”كل الأطفال الذين تناولوا لحم الدجاج الذين أرضعتهم أمهاتهم اللاتي تناولن بدورهن لحم الدجاج، رأوا في أحلامهم أنه يوجد عفريت وراء الستارة“. لم تكن هذه الجملة مزحة في غير محلها، بل هي إحدى الفتاوي الطبية ضمن ما عرف بنظام الطيبات، التي أطلقها الطبيب المصري ضياء العوضي والذي أثار جدلا واسعا بسبب نظام حمية أطلقه ولقي رواجا كبير في مصر قبل أن يصل تأثيره إلى التونسيين.
في أفريل الماضي، تُوفي استشاري التغذية العلاجية الطبيب ضياء العوضي في الإمارات، وأشار تقرير الطب الشرعي في الإمارات إلى وفاة طبيعية نتيجة أزمة قلبية. هنا، انطلقت شائعات من متابعي نظام الطيبات تقول إنّه تم اغتياله بسبب مهاجمته لشركات صناعة الأدوية.
أطعمة وفق الشريعة
تستند الحمية الغذائية المعروفة بنظام الطيبات على آيات من القرآن أهمها:
يا أَيّهَا الذين آمنوا كُلوا من طيّبات ما رزقناكم
وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله
فسّر العوضي الآيتين بأن القرآن دعا إلى الأكل من الطيبات أي الأطعمة غير الضارة والتي تناسب الفطرة الإنسانية، ودعا إلى تناول الحد الأدنى من الطعام، استنادا إلى الآية 61 من سورة البقرة.
يقول أستاذ علم الاجتماع فؤاد الغربالي في تصريح لنواة إنّ النظام الذي أطلقه ضياء العوضي قائم وفق منظومة الحلال والحرام وبالتالي فالمسألة دينية بالأساس، ضمن سلسلة اقتصاد الحلال والذي يؤدي إلى أسلمة الغذاء والصحة. بالتالي، لقي هذا النظام الغذائي المغلّف بالدين، رواجا كبيرا لدى الفئات الأكثر هشاشة والتي تستهلك هذا النوع من الخطاب دون تفكير.

وضع الطبيب المصري قائمة للأكل الممنوع وأخرى للأكل المسموح به ضمن نظام الطيبات، حيث يمنع أكل الخبز والخضر الورقية والطماطم والجبن الأبيض والألبان والدواجن، في حين يبيح هذا النظام أكل الأطعمة الدسمة مثل السمن وبعض الأنواع من الأجبان والسكريات.
لم تكن قائمتا المحظورات والمباحات في نظام الطيبات المشكل الرئيسي الذي أثار جدلا واسعا في العالم العربي وفي مصر بالأساس، بل فيديوهات الطبيب ضياء العوضي التي قال فيها إنّه ممنوع تناول أية مواد كيميائية بما في ذلك الأدوية، واستدلّ على قوله بالآية 80 من سورة الشعراء التي تقول ”وإذا مرضت فهو يشفين“.
يضيف العوضي إنه على أي شخص يتناول الأدوية ألّا يتبع نظام الطيبات، داعيا إلى عدم تناول أدوية ضغط الدم لأنها تؤدي إلى الوفاة وأن حقن الانسولين التي توصف لمرضى السكري قاتلة، رغم أنه أباح تناول السكريات والأطعمة الدسمة، كما أباح تدخين السجائر الذي قال عنه إنه غير مضر بالصحة، في المقابل دعا إلى عدم اللجوء إلى العلاج الكيميائي لمرضى السرطان.
على خلفية ترويجه لنظامه الغذائي، قامت نقابة الأطباء في مصر، شهر مارس 2026، بشطب ضياء العوضي من جدول الأطباء وسُحبت منه رخصته المهنية، وأعقب ذلك صدور قرار من وزارة الصحة المصرية بإغلاق عيادته معللّة ذلك القرار ب”نشره معلومات علاجية مضللة قد تعرّض المرضى لمخاطر صحية جسيمة، من بينها دعوة مرضى السكري إلى التوقف عن استخدام الأنسولين، بالمخالفة للأسس العلمية المعتمدة“.

أزمة الأدوية: مرآة لانهيار الحق في الصحة
25/02/2026
نظام يؤدي إلى القبور
حسب منظمة الصحة العالمية، يرتكز النظام الغذائي الصحي للإنسان على تناول الأطعمة التي تحتوي على الكربوهيدرات المتوفر في الحبوب الكاملة والبقول والأرز البني إضافة إلى الخضر والغلال. تقول منظمة الصحة العالمية إنه ”ينبغي لجميع الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 10 سنوات أن يتناولوا ما لا يقل عن 400 غرام من الفواكه والخضراوات يوميا“. ويحتوي النظام الغذائي الصحي، حسب منظمة الصحة العالمية على البروتينات المتأتية من مصادر نباتية وحيوانية، إضافة إلى الفيتامينات والمعادن التي تحتوي عليها الأطعمة الحيوانية الخالية من الدهون والخضر وخاصة الخضر الورقية والفواكه والبقول.
في المقابل، حُذفت من قائمة محظورات نظام الطيبات أطعمة أساسية مثل الخضر والبقول والبيض التي يستمد منها الإنسان حاجته من فيتامينات متنوعة. تقول الطبيبة المختصة في التغذية سندة حالي لراديو ماد إنه يوجد أشخاص كثيرون احتدت أمراضهم بسبب اتباع حمية ما يسمى بنظام الطيبات، وهو أمر أكده الطبيب التونسي أسامة الحناشي عبر تدوينة على صفحته الرسمية ذكر فيها أن مريضة تبلغ من العمر 34 سنة مصابة بالسكري، نُقلت فجرا إلى القسم الاستعجالي، وكانت تعاني من شلل في ساقيها وقيئ متكرّر. وبعد فحصها تبيّن أنها تعاني من ضربات قلب قوية وارتفاع في ضغط الدم والسكري. ويضيف الطبيب ”انقطعت المريضة عن تناول الدواء تماما بسبب تأثرها بنظريات حمية الطيبات وبخطابات زائفة ل”طبيب“ متوفى وأوقفت حقن الأنسولين.“ وتجدر الإشارة إلى أن حالتها كان من الممكن أن تنتج عنها وفاتها.

تبنى عدد كبير من التونسيين نظام الطيبات ووصل الأمر حدّ الترويج له من بعض الوجوه التي ترى في نفسها القدرة على التأثير فيمن يتابعها.
يقول زياد في تصريح لموقع نواة إنّ والده المصاب بمرض السكري وضغط الدم والغدة الدرقية، تابع فيديوهات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تتحدث عن نظام الطيبات وأنه تأثر بتلك الفيديوهات فقرّر اتباع تلك الحمية. ويضيف:
أبي يعاني من مرض السكري وضغط الدم ومشاكل في الغدة الدرقية ووصف له الأطباء أدوية لهذه الأمراض. قبل أكثر من شهر من اتباع تلك الحمية، عانى من انتفاخ في البطن وقلق جسدي لم يعرف الأطباء مصدره ونقص وزنه، ثم زار طبيبا متخصصا في أمراض المعدة، ووصف له دواء لكنه انقطع عن تناوله بعد ثلاثة أيام وأخبر والدتي أنه قرر اتباع نظام الطيبات. كان يأكل كميات قليلة من الطعام وتكون طبقه أساسا من البطاطا وقطعة صغيرة من اللحم دون توابل. في الأثناء، لم تكن والدتي تعلم أنه انقطع عن حقن الأنسولين وعن تناول بقية أدويته.
ظلّ والد زياد دون أنسولين أو دواء ضغط الدم والغدة الدرقية لمدة أسبوع، ولم يخبر أي فرد من العائلة بذلك، قبل أن تكتشف زوجته ذلك فأصرت على تناول أدويته وحذرته من نتائج عدم حقن الأنسولين، واستجاب لها وامتنع سرا عن تناول بقية أدويته، وظلّ على ذلك الحال مدة أسبوعين أو أكثر. يقول زياد ”تدهورت حالة والدي ونقص وزنه كثيرا، وأدخل ذلك عائلتنا في دوامة من الرعب خشية تعكّر صحته. كان والدي عنيدا جدا رغم أنه متعلم، وأعتقد أنّ تأثره بالأوهام التي نشرها ذلك الطبيب، هو بسبب عدم توصل الأطباء إلى سبب القلق الذي يشعر به داخل جسمه، وهو ما دفعه إلى أن يكون فريسة سهلة لخطاب الطبيب المصري. حين علمت بمسألة اتباع والدي نظام الطيبات، تحدثت معه وعلمت أنه يعاني من قلق نفسي بسبب عدم تبيّن أسباب مرضه، وتبيّن أن ذلك ما قاده إلى اتباع تلك الحمية. تحدثت إليه لإقناعه بعد بحث عن النظام لكنه لم يقتنع وتهيأ له ان الاعلام يستهدف العوضي“.
بدأ والد زياد بمراجعة قراره اتباع نظام الطيبات بعد أن فهم أن تعكّر صحته لن يتحمله وحده بل سيأثر في عائلته أيضا وقرر العودة إلى زيارة الطبيب وتناول أدويته وبدأ بالعودة إلى تناول الممنوعات في نظام الطيبات.
يقول المثل، ”الكذبة تطوف نصف العالم، قبل أن تلبس الحقيقة حذاءها“، وحدث هذا الأمر في خطابات الطبيب المصري ضياء العوضي التي غزت مطابخ آلاف الأشخاص من دول عربية بما في ذلك تونس، فرغم تحذير الأطباء من اتباع نظام الطيبات، إضافة إلى شهادات عن خطر الوفاة نتيجة الامتناع عن تناول الأدوية، ما تزال ظلال العوضي تحجب تلك الحقائق، والسبب اهتزاز ثقة الجمهور في كل ما هو رسمي والبحث عن مخارج سحرية، خاصة أذا اعتمدت خطابا مغلفا بالدين حتى وإن تعارض مع توصيات هياكل الطب الدولية.


iThere are no comments
Add yours