في مشهد بات يتكرر بانتظامٍ يُثير السخرية بقدر ما يثير القلق، عاد ملف الصلح الجزائي ليطفو على السطح، حاملا معه ذات الوعود البراقة، وذات الإحباطات العميقة. ففي الثامن من شهر جوان 2026، وبعد قرابة خمس سنوات عجاف من إطلاق هذا المشروع، أُعلن عن تعيين رئيس جديد للجنة الوطنية للصلح الجزائي. لم يكد هذا التعيين يمرّ حتى ظهر رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، في لقاء رئاسي، ليشدّد على أن ”الفرصة ما زالت مفتوحة“ لاستعادة ”أموال الشعب“، وأن لا مجال للتسامح مع من نهبوا مقدّرات البلاد. هذا الظهور، الذي يأتي في سياق محاولة دائمة لإعادة تحريك ملف يراوح مكانه منذ سنوات، ليس مجرد حدث عابر في مسار سياسة عمومية، بل هو تجسيد مكثف لسردية سياسية أوسع، تحوّل فيها الصلح الجزائي من آلية قانونية واقتصادية إلى ركن أساسي في شرعية نظام بأكمله، وإلى مرآة تعكس طبيعة الحكم الفرداني والرؤى الهلامية التي تحكم المشهد التونسي، وتكشف عن عجز سياسي بنيوي يهدد أسس الدولة.

لقد أصبح الصلح الجزائي، في خطاب رئيس الجمهورية، ليس مجرد وسيلة لاسترجاع الأموال المنهوبة، بل رمزا لمكافحة الفساد، وتجسيدا لإرادة شعبية ترى فيه الخلاص من ”الفاسدين“ الذين عاثوا في الأرض فسادا. ولهذا، فإنّ إعلان فشله ليس خيارا مطروحاً على الإطلاق، لأنّ فشل المشروع سيعني التشكيك في إحدى أهم الوعود المؤسسة لمسار 25 جويلية، وفتح الباب أمام مساءلة جوهرية لمشروعية السلطة التي قامت على أساس مكافحة الفساد. هذا ما يفسر الإصرار على إعادة بعثه، وتحويل التعثّر من أزمة نتائج حقيقية إلى مجرّد ”مشكلة معطّلين وإجراءات“، في محاولة دائمة لإعادة إنتاج الأمل في مشروع بات أقرب إلى السراب، وأبعد ما يكون عن تحقيق أهدافه المعلنة. إنها دينامية سياسية تتّسم بالإنكار أوّلا، ثم البحث عن كبش فداء، ثم إعادة إطلاق المشروع بتعديلات شكليّة، في حلقة مفرغة تعكس حالة من العبثية السياسية التي ترهن مصير البلاد لمشروع شخصيّ، وتؤكد على أن تونس تعيش في زمن العجز السياسي الذي غذّته الفردانية الشمولية.

خمس سنوات من الصلح الجزائي: حصيلة السراب في زمن التصحير الاقتصادي

تتجسد قصة الصلح الجزائي في تونس كنموذج صارخ لتصادم الوعود الشعبوية الكبرى مع واقع الاقتصاد السياسي المعقد والصلب. فمنذ أن طرح قيس سعيّد فكرته في عام 2012، كانت الأرقام التي يتحدث عنها أشبه بالحلم: 13.5 مليار دينار تونسي، أي ما يقارب نصف ميزانية الدولة آنذاك، والتي يمكن استرجاعها من ”الفاسدين“ وتوجيهها نحو تنمية المناطق المحرومة. هذه الأرقام، التي تكررت في خطاباته بعد توليه الرئاسة، كانت بمثابة وقود لخطاب شعبوي يلامس أوتار الغضب الشعبي من الفساد المستشري، ويقدم حلاّ سحريّا لأزمة اقتصادية خانقة. لقد رسم سعيّد صورة وردية لمستقبل تونس، حيث تتحوّل أموال الفساد إلى مشاريع تنموية وتبعث الحياة في المناطق المنسية، وتُحقّق العدالة الاجتماعية بخطوة واحدة. كانت هذه الوعود، في جوهرها، تعبيرا عن رؤية تبسيطية للفساد، تختزله في مجموعة من ”الفاسدين“ يمكن استعادة أموالهم بسهولة، متجاهلة التعقيدات الهيكلية والحلقات المتشابكة التي تغذي الظاهرة، وتضرب بجذورها في عمق الدولة والمجتمع، وتتجاهل حقيقة أن الفساد ليس مجرد أفراد بل منظومة متكاملة.

لم تكن هذه الوعود مجرد أرقام، بل كانت جزءا من سردية أوسع تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، وإعادة بناء الثقة المفقودة في مؤسسات الحكم. فبعد تحجيم دور الأحزاب السياسية والمؤسسات الكلاسيكيّة، قدّم خطاب سعيّد نفسه كبديل يجسّد صوت الشعب، متجاوزا النخب التقليدية التي اتهمها بالتواطؤ مع الفساد. وفي هذا السياق، أصبح الصلح الجزائي ليس مجرد آلية قانونية، بل رمزا لإرادة سياسية جديدة، قادرة على كسر حلقات الفساد المستحكمة، وإعادة بناء الدولة على أسس من النزاهة والعدالة. لكن، وكما أثبتت التجارب التاريخية، فإنّ الوعود الكبرى، خاصة تلك التي تُبنى على تبسيط القضايا المعقدة، غالبا ما تصطدم بجدار الواقع، وتتحول إلى سراب يتبدّد مع أول اختبار حقيقي. فبعد أكثر من أربع سنوات من إطلاق المشروع، وبعد كل الضجيج السياسي والإعلامي الذي رافقه، بقيت الخزائن خالية، والأرقام المحقّقة ضئيلة جدّا مقارنة بالتوقّعات المعلنة. ففي حين تحدّث سعيّد عن استرجاع 13.5 مليار دينار تونسي، تشير التقديرات أنّ الحصيلة الفعلية لم تتجاوز حتى منتصف عام 2023 سقف 35 مليون دينار، وهو ما يمثل نسبة ضئيلة للغاية من المبلغ الموعود، مع العلم أنّ مختلف الجهات الرسمية تحرص على التكتّم على حصيلة هذا المشروع ومختلف التفاصيل الخاصة به. وحتى مع التعديلات الأخيرة التي سعت إلى تسريع التحصيل، فإنّ المسار ما زال بعيدا عن تحقيق أهدافه، مما يثير تساؤلات جدية حول جدوى هذا المشروع برمته، ويؤكد على أن الوعود الشعبوية لا يمكن أن تحلّ مشاكل اقتصادية عميقة تتطلب رؤى استراتيجية وإصلاحات هيكلية.

إنّ هذا الفشل الذريع في تحقيق الأهداف المعلنة لا يمكن فصله عن السياق الاقتصادي العام في تونس. فمؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026 يضع تونس في المرتبة 156 دوليا، مع تراجع ملحوظ في سيادة القانون وحقوق الملكية، وهما ركيزتان أساسيتان لجذب الاستثمار ومكافحة الفساد بفعالية. هذا التراجع يعكس ”تصحيرًا اقتصاديًا“ يضرب البلاد، حيث تتآكل الثقة في المؤسسات، ويزداد الشكّ لدى الفاعلين الاقتصاديين. فكيف يمكن لمشروع يعتمد على استعادة الأموال أن ينجح في بيئة اقتصادية طاردة للاستثمار، وتفتقر إلى الشفافية والمساءلة؟ إنّ الصلح الجزائي، في هذه البيئة، لم يكن سوى محاولة يائسة لتغطية العجز الاقتصادي برداء أخلاقي، وتقديم حلول سطحيّة لمشاكل بنيوية عميقة.

10 جوان 2026 قرطاج – قيس سعيد يقرر منح علي عباس رئاسة لجنة الصلح الجزائي ليصبح ثالث رئيس يعينه سعيد لقيادة هذه اللجنة منذ نوفمبر 2022 – الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية

النصوص القانونية: رقصة على حافة العدالة ومسرحية التشريع

تجسد المسار القانوني للصلح الجزائي في شكل رقصة مرتجلة على حافة العدالة، ومسرحية تشريعية تعكس الارتباك والتخبط في مقاربة ملف الفساد، كما أكدّت النزعة الفردانية الشمولية في الحكم. فبعد سنوات من طرح الفكرة، صدر المرسوم عدد 13 لسنة 2022 في 20 مارس 2022، ليضع الإطار القانوني لـ ”اللجنة الوطنية للصلح الجزائي“. هذا المرسوم، الذي جاء في سياق استثنائي غابت فيه الرقابة البرلمانية، منح اللجنة صلاحيات واسعة للنظر في جرائم الفساد المالي والاقتصادي المرتكبة قبل 2011 وبعدها، مع استثناء الجرائم الإرهابية. وقد أثار هذا التوسع في النطاق الزمني والموضوعي تساؤلات جدية حول تداخله مع مسار العدالة الانتقالية الذي كانت تشرف عليه ”هيئة الحقيقة والكرامة“، والذي كان يهدف إلى كشف الحقيقة وجبر الضرر ومحاسبة المتورطين في انتهاكات الماضي، وليس مجرد المقايضة المالية. إنّ هذا التداخل لم يكن مجرد صدفة، بل كان جزءاً من استراتيجية أوسع لتهميش مؤسسات العدالة الانتقالية، وإعادة تعريف مفهوم العدالة بما يخدم الأجندة السياسية للسلطة الجديدة.

لم يكد المرسوم يدخل حيز التنفيذ حتى بدأت تظهر التحديات، ليس فقط على مستوى التنفيذ، بل على مستوى الفلسفة التي يقوم عليها. فبطء تشكيل اللجنة، وتأخر انطلاق عملها، وعدم تحقيق النتائج المرجوة، دفع السلطة إلى إدخال تعديلات جوهرية. ففي جانفي 2024، صادق مجلس نواب الشعب على القانون عدد 3 لسنة 2024، الذي أحدث تحوّلا جذريّا في صلاحيات اللجنة. فبدلا من أن تكون جهة تقريرية، تحولت اللجنة إلى مجرد ”مكلّف بإعداد ملفات“، بينما انتقلت السلطة التقريرية الفعلية إلى ”مجلس الأمن القومي“ برئاسة رئيس الجمهورية. هذا التحوّل يثير مخاوف جدية بشأن مركزة القرار في يد السلطة التنفيذية، وتهميش الدور القضائي والمحاسبي. فإلغاء الرقابة القضائية لمحكمة المحاسبات على عائدات الصلح، وتوسيع صلاحيات مجلس الأمن القومي في البتّ في مشاريع الصلح، يعكس توجها نحو تسريع الإجراءات بأي ثمن، حتى لو كان ذلك على حساب الشفافيّة والمساءلة، ومبادئ الفصل بين السلطات، ويؤكّد على أن السلطة الحالية لا تؤمن بالتوازن بين السلطات، بل تسعى إلى تركيز كل الصلاحيات في يدها.

لم تقتصر التعديلات على مركزة القرار، بل شملت أيضا وسائل ضغط جديدة ضد المماطلين أو الفارين، مثل إمكانية فرض الإقامة الجبرية، ومصادرة الأملاك التي امتدت لتشمل الأصول والفروع والإخوة والأصهار في حال ثبوت انتفاعهم بالأموال المهربة. هذه الإجراءات، التي تهدف إلى تحقيق ”نجاعة“ أكبر في استعادة الأموال، تعكس إقرارا ضمنيا بفشل المسار في صيغته الأولى، ومحاولة يائسة لإعادة احيائه. لكن، لم تعالج هذه التعديلات جذور المشكلة، بل ركزت على تسريع التحصيل المالي، متجاهلة الأبعاد الأعمق للعدالة والمحاسبة، ومخاطر تحويل الصلح إلى مجرد ”مقايضة“ مالية تسقط بموجبها التتبعات الجنائية، وتفتح الباب أمام الإفلات من العقاب. إذ يتم التضحية بالمبادئ القانونية من أجل تحقيق مكاسب سياسية آنية، وتبرير مشروعية حكم يقوم على خطاب مكافحة الفساد، حتى لو كان ذلك على حساب العدالة الحقيقية وسيادة القانون.

الاقتصاد السياسي للفساد والوعود الشعبوية

يتجاوز ملف الصلح الجزائي في تونس مجرد كونه آلية قانونية، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد السياسي للفساد والوعود الشعبوية التي تميز الخطاب السياسي الحالي. فمنذ البداية، ارتبط المشروع بفكرة استرجاع الأموال المنهوبة لتمويل ”الشركات الأهلية“، التي قدمها قيس سعيّد كنموذج اقتصادي بديل، يهدف إلى تحقيق التنمية المحلية والعدالة الاجتماعية. هذه الشركات، التي يفترض أن تكون ذراعا استثمارية لعائدات الصلح، بقيت حتى الآن مجرد فكرة هلامية، تفتقر إلى آليات التنفيذ الواضحة وأحد أبواب هدر المال العام. أمّا التعتيم المريب حول عائداتها فيثير تساؤلات جدية حول جدواها الاقتصادية وقدرتها على تحقيق الأهداف المرجوة في ظل غياب رؤية اقتصادية متكاملة، ويؤكد على أن الرؤى الهلامية لا يمكن أن تبني اقتصادا حقيقيّا.

إنّ توظيف الفساد كـ ”عدو خارجي“ أو ”عدو داخلي“ لتبرير السلطة المطلقة، هو سمة مميزة للخطاب الشعبوي. فمن خلال تصوير الفساد كـ ”مؤامرة“ تحاك ضد الشعب، يتم تبرير تجاوز المؤسسات، ومركزة السلطات وتهميش الرقابة. هذا الخطاب، الذي يعتمد على تبسيط القضايا المعقدة واختزالها في صراع بين ”الخير والشر“، يهدف إلى تعبئة الدعم الشعبي وصرف الانتباه عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية التي تعاني منها البلاد. هذا ما يطلق عليه الشعبوية العقابية (Penal Populism)، حيث يتم توظيف القانون الجنائي كأداة سياسية لاسترضاء القاعدة الشعبية عبر ”محاكمة الفاسدين“ دون تحقيق نتائج اقتصادية فعلية، ممّا يهدد أسس الديمقراطية وسيادة القانون.

إنّ هذا التوظيف السياسي للفساد لا يقتصر على الخطاب، بل يمتد ليشمل الممارسات. ففي ظل غياب الشفافية والمساءلة، يمكن أن يتحول الصلح الجزائي إلى أداة لابتزاز رجال الأعمال وتطويعهم سياسيا أو لتصفية حسابات مع خصوم سياسيين، ليتحوّل المشروع من آلية لاسترجاع الأموال إلى أداة للسيطرة السياسية وتعميق حالة ”التصحير الاقتصادي“ التي تعاني منها البلاد.

أكتوبر 2024 تونس – سعيّد يدشن إعادة افتتاح مسبح بلدي بعد أن تكفل بنك خاص بتمويل الأشغال، مباشرة بعد سجن مروان المبروك أحد أهم المساهمين فيه – الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية

من العدالة الانتقالية إلى المقايضة السياسية: اغتيال مسار العدالة وتكريس الفردانية

لا يمكن فهم مسار الصلح الجزائي في تونس بمعزل عن تاريخ العدالة الانتقالية التي شهدتها البلاد بعد ثورة 2011. فبعد سنوات من النضال، تم إقرار قانون العدالة الانتقالية في عام 2013، وتأسيس ”هيئة الحقيقة والكرامة“، التي كان هدفها كشف الحقيقة، وجبر الضرر، ومحاسبة المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان والفساد المالي تحت نظام بن علي. لقد مثلت هذه الهيئة أملا كبيرا في بناء دولة القانون والمؤسسات، وتحقيق مصالحة وطنية شاملة، مستلهمة تجارب دولية رائدة مثل جنوب أفريقيا التي نجحت في تجاوز ماضيها الأليم عبر آليات كشف الحقيقة والمصالحة.

لكن، ومع صعود قيس سعيّد إلى السلطة، تعرض مسار العدالة الانتقالية لـ ”اغتيال“ ممنهج. فبدلا من دعم الهيئة ومخرجاتها، تم تهميشها، ثم إلغاء دورها بشكل غير مباشر، ليحل محلها مشروع الصلح الجزائي. هذا التحول ليس مجرد تغيير في الآليات، بل تغيير جذريّ في المقاربة والفلسفة.

دروس من التجارب الدولية: حين تشرق العدالة من رحم المؤسسات لا من أقبية المقايضة

إنّ المقارنة بين النموذج التونسي الحالي في الصلح الجزائي والتجارب الدولية في العدالة الانتقالية واسترداد الأموال المنهوبة تكشف عن فوارق جوهرية، وتبرز مدى ابتعاد المقاربة التونسية عن المعايير الدولية للعدالة والشفافية. ففي جنوب أفريقيا، لم تكن لجنة الحقيقة والمصالحة (TRC) التي بدأت أشغالها سنة 1996 برئاسة الأسقف ديزموند توتو، مجرد آلية تقنية لاسترداد الأموال، بل كانت مسارا شاملا يهدف إلى كشف الحقيقة وجبر الضرر والمصالحة الوطنية بعد عقود من نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد). لقد ربطت تلك التجربة العفو بالكشف الكامل عن الحقيقة من قبل الجناة وليس بالمقايضة المالية الصرفة. حيث تلقت اللجنة 7112 طلبا للعفو، ولم تمنحه إلا لـ 849 متقدما أثبتوا صدق كشفهم للحقائق. وحتى عندما تعلّق الأمر بالتعويضات، فإن ”صندوق الرئيس“ الذي بلغت ميزانيته حوالي مليار راند (100 مليون دولار آنذاك) لم يكن غاية في حد ذاته، بل كان اعترافاً رمزيا وماديّا بكرامة الضحايا. إذ حصل أكثر من 20 ألف ناجية وناج على تعويضات مباشرة، مما يؤكد أن العدالة الانتقالية الفعالة تتطلب إصلاحا مؤسساتيا جذريّا يمنع تكرار الانتهاكات، لا مجرد تسوية مالية عابرة.

أما في ملف استرداد الأموال المنهوبة، فإن تجربة الفلبين عبر اللجنة الرئاسية للحكم الرشيد (PCGG) التي تأسست سنة 1986، تمثّل أحد أهم التجارب. فقد نجح هذا الجهاز المتخصص والدائم، الذي يعمل تحت رقابة قضائية وشعبية صارمة، في استرداد أكثر من 267 مليار بيزو فلبيني (حوالي 5 مليار دولار) من ثروات عائلة ماركوس وحلفائهم حتى عام 2023، وما زالت جهوده مستمرة حتى عام 2026 لاسترداد مبالغ إضافية. هذا النجاح لم يكن وليد ”هبة رئاسية“ أو مرسوم مستعجل، بل كان نتيجة عمل قانوني دؤوب ومؤسساتي استمر لعقود، مما يثبت أن استعادة مقدرات الشعوب تتطلب إطارا قانونيا صلبا ومؤسسات مستقلة لا ترتهن لمزاج السلطة التنفيذية.

وفي نيجيريا، شكل استرداد أموال الديكتاتور السابق ساني أباتشا درسا في الشفافية. حيث نجحت البلاد منذ أواخر التسعينات في استعادة أكثر من 3.6 مليار دولار من ملاذات آمنة في سويسرا والولايات المتحدة وجزيرة جيرسي. لكن العبرة لم تكن في الرقم فحسب، بل في تخصيص هذه المبالغ المستردة لمشاريع اجتماعية محددة ومراقبة من قبل البنك الدولي ومنظمات المجتمع المدني، لضمان عدم نهبها مجددا.

النموذج التونسي: مقايضة سياسية واغتيال للعدالة

على النقيض من هذه التجارب، يركز الصلح الجزائي في تونس على المقايضة المالية، وإسقاط التتبعات الجنائية مقابل دفع الأموال، دون كشف الحقيقة أو إصلاح مؤسساتي. هذا ما يثير التساؤلات حول مدى جدية السلطة في مكافحة الفساد، ومدى احترامها لمبادئ العدالة، ويؤكد على أن النزعة الفردانية في الحكم لا تؤمن بالعدالة المؤسساتية، بل بالعدالة التي يحددها الحاكم.

إنّ تحول مجلس الأمن القومي إلى ”محكمة عليا“ تقرّر المبالغ والصلح، كما جاء في تنقيح سنة 2024، هو مؤشر خطير على تهميش الدور القضائي، ومركزة القرار في يد السلطة التنفيذية. هذا التوجه يعكس نزعة فردانية في الحكم، حيث يصبح رئيس الجمهورية هو المرجع الأوحد في جميع القضايا، بما في ذلك القضايا القضائية. إنّ هذا المسار لا يهدد استقلالية القضاء فحسب، بل يقوض أيضا مبدأ الفصل بين السلطات، ويفتح الباب أمام تحويل العدالة إلى مجرد أداة سياسية، تستخدم لتصفية الحسابات أو لتبرير السلطة في تناقض صارخ مع التجارب الدولية الناجحة في مكافحة الفساد، والتي تؤكد على أهمية استقلالية القضاء وشفافية الإجراءات ومشاركة المجتمع المدني في الرقابة والمحاسبة.

الصلح الجزائي كرهينة للسردية السياسية: في مهب العجز وتأبيد الفردانية

غادر الصلح الجزائي في تونس مربع السياسات العمومية الخاضعة للتقييم والمساءلة ليستقر في صلب السردية السياسية لرئيس الجمهورية قيس سعيد، ليتحوّل إلى رهينة وجودية لمسار 25 جويلية برمته. حيث لا يملك أحد ترف إعلان وفاته السريرية دون المخاطرة بنسف حجر الزاوية في مشروعية السلطة القائمة. هذا الارتهان العضوي يفسر تلك الدينامية العجيبة من الإنكار التي تحول العجز عن تحقيق النتائج الملموسة إلى مادة دسمة للاستثمار في ”المظلومية“ السياسية. حيث يتم تدوير الفشل وإعادة إنتاجه في ثوب صراع ”مقدّس“ ضد مجهولين و”لوبيات“ متخفية في مفاصل الإدارة. إن هذا المسار الذي يراوح مكانه منذ سنوات، والمحكوم بنزعة فردانية ترى في المؤسسات مجرد عقبات وفي القانون مجرد أداة طيعة، يكرّس حالة من ”التصحير السياسي“ الشامل؛ إذ يتم تجريف الوسائط التقليدية وتعويضها بآليات هجينة، مثل تحويل مجلس الأمن القومي إلى سلطة تقديرية فوق قضائية، تفتقر لأدنى معايير الشفافية الدولية التي ميّزت تجارب استرداد الأموال في نيجيريا أو الفلبين.

إن الإصرار على بعث الروح في لجنة الصلح الجزائي مع كل تعيين جديد ليس إلا محاولة لترميم صورة مشروع وُلد ميّتا من رحم الوعود الشعبوية، وهو ما يحوّل كيان الدولة وهيبتها إلى مجرد حقل تجارب لرؤى هلامية تقتات على صناعة الأعداء وتأليب القاعدة الشعبية لضمان استمرارها السياسي. فبدل أن يكون الصلح آلية لاستعادة مقدرات الشعب المنهوبة وتوجيهها نحو تنمية حقيقية، تحوّل إلى أداة لتدجين رجال الأعمال وتطويع الخصوم تحت سيف التهديد الدائم بالملاحقة. هكذا، ينتهي الصلح الجزائي من كونه حلّا ليصبح جزءا بنيويا من الأزمة العضوية التي تعصف بالدولة التونسية، مؤكدا في استخلاصه النهائي أن السلطة التي ترهن مصير العدالة والمؤسسات لمزاج الحاكم ومساراته الذاتية، تنتهي بالضرورة إلى تحويل مفهوم الدولة ذاته إلى مجرد واجهة لتبرير العجز وتأبيد الارتباك.