المفارقة هنا ليست في سريالية التهمة التي باتت ”وجبة يومية“ في القاموس السياسي الجديد، بل في كونها صدى لاتهامات لاحقته منذ ستينيات القرن الماضي في عهد ”المجاهد الأكبر“ الحبيب بورقيبة، وكأن الزمن التونسي لا يسير إلى الأمام، بل يدور في حلقة مفرغة من الصدام بين السلطة ومعارضيها. إذ يغدو النضال من أجل بديهيات كالحرية ”تآمرا“ في منطق السلطة القائمة، وتغدو الذاكرة السياسية الوطنية، التي يجسدها الشابي بمسيرته الطويلة، موضوعا للصراع والتأويل بين من يراها رصيدا وطنيا ومن يعتبرها جزءا من ماضٍ سياسي تجاوزه الزمن.

ليس سهلا كتابة بورتريه عن أحمد نجيب الشابي دون الوقوع في فخّين متناقضين: فخ التمجيد الذي يحوّل الرجل إلى ”ضمير ديمقراطي“ منزّه عن الأخطاء، أو فخ الاختزال الذي يقدّمه فقط كأحد وجوه ”المنظومة القديمة“ التي سقطت شعبيتها بعد الثورة. والحقيقة أن مسيرة الشابي أعقد من ذلك بكثير، لأنها تختزل، في جانب واسع منها، قصة النخبة الديمقراطية التونسية نفسها: كيف وُلدت، وكيف قاومت، وكيف انتصرت أخلاقيا على الاستبداد، ثم كيف خسرت المسرح السياسي تدريجيا بعد أن ظنّت أن سقوط الديكتاتورية كفيل وحده بإنتاج ديمقراطية مستقرة، دون الانتباه بما يكفي إلى التحولات الاجتماعية والثقافية العميقة التي كانت تعيد تشكيل المجتمع التونسي.

فالرجل الذي واجه بورقيبة وبن علي وقيس سعيّد، ليس مجرد سياسي معارض. إنه ابن مرحلة كاملة من تاريخ تونس الحديث؛ مرحلة كانت السياسة فيها مرتبطة بالأفكار الكبرى، وبالنقاشات الإيديولوجية، وبالمعنى الثقيل للنضال العام. لذلك يبدو أحمد نجيب الشابي اليوم كأنه قادم من زمن آخر: زمن الأحزاب العقائدية، والمنشورات السرية، والمعارك الحقوقية الطويلة، قبل أن تتحول السياسة في تونس إلى سوق مفتوح للعبث الشعبوي والانفعالات الرقمية والتحالفات الرخوة والانتهازية. غير أن هذا الانتماء إلى ”زمن السياسة الكلاسيكية“، كان في الوقت نفسه أحد عناصر قوته وأحد أسباب محدودية قدرته على التأقلم مع التحولات التي فرضتها مرحلة ما بعد الثورة.

هذا البورتريه ليس مجرد سرد لسيرة ذاتية، بل هو محاولة لتفكيك سوسيولوجيا الصمود في زمن الانكسار، وقراءة في مسار سياسي طويل جمع بين الثبات على بعض المبادئ وبين خيارات واجتهادات ظلت محل نقاش وجدل حتى داخل المعسكر الديمقراطي نفسه.


فلسطين أولا ثمّ الخلافات بين السلطة والمعارضة: حوار مع أحمد نجيب الشابي
– 26 أكتوبر 2023 –

هيمن الانتصار للمقاومة الفلسطينية على الحراك النقابي والسياسي التونسي. قضية قد تكون الوحيدة التي تتفق السلطة والمعارضة على إسنادها دون حسابات مسبقة. واقع صرف الأنظار عن حراك الموقوفين فيما يعرف بقضية التآمر وعائلاتهم، بعد رفع إضرابات الجوع والاعتصامات التي شنت للغرض. نواة تعود إلى هذا الحراك و آفاقه في لقاء مع رئيس جبهة الخلاص أحمد نجيب الشابي.


”آفاق“ الستينيات… ولادة ”المثقف المشاكس“ في رحم الراديكالية

لم تكن نشأة أحمد نجيب الشابي السياسية ترفا فكريا في صالونات العاصمة، بل كانت معمودية نار في قلب الحراك الطلابي والراديكالية اليسارية التي أزعجت نظام بورقيبة في الستينيات. انخراطه المبكر في ”تجمع الدراسات والعمل الاشتراكي“ (حركة آفاق) سنة 1963، وهو لا يزال طالبا في باريس، كان تمردا سوسيولوجيا على بنية السلطة الأبوية التي أراد بورقيبة فرضها. لم تكن ”آفاق“ مجرد حركة سياسية، بل كانت مختبرا فكريا أنتج جيلا من المناضلين الذين رفضوا أن يكونوا مجرد ”براغي” في آلة الحزب الواحد.

في تلك الزنازين التي دخلها الشابي لأول مرة سنة [1]1968، إثر محاكمات ”آفاق“ الشهيرة، لم تكن الجدران كافية لحبس الأفكار. هناك، وسط التعذيب والتنكيل، بدأ الشابي رحلة ”المراجعة الكبرى“. التحول من راديكالية ”العامل التونسي“ والنزعات الماركسية اللينينية والبعثية القومية، إلى تبني ”الديمقراطية الاجتماعية“ كأفق تحرري. لم يكن ”انقلابا“ على المبادئ أو ”توبة“ سياسية كما يحلو لخصومه تصويرها، بل كان قراءة للواقع التونسي المتكلّس. ومع ذلك، فإن هذه المراجعات المبكرة دشّنت أيضا نزعة سترافقه لاحقا: الإيمان بإمكان التوفيق بين المتناقضات والبحث المستمر عن مساحات التوافق، وهو خيار اعتبره أنصاره دليلا على النضج السياسي، بينما رأى فيه بعض منتقديه استعدادا مفرطا لتقديم التسويات على حساب وضوح الخيارات.

أدرك الشابي، وهو يرى رفاقه يُسحلون في دهاليز وزارة الداخلية، أن الاستبداد هو ”العدو المشترك“ الذي لا يفرق بين يسار راديكالي أو يمين محافظ، وأن معركة ”الحريات الشكلية“ -كما كان يسميها اليسار آنذاك- هي في الحقيقة ”الجوهر الصلب“ لأي مشروع نهضوي حقيقي. هذه المرحلة شكلت ”العمود الفقري“ لشخصية الشابي: المثقف الذي لا يخشى مراجعة نفسه، والمناضل الذي يرفض التقوقع في جلباب الأيديولوجيا.

الثمانينيات.. مغامرة ”العلنية“ وكسر جدار الخوف

عاد أحمد نجيب الشابي من منفاه الجزائري والفرنسي سنة 1977، حاملا معه رؤية سياسية نضجت على نار هادئة. في سنة 1983، وفي أوج صراع الأجنحة داخل قصر قرطاج، أقدم الشابي على خطوة اعتُبرت آنذاك ”انتحارا سياسيا“: تأسيس ”التجمع الاشتراكي التقدمي“. في زمن كان فيه العمل السياسي محصورا بين ”شرعية“ الحزب الاشتراكي الدستوري المهيمن و”سرية“ الحركات المعارضة والملاحقة، اختار الشابي ”المربع القانوني“ كخندق للمواجهة.

لم يكن الشابي يلهث وراء ”فيزا“ قانونية من وزارة الداخلية، بل كان يمارس سياسة ”الأمر الواقع“. عبر جريدة ”الموقف“، التي تأسست سنة 1984، تحول الشابي إلى ”صوت من لا صوت لهم“. لم تكن ”الموقف“ مجرد ورقة مطبوعة، بل كانت ”برلمانا موازيا“ حقيقيا، ومختبرا للأفكار الجريئة التي كانت تكسر الخطوط الحمراء التي رسمها النظام.

غير أن هذه المرحلة كشفت أيضا إحدى المفارقات التي ستلازم مسيرته. فبينما نجح في ترسيخ حضوره داخل النخبة الحقوقية والسياسية والثقافية، ظل تأثيره الشعبي والتنظيمي محدودا نسبيا مقارنة بحجم حضوره الإعلامي والفكري. وقد رافق هذا التفاوت الشابي طيلة عقود، إذ بدا في أحيان كثيرة أكثر قدرة على التأثير في النقاش العام من قدرته على بناء قاعدة جماهيرية واسعة.

بعد امضائه على الميثاق الوطني سنة 1988، لم يتأخر الشابي في اكتشاف حدود الانفتاح الذي وعد به بن علي. ففي انتخابات 1989، سرعان ما تكشفت له ولغيره من المعارضين طبيعة النظام الجديد. فقد احتفظ الحزب الحاكم بالسيطرة المطلقة على المشهد السياسي، بينما تحولت الانتخابات إلى مناسبة لتجديد الشرعية أكثر من كونها آلية للتداول على السلطة. كانت تلك اللحظة منعرجا حاسما في علاقة الشابي ببن علي، وأحد الأسباب التي ستدفعه لاحقا إلى التحول إلى أحد أبرز وجوه المعارضة الديمقراطية للنظام.

نوفمبر 2005 مكتب الأستاذ العياشي الهمامي نهج المختار عطية، تونس العاصمة – أحمد نجيب الشابي خلال خوضه اضراب جوع 18 أكتوبر يدلي بتصريح صحفي لمراسلي الصحافة العالمية – أرشيف أركواريس تي في.

هيئة 18 أكتوبر.. تجاوز ”الفيتو“ الأيديولوجي

تظل تجربة ”هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات“ سنة 2005، من أبرز محطات مسيرة أحمد نجيب الشابي السياسية، والمحطة التي كشفت عن قدرته على ”هندسة التوافقات“. في لحظة تاريخية اتسمت بانسداد الأفق السياسي وتغوّل آلة القمع، استطاع الشابي أن يجمع ”النقيضين“: اليسار الراديكالي ممثّلا في حمة الهمامي، والإسلام السياسي ممثلا في حركة النهضة، بالإضافة إلى الشخصيات الحقوقية والمستقلة.

كان هذا ”التحالف الهجين“ في نظر السلطة -وحتى في نظر بعض النخب المتوجّسة- بمثابة ”الخطر الوجودي“. لقد نجح الشابي في ”تسييس المشترك“. لم يطلب من الإسلاميين التخلي عن هويتهم، ولا من اليساريين التنازل عن راديكاليتهم، بل وضع الجميع أمام ”استحقاق الحرية“. الإضراب الشهير عن الطعام في أكتوبر 2005، تزامنا مع القمة العالمية لمجتمع المعلومات، كان ”زلزالا“ سوسيو-سياسيا كشف عورة النظام أمام العالم.

لكن هذه التجربة، التي تحولت لاحقا إلى مرجع في أدبيات المعارضة التونسية، لم تكن بمنأى عن النقد. فقد رأى البعض أن الشابي بالغ في الرهان على منطق التوافقات الكبرى، وأن التقارب مع حركة النهضة، رغم أهميته في كسر سياسة العزل التي فرضها النظام، ساهم لاحقا في إنتاج التباسات سياسية لم تنجح النخب الديمقراطية في إدارتها بعد الثورة. وبدا أحيانا أن الرهان على المشترك الديمقراطي أخفى حجم التباينات الحقيقية بين المشاريع السياسية المختلفة.

لقد حطمت هيئة 18 أكتوبر ”الفيتو“ الذي وضعه النظام بين التيارات السياسية، وأثبتت أن ”االخصم“ ليس هو الآخر الفكري، بل هو ”الاستبداد“ الذي يقتات على تشرذمها. لكن التجربة أثبتت لاحقا أيضا أن إسقاط الحواجز بين الخصوم أسهل بكثير من إدارة الخلافات بينهم عندما يصبحون شركاء في المجال السياسي المفتوح.

فيفري 2008 تونس – أحمد نجيب الشابي يعلن ترشحه لرئاسيات 2009 عن الحزب الديمقراطي التقدمي قبل ان يحرمه الاستبداد من حقه في الترشح بوضع قانون على المقاس يجيز الترشح فقط لرؤساء الأحزاب – أرشيف جريدة الموقف

ما بعد 2011.. تراجيديا ”المناضل“ في زمن ”الاستقطاب

بعد فرار بن علي في 14 جانفي 2011، دخل أحمد نجيب الشابي مرحلة جديدة من مسيرته، اتسمت بمزيج من ”المسؤولية الوطنية“ و”الإخفاق الانتخابي“. انضمامه للحكومة الانتقالية الأولى كوزير للتنمية الجهوية كان محاولة من وجهة نظره لـ”عقلنة“ المطالب الثورية وتحويلها إلى برامج عمل، لكنه اصطدم بـ”راديكالية الشارع“ وبشبهة الارتباط بحكومة ضمت رموزا من النظام السابق، وهي شبهة لم يستطع التخلص منها بسهولة رغم استقالته لاحقا.

في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي 2011، وما تلاها من استحقاقات، دفع الشابي ثمن ”وسطيّته“ وثمن تاريخه في ”هيئة 18 أكتوبر“. إذ تعرض لحملات تشويه شرسة من أطراف مختلفة شملت حتى من كان منتميا للحزب الديمقراطي التقدمي. لكن تحميل الاستقطاب وحده مسؤولية هذا الإخفاق يبقى قراءة ناقصة. فقد كشفت تلك المرحلة أيضا محدودية قدرة الشابي وحزبه على التحول من نخبة معارضة إلى قوة انتخابية جماهيرية.

سوسيولوجيا الانتخابات في تونس بعد الثورة كانت محكومة بـ”الهوية“ و”الخوف“، وليس بـ”البرامج“ أو ”التاريخ النضالي“. غير أن الشابي، الذي قدم ”الحزب الجمهوري“ كبديل ديمقراطي اجتماعي، بدا أحيانا أسير تصورات تعود إلى ما قبل الثورة، حين كان الرصيد النضالي كافيا لصناعة الشرعية السياسية. أما تونس الجديدة فكانت تتحرك وفق قواعد مختلفة، لم تنجح النخبة الديمقراطية الوسطية، والشابي أحد أبرز رموزها، في فهمها أو التأقلم معها بالقدر الكافي.

رغم ذلك، لم ينسحب الشابي من الساحة. كان صوته عبر نوّابه في المجلس التأسيسي يدافع عن مدنية الدولة وعن استقلال القضاء. لكن ”المأساة“ الحقيقية لم تكن فقط في صعود الاستقطاب، بل أيضا في عجز القوى الديمقراطية الوسطية عن التحول إلى كتلة سياسية واجتماعية وازنة، وهو عجز كان الشابي جزءا منه كما كان أحد ضحاياه.

إذ لم تمضِ أشهر على انتخابات المجلس الوطني التأسيسي حتى دخل الحزب الديمقراطي التقدمي، الذي قاده الشابي لأكثر من ثلاثة عقود، في واحدة من أكبر عمليات إعادة الهيكلة داخل العائلة الديمقراطية. ففي أفريل 2012، اختار الحزب الاندماج مع عدد من التشكيلات السياسية الوسطية، أبرزها حزب آفاق تونس (الجناح الذي كان يقوده ياسين إبراهيم آنذاك) والحزب الجمهوري وحزب الإرادة، لتأسيس كيان جديد حمل اسم الحزب الجمهوري. وقد برّر الشابي هذا الخيار بضرورة توحيد القوى الديمقراطية المدنية في مواجهة الاستقطاب المتصاعد بين حركة النهضة وخصومها، وبناء قطب سياسي قادر على منافسة الأحزاب الكبرى.

أكتوبر 2014 تونس – أحمد نجيب الشابي يعلن برنامجه الانتخابي كمرشح لرئاسة الجمهورية – الصفحة الرسمية لأحمد نجيب الشابي

غير أن الرهان سرعان ما اصطدم بواقع أكثر تعقيدا؛ إذ كشفت السنوات اللاحقة عن صعوبة دمج مكونات سياسية ذات ثقافات تنظيمية وخلفيات مختلفة، لتبرز خلافات حول القيادة والخيارات السياسية والاستراتيجية. ومع تفاقم تلك التباينات وتراجع الوزن الانتخابي للحزب، غادر الشابي الحزب الجمهوري لاحقا، منهيا بذلك تجربة سياسية أراد لها أن تكون امتدادا وتطويرا للحزب الديمقراطي التقدمي. بعد خيبة انتخابات 2014 عاد الشابي إلى البحث عن تجميع الوسطيين ضمن أطر سياسية جديدة، ليعلن سنة 2017 عن تأسيس الحركة الديمقراطية قبل أن تنصهر مع حزب الامل سنة 2020 ويعود الشابي للظهور السياسي بعد انقلاب 25 جويلية 2021 ضمن جبهة الخلاص الوطني المعارضة.

جبهة الخلاص الوطني.. العودة إلى ”المربع الأول“ للمقاومة

ما أسماه الرئيس سعيّد ”تدابيرا استثنائية“ يوم 25 جويلية 2021، اعتبرها نجيب الشابي منذ اللحظة الأولى ”انقلابا مكتمل الأركان“ على الدستور والشرعية، ليعود الرجل إلى موقعه الطبيعي الذي خبره طوال خمسة عقود: ”المعارض الشرس“. لم ينتظر الشابي ”وضوح الرؤية“ كما فعل الكثيرون، بل نزل إلى الشارع منددا بتفكيك مؤسسات الدولة وضرب استقلال القضاء وتكميم الأفواه.

كان تأسيس ”جبهة الخلاص الوطني“ في ماي 2022 محاولة لاستنساخ تجربة ”18 أكتوبر“ في سياق أكثر تعقيدا وخطورة. الشابي أدرك أن السلطة الجديدة لا تستهدف حزبا بعينه، بل تستهدف ”السياسة“ كفعل حرّ. لذلك، لم يتردّد في التحالف مجددا مع حركة النهضة وقوى سياسية أخرى، مؤكدا أن ”الأولوية المطلقة هي استعادة الديمقراطية“.

لكن السياق لم يعد هو نفسه. ففي حين جاءت ”هيئة 18 أكتوبر“ في لحظة صعود مجتمعي للسياسة، وُلدت ”جبهة الخلاص“ في سياق عزوف واسع عن الأحزاب والنخب التقليدية. ولذلك لم تنجح في تجاوز حدود المعارضة الكلاسيكية أو في تقديم مشروع جديد قادر على استعادة ثقة قطاعات واسعة من التونسيين. وبدا أحيانا أن الشابي يكرر الرهان نفسه على التوافقات السياسية في لحظة كان المزاج العام يتجه فيها نحو القطيعة مع الطبقة السياسية بأكملها.

هذه المحطة كشفت عن صلابة الرجل في الدفاع عن قناعاته، لكنها كشفت أيضا حدود الأدوات السياسية التي اعتمدها طوال مسيرته، في ظل مشهد سياسي واجتماعي تغيّر جذريا مقارنة بما كان عليه قبل عقدين أو ثلاثة عقود.

مارس 2023 تونس – أحمد نجيب الشابي أثناء قيادته لإحدى المسيرات الاحتجاجية لجبهة الخلاص الوطني – الصفحة الرسمية لجبهة الخلاص

قضية ”التآمر“.. حين يتحول القضاء إلى ”مقصلة“ سياسية

وصلت المظلمة ذروتها في ديسمبر 2025، عندما تم إيقاف أحمد نجيب الشابي لتنفيذ حكم استئنافي نهائي بالسجن لمدة 12 سنة مع خمس سنوات مراقبة إدارية، في إطار ما عرف بقضية ”التآمر على أمن الدولة 1“. وكانت الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس قد أصدرت فجر 28 نوفمبر 2025 أحكاما ثقيلة تراوحت بين 5 و45 سنة سجنا ضد عشرات السياسيين والمحامين والناشطين، في واحدة من أكبر القضايا السياسية التي عرفتها تونس منذ الثورة. وقد خُفّض الحكم الصادر ابتدائيا ضد الشابي من 18 سنة إلى 12 سنة، لكن ذلك لم يغير من رمزية القضية ولا من تداعياتها السياسية.

قبل أيام قليلة من إيقافه، بدا الشابي وكأنه يستشعر اقتراب المشهد الذي عاشه مرارا في مراحل مختلفة من حياته. ففي مداخلة إعلامية يوم 2 ديسمبر 2025، أعلن مقاطعته للمحاكمة واعتبر أن ”القضاة أصبحوا موظفين لدى السلطة“، مؤكدا أن قوات الأمن كانت تحاصر منزله وأنه يتوقع اعتقاله في أي لحظة لتنفيذ الحكم الصادر ضده. لم يكن يتحدث حينها بصفته متهما يدافع عن نفسه فحسب، بل بصفته معارضا مخضرما يرى في القضية عنوانا لمرحلة سياسية كاملة.

وفي صباح 4 ديسمبر، وصلت قوات البوليس إلى منزله واقتادته لتنفيذ الحكم. لحظات وثّت اعتقال رجل تجاوز الثمانين من العمر، قضى منها أكثر من نصف قرن في معارضة الأنظمة المتعاقبة. وأعلنت ابنته المحامية هيفاء الشابي أن والدها أُوقف ونُقل إلى السجن مع احتفاظه بحق الاعتراض على الحكم، موضحة أن الطعن في مثل هذه القضايا لا يوقف التنفيذ، وهو ما جعل الإيقاف فوريا رغم الإجراءات القانونية اللاحقة.

لم يكن الشابي وحده في قلب هذا الملف. فالقضية شملت عشرات المعارضين والسياسيين ورجال الأعمال والمحامين، وأدت أيضا إلى إيقاف شخصيات أخرى من بينها شيماء عيسى والعياشي الهمامي، فيما اعتبرته منظمات حقوقية وهيئة الدفاع حملة واسعة استهدفت أبرز الأصوات المعارضة للرئيس قيس سعيّد. أما السلطة، فقد تمسكت بروايتها القائلة إن الأمر يتعلق بملف قضائي وأمني لا سياسي، وبضرورة تطبيق القانون وحماية أمن الدولة.

لكن الجدل الحقيقي لم يكن حول الأحكام فقط، بل حول طبيعة القضية نفسها. فهيئة الدفاع عن المتهمين ظلت تؤكد، طوال أشهر المحاكمة، أن الملف لا يقوم على وقائع مادية تتعلق بتدبير انقلاب أو تكوين تنظيم سري أو التخطيط لاستعمال القوة، بل يستند أساسا إلى اجتماعات سياسية واتصالات ولقاءات مع دبلوماسيين أجانب وتصريحات إعلامية ونشاط حزبي معارض. ولذلك اعتبر محامو الدفاع أن القضية تمثل انتقالا خطيرا من تجريم الأفعال إلى تجريم المواقف السياسية ذاتها.

وقد كان لافتا أن القضية أثارت انتقادات واسعة داخل تونس وخارجها، خصوصا بعد أن طالت شخصيات تنتمي إلى خلفيات فكرية وسياسية متباينة يجمع بينها فقط موقعها المعارض للسلطة. وبدا الملف تتويجا لمسار طويل من التوتر بين السلطة التنفيذية وجزء واسع من الطبقة السياسية منذ 25 جويلية 2021.

ولم تتوقف فصول القضية عند لحظة الاعتقال. ففي أواخر ديسمبر 2025، رفضت محكمة الاستئناف الاعتراض الذي تقدم به الشابي شكلا، ليتكرس الحكم الصادر في حقه ويصبح نافذا بصورة نهائية. وهكذا وجد الرجل الذي دخل السجون أول مرة في عهد بورقيبة، وعارض بن علي لعقود، نفسه في العقد التاسع من عمره يعود مجددا إلى الزنزانة، في مشهد يحمل من الرمزية بقدر ما يحمل من المأساة.

إن الحكم على أحمد نجيب الشابي بـ 12 عاما سجنا لا يمكن اختزاله في مجرد عقوبة قضائية. فهو يطال شخصية ارتبط اسمها بتاريخ المعارضة التونسية الحديثة، ويعيد إلى الواجهة أسئلة أعمق حول حدود العمل السياسي واستقلال القضاء ومستقبل التعددية في البلاد. فبغض النظر عن الموقف من الرجل أو من خياراته السياسية، فإن صورة معارض تجاوز الثمانين يُقتاد إلى السجن في قضية تصفها السلطة بأنها ”تآمر“ ويصفها أنصاره بأنها ”محاكمة سياسية“، ستبقى إحدى أكثر الصور كثافة في تلخيص اللحظة التونسية الراهنة: لحظة تتقاطع فيها أزمة السلطة مع أزمة المعارضة، ويتحول فيها القضاء من مؤسسة للفصل في النزاعات إلى ساحة مركزية للصراع السياسي نفسه.

الشابي نموذجا للنخبة التونسية المأزومة

لماذا فشل أحمد نجيب الشابي في الوصول إلى السلطة ونجح في أن يكون أحد أبرز رموز المعارضة؟ تتطلّب الإجابة عن هذا السؤال قراءة أعمق من السرد البطولي أو الإدانة السهلة.

فالشابي يمثل بالفعل صورة ”المثقف السياسي“ الذي آمن بقوة الفكرة وعقلانية الفعل. لكنه يمثل أيضا حدود هذا النموذج في مجتمع سياسي تحكمه أحيانا اعتبارات الهوية والانتماء والشعبوية أكثر مما تحكمه البرامج والتصورات الفكرية.

سياسيا، لا يمكن تفسير مسار نجيب الشابي فقط من زاوية النزاهة أو المبدئية. فالرجل دفع أيضا ثمن خيارات سياسية لم تكن دائما موفقة، وثمن رهان طويل على النخب والتوافقات أكثر من رهانه على بناء قاعدة اجتماعية واسعة. وربما تكمن مفارقته الكبرى في أنه نجح في صناعة تأثير رمزي وأخلاقي كبير، لكنه أخفق في تحويل هذا الرصيد إلى قوة سياسية قادرة على الوصول إلى الحكم.

ديسمبر 2025 تونس – مظاهرة رفضا للاستبداد وتجريم المعارضة، تظهر فيها لافتة لأحمد نجيب الشابي بعد إيداعه السجن رفقة عدد من نشطاء العمل المدني والسياسي – صور نواة. علاء العقربي

إن مسيرة الشابي تعكس أيضا أزمة ”الوسط الديمقراطي“ في تونس، الذي ظل مشتتا بين الزعاماتية المفرطة والحسابات الصغيرة، مما تركه لقمة سائغة للاستقطاب. كان الشابي، رغم مكانته التاريخية، جزءا من هذه الأزمة بقدر ما كان شاهدا عليها. إذ لم تقتصر الانتقادات الموجهة إليه على خياراته السياسية الكبرى. فقد واجه داخل حزبه وفي محيطه الديمقراطي انتقادات تتعلق بطريقة إدارة التنظيم وبهيمنة القيادة التاريخية على القرار الحزبي. ورأى بعض رفاقه السابقين أن الأحزاب التي قادها ظلت مرتبطة بشخصه أكثر مما ارتبطت بمؤسسات قادرة على إنتاج قيادات جديدة، وهو ما ساهم في إضعافها تدريجيا كلما تراجع الحضور الشخصي لزعيمها التاريخي.

قد لا يذكره التاريخ كرئيس أو كزعيم جماهيري غيّر موازين القوى، لكنه سيذكره بلا شك كأحد الوجوه الأساسية التي ساهمت في ترسيخ ثقافة الحقوق والحريات في تونس الحديثة، وكسياسي ظل حاضرا في معارك المجال العام لأكثر من نصف قرن. لذلك لا يمكن قراءة أحمد نجيب الشابي فقط باعتباره شخصية سياسية، بل باعتباره مرآة تعكس نصف قرن من تاريخ تونس الحديث بكل انتصاراته وانكساراته ومآزقه المفتوحة.


[1] كتاب المسيرة والمسار: ما جرى وما أرى – أحمد نجيب الشابي – جمعية نشاز