثة معزولة أو خصومة عابرة بل كان لحظة فاصلة للإعلان عن نزوع لرسم حدود الاختلاف المسموح به ومحاولة لوضع حدود الفعل السياسي ذاته ومكانة الحرية داخل المجال العام.

حين لا تسجن الإرادة: الصمود من وراء القضبان

 لو كان للسجن أن يحقق غايته الحقيقية لكانت تلك الغاية إسكات الصوت وتجميد الحضور وبثّ اليأس في نفس المعتقل ومن حوله، لكن عصام الشابي بما أثبته طوال ألف ومائة وخمسين يوما (1150 يوم) جعل من زنزانته شاهدا على عكس ذلك تماما، فمن وراء القضبان لم ينقطع عن الشأن العام ولم يتخل عنه، فحين اندلعت موجة التضامن مع غزة وتصاعد الغضب الشعبي من المجازر المتواصلة كان عصام الشابي حاضرا من خلال الإضرابات الرمزية عن الطعام، رافعا صوته من داخل الزنزانة تضامنا مع الشعب الفلسطيني ليثبت أن الجدران تحبس الجسد لا الضمير، ووقع على العرائض ورسائل التضامن، شارك معنويا في التحركات المساندة للقضايا العادلة كما لم يتوقف عن تقديم أفكار ومقترحات في الشأن السياسي كما في الشأن الاقتصادي والاجتماعي، ليثبت أن اهتمامه بالوطن لا يتوقف عند باب السجن.

هذا الحضور المستمر من وراء القضبان ليس مجرد فعل فردي معبّر، إنه في جوهره رسالة سياسية وأخلاقية بالغة الدلالة: أن من يسجن بسبب قناعاته لا يتراجع عنها خلف القضبان وأن محاولة إسكاته لا تفعل سوى أن تعلي صوته في الوجدان العام، لذلك يمكن القول بأن سجن الجسد لم ينه حضور الرفيق عصام ولم يسكت صوته بل ربما جعل ذلك الصوت أكثر رسوخا وأعمق أثرا.

 السؤال الأعمق

 السؤال الذي لا مناص من طرحه: هل يُحاكم من امتلك تاريخا شريف من الانخراط في الشأن العام أم يُحاكم الشأن العام نفسه حين يضيّق عليه؟

هل يمكن لأي نظام حكم أن يتجاوز هذا التناقض الصارخ بين سيرة معلنة وتهمة مفترضة، يعلم هو نفسه قبل غيره بكونها واهية؟

 التذكير بهذه المظلمة ضرورة لإبقائها حيّة في الوعي العام لأنها قضية ترتبط بالحقوق والحريات وبحق التونسيين في الاختلاف والتنظّم والتعبير دون خوف أو وصاية من أي كان.

 خاتمة

ألف ومائة وخمسون يوما (1150 يوم) مرّت ولم يتغيّر فيها جوهر الحقيقة: الظلم لا يصير عدلا بطول الزمن والحرية لا تفقد مشروعيتها بالتأجيل، وبين زمن مادي يثقل وصمود سرمدي يتجدد تبقى الحقيقة أوضح من كل محاولة طمس، فمن امتلكوا التاريخ لا تلغيهم الأحكام ومن يفتقدونه لا يصنعهم الاتهام.

الحرية للرفيق عصام الشابي

الحرية لكل المعتقلين السياسيين

الحرية لمعتقلي الرأي

الحرية لتونس