في السياسة، لا تكفي العودة إلى المشهد كي يصبح العائد بديلا. فالبلاد التي خرجت سنة 2011 وهي تحمل إرثا ثقيلا من الاستبداد، ثم دخلت بعد 25 جويلية 2021 طورا سلطويا وشعبويا أعاد تعريف الدولة والحكم والمعارضة، لا تنظر إلى المرشحين باعتبارهم أسماء منفصلة عن تاريخهم. كل اسم يأتي محمّلا بماض، وكل وعد بالديمقراطية يصطدم بسؤال محوري: أين كان صاحبه حين كانت الديمقراطية مغيّبة؟
منذر الزنايدي هو أحد أكثر الأسماء تعبيرا عن هذه المفارقة. وزير سابق تولى حقائب متتالية في عهد بن علي، وكان عضوا في اللجنة المركزية للتجمع الدستوري الديمقراطي، ثم مرشحا رئاسيا لم يكد يبلغ في انتخابات 2014 عتبة الواحد في المائة، قبل أن يعود بعد عقد ليقدم نفسه بديلا عن قيس سعيد، مدافعا عن الدولة والمؤسسات والحريات. بعد عقد من الزمن، اختار أن يعود إلى الساحة في مارس 2024، مخاطبا الرئيس برسالة مفتوحة، كان من أبرز عناوينها أن «الفساد لا يحارب بالاستبداد»، داعيا إلى حرية التعبير واستقلال القضاء والإعلام.
هنا تحديدا تبدأ قصة الزنايدي. ليس من سؤال ما إذا كان كفؤا أو حسن الخطاب، وإنما من المفارقة الكامنة بين رجل كان جزءا من دولة الاستبداد وسياسي يريد أن يقدم نفسه بديلا ديمقراطيا لمن يراه امتدادا جديدا لمنطق الحكم الفردي. هنا، هو لا يدخل السباق من موقع المعارض التاريخي، مثل أحمد نجيب الشابي، ولا من موقع الخصم الإيديولوجي لقيس سعيد، بل من موقع أكثر التباسا: ”رجل الدولة“ الذي يعيد اكتشاف الديمقراطية بعد أن عاش طويلا كقيادي صلب أجهزة دولة استبدادية.

قوة الزنايدي السياسية، بالنسبة إلى أنصاره، تأتي تحديدا من هذا الإرث. فهو ”يعرف الإدارة“ ودهاليز الحكم، ويحمل صورة وزير هادئ لم ترتبط به-في الذاكرة العامة-الصورة الوحشية لنظام بن علي. لكن ضعفه يأتي من المصدر نفسه: كيف يمكن لمن كان وزيرا طيلة سنوات بن علي أن يطلب من التونسيين تصديقه حين يتحدّث عن الحريّات؟ وهل يكفي أن ينتقد استبداد سعيّد كي يصبح ديمقراطيا؟
القضية هنا ليست محاكمة للنوايا، كما أنها ليست دعوة إلى تطهير سياسي. العمل داخل دولة سلطوية لا يلغي تلقائيا حق صاحبه في التغيّر والمراجعة والمشاركة السياسية. لكن الانتقال من موقع الحاكم إلى موقع المعارض لا يصبح ذا معنى إلا إذا صاحبه انتقال في تصوّر السلطة نفسها: من اعتبار الدولة جهازا للإنجاز والضبط إلى اعتبارها عقدا قانونيا يحدّ من جموح الحاكم ويحمي المواطن.
سيرة ”ابن الدولة الحديثة“
لا يمكن فهم تاريخ الزنايدي انطلاقا من سنة 1994، حين بدأ في التدرّج صلب المسؤوليات الكبرى، بل من السؤال عن السياق والخيارات التي شكّلت النخبة التونسية بعد الاستقلال: كيف تبني دولة حديثة في مجتمع خرج لتوه من الاحتلال؟
اختار بورقيبة أن يجعل الدولة أداة التحديث الكبرى. جرى توسيع الإدارة وتوحيد التعليم والقانون وإضعاف البنى الاجتماعية التقليدية. لكن هذا المشروع حمل منذ بدايته تناقضه الخاصّ: الدولة الحديثة لم تُبن بالتوازي مع فسح المجال أمام تعدّدية سياسية حقيقيّة، بل عبر الحزب-الدولة الذي جمع بين المجتمع والسلطة. كان الحزب الدستوري الجديد، ثم الاشتراكي الدستوري، مدرسة للنخب وممرّا إلى الوظيفة العمومية، وفي الوقت نفسه أداة لإخضاع المجال السياسي.
حين وصل بن علي إلى السلطة في 7 نوفمبر 1987، لم يهدم هذا البناء بل أعاد هندسته. غيّر اسم الحزب إلى التجمع الدستوري الديمقراطي ووعد بالتعدديّة والانفتاح، لكنه أبقى مركز القرار في قرطاج وحوّل الحزب إلى شبكة واسعة من أدوات الوساطة والضبط والتمثيل. لم تعد السلطوية تعتمد فقط على شخص الرئيس أو الجهاز الأمني، بل أصبحت تحتاج إلى وزراء ومديرين ونواب وولاة ومسؤولي شعب مهنية، أي إلى نخبة تجعل النظام قادرا على تسيير البلاد في مختلف تفاصيلها اليومية.
داخل هذه النقلة تحديدا ينبغي وضع الزنايدي. فبن علي لم يرث دولة خواء، بل ورث جهازا مركزيا قويا من الجمهورية البورقيبية، ثم أعاد توجيهه من مشروع تعبئة وطنية تقوده الدولة إلى نظام يتركّز فيه القرار بيد الرئاسة. لم يكن التجمّع مجرد حزب يشارك في الحكم، بل كان آلية لتذويب المجتمع داخل الدولة: يمنح التعيين والتمثيل والامتياز ويطلب في المقابل الولاء والانضباط.
ولد محمد المنذر الزنايدي في تونس في 24 أكتوبر 1950، وتلقى تعليمه الثانوي في الصادقية قبل أن ينتقل إلى فرنسا. ليتخرّج مهندسا من المدرسة المركزية بباريس سنة 1973، ثم من المدرسة الوطنية للإدارة سنة 1976. وفي العام نفسه بدأ مساره في وزارة الاقتصاد الوطني، قبل أن ينتقل إلى مواقع عليا في الإدارة والقطاع العمومي. تولى بين 1978 و1981 خطة مدير عام مساعد للديوان الوطني للسياحة، ثم أصبح مدير ديوان وزير الاقتصاد المكلف بالصناعة، وفي 1983 عين رئيسا مديرا عاما للديوان التونسي للتجارة.
لكن هذه السيرة لا تستقيم إذا قرئت كقائمة مناصب. إذ تكمن أهميّتها في كونها تكشف نوع الدولة التي صعد صلب هياكلها وأجهزتها الرجل: دولة جعلت من الإدارة مدرسة للنخب ومن الحزب واجهة للتعبئة ومن الانتخابات طقسا لإثبات الإجماع أكثر منها مناسبة للتداول على السلطة. لذلك فإن كل محطة في مساره تحمل معنى يتجاوز صاحبها؛ فهو يتحرك داخل تاريخ بناء الدولة التونسية، ثم داخل تاريخ تحويلها إلى جهاز سلطوي، قبل أن يعود اليوم ليقترح نفسه علاجا لسلطوية جديدة.
مع صعود بن علي، انتقل الزنايدي تدريجيا من الإدارة إلى السياسة. كان كاتب دولة مكلفا بالصناعة بين 1987 و1988 ثم نائبا منذ 1989، ونائبا لرئيس مجلس النواب بين 1991 و1994. وفي جويلية 1993 انتخب عضوا في اللجنة المركزية للتجمع. ثم بدأ في 30 ماي 1994 مساره الوزاري الذي امتد طيلة 17 عاما: وزيرا للنقل ثم للتجارة في 1996، فالسياحة والصناعات التقليدية في 2001، ثم عاد إلى التجارة سنة 2004، قبل أن يعين وزيرا للصحة العمومية في سبتمبر 2007، وظل في هذا المنصب إلى غاية سقوط النظام في 14 جانفي 2011.

لا يمكن اختزال سبعة عشر عاما على رأس عدّة وزارات في كفاءته المهنية والتقنية، كما لا يمكن اختزالها في تهمة سياسية. لقد كان الزنايدي جزءا من آلية حكم بن علي، وهي آلية لم تكن تعتمد على أجهزة القمع وحدها بل على شبكة من الوزراء والمديرين والنواب والحزب والإدارة والواجهات المهنية. كانت الدولة تعمل داخل فضاء مغلق، وكانت آليات تسيير الإدارة نفسها أحد الأشكال التي أخفت بها السلطة غياب التعددية والمساءلة.
وهنا تكمن أهمية النظر إلى الزنايدي باعتباره أحد نماذج ”رجل الدولة“ في عهد بن علي. فالنظام لم يكن يحتاج فقط إلى مخلصين أيديولوجيا ومتملّقين، بل إلى إداريين قادرين على إدارة المصالح الجهوية والاقتصادية والدبلوماسية، وإلى وزراء يمكن تقديمهم باعتبارهم خبراء أكثر منهم سياسيين صداميّين. في هذه الحالة، يلعب الوزير أو المسؤول دوره السياسي بطريقة أخرى. فغياب الخطاب الحزبي الصاخب لا يعني غياب الوظيفة السلطوية، بل قد يعني أن السلطة تُمارس عبر الخبرة والتراتبيّة والقرار الإداري.
وهنا تظهر أحد عناصر جاذبيته السياسية. فالزنايدي يقدم نفسه كوجه من وجوه الإدارة، لا كوجه من وجوه الصراع. لم يكن من أكثر الوزراء صخبا، ولم ترتبط صورته بالمعارك السياسية والأمنية الكبرى. هذا الهدوء ساعده بعد 2011 على الظهور كأن ماضيه قابل للفصل عن النظام الذي خدمه، وكأن الكفاءة الشخصية تستطيع أن تكون طوق نجاة من مسؤولية البنية التي احتضنتها.
لكن الثورة لا تسقط رأس النظام وحده، بل تسائل كل من شارك في إدارة المرحلة بدرجات مختلفة. وهذا ما يجعل تجربة الزنايدي أكثر تعقيدا من مجرّد وصفه ”بالوزير السابق في عهد بن علي“. إنه أحد التعبيرات الأوضح عن دولة حاولت أن تبدو حديثة وفعّالة ومنظّمة، بينما كانت بُنيتها السياسية تقوم على تركيز السلطة وإفراغ التعدديّة من مضمونها. ولذلك فإنّ السؤال ليس فقط ماذا فعل الزنايدي داخل تلك الدولة، وإنما ماذا كان يعني أن يكون رجلا ناجحا داخلها.
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين كثيرا ما يختلطان عند الحديث عن رجال النظام السابق. الأول هو المسؤولية الجنائية عن فعل محدّد، وهي لا تثبت بالانتماء السياسي وحده، وإنما تحتاج إلى قضاء وأدلة. والثاني هو المسؤولية السياسية، أي مسؤولية المشاركة في جهاز كان يوزع السلطة بلا رقابة كافية ويحول الحزب إلى امتداد للإدارة. المستوى الثاني لا يعني اتهام الزنايدي بكل انتهاكات العهد السابق، لكنه يمنع أيضا تحويل كلمة ”تكنوقراط“ إلى ممحاة للتاريخ.
بعد 14 جانفي 2011: بين المنفى والانتخابات وقباب المحاكم
بعد سقوط بن علي، بقي الزنايدي أسابيع في تونس قبل أن يغادر إلى باريس، ليتوارى عن المشهد بعد الثورة، تزامنا مع فتح العديد من الملفات القضائية التي طالت عددا من مسؤولي النظام السابق ومن ضمنها شخصه بعد أن وُجهت تهم ضدّه حول شبهة فساد مالي مُتعلّق بخوصصة إحدى شركات النقل، بناء على معطيات وردت في تقرير اللجنة الوطنية لتقصّي الحقائق حول الرشوة والفساد (لجنة عبد الفتاح عمر).
كان الصمت، في هذا السياق، جزءا من رأسماله السياسي، لكنه كان أيضا مصدر شك. ففي بلد يُعيد بناء سرديته عن الماضي، اختار الزنايدي ألا يخوض مواجهة علنية واسعة مع النظام السابق وألا يقدم مراجعة سياسية شاملة لمسؤوليته أو لمسؤولية التجمّع. ليبقى في منطقة رمادية: لا يدافع صراحة عن بن علي، لكنه لا يقطع معه سياسيا بصورة حاسمة.
في انتخابات 2014 حاول العودة إلى الواجهة عبر الانتخابات الرئاسية، وكانت النتيجة قاسية: 24,160 صوتا، أي 0.74 في المائة من الأصوات، ليدعم في الدور الثاني الباجي قائد السبسي، الذي فاز بالرئاسة.
مع ذلك، لم تكن هزيمة 2014 نهاية القصة. ظل اسم الزنايدي متداولا في دوائر سياسية وإعلامية مختلفة، وطرح اسمه في 2019 لقيادة نداء تونس، قبل أن ينفي ذلك ويغادر إلى باريس. هذه العودة المتقطعة تفصح عن شخصيته السياسية: رجل لا يتعجل الظهور، لكنه لا يغلق الباب أمام احتمال العودة.
إنّ الإرث السياسي للزنايدي لم يكن مشكلته الوحيدة. إذ مثّلت القضايا التي لاحقته بعد سقوط نظام بن علي والتي تشكّلت إثر ”تجرّأه“ على منافسة سعيّد كابوسا آخر ما تزال ارتداداته ماثلة حتى هذه اللحظة. ففي مارس 2024، وعقب إعلانه عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية في أكتوبر 2024، أُحيل الزنايدي غيابيا على القضية السابقة التي تعود لسنة 2011. ثم استبعدت هيئة الانتخابات الزنايدي من السباق الانتخابي، شأنه شأن جلّ المرشحين المنافسين لسعيّد بتعلات مختلفة، فطعن في ذلك أمام المحكمة الإدارية التي قضت بإعادته إلى السباق هو وعبد اللطيف المكي وعماد الدايمي. لكن الانتصار القضائي لم يُنفّذ. فقد اقتصرت القائمة النهائية على ثلاثة مرشحين وهم قيس سعيد والعياشي زمال وزهير المغزاوي، بينما بقي الزنايدي خارج السباق. في الأثناء، تصاعدت الملاحقات القانونية ضدّه عقب فتح النيابة العمومية بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب بحثا ضده مع إدراجه بالتفتيش، على خلفية نشر مقاطع فيديو في صفحة تحمل اسمه على شبكات التواصل الاجتماعي”تتضمن تحريضا على العصيان ضد النظام القائم بالدولة ومؤسساتها ورئيسها“. وأصدر قضاة التحقيق في القطب القضائي لمكافحة الإرهاب بطاقة جلب دولية في حق الزنايدي في أكتوبر 2024 أياما قبل الانتخابات. واستمرارا للمسار القضائي، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية في تونس في 19 ديسمبر 2025 حكما غيابيا بسجن الزنايدي لمدة 19 سنة مع إخضاعه للمراقبة الإدارية لمدة خمس سنوات لإدانته بـ ”جرائم ذات صبغة إرهابية“ رفقة عشرات من المعارضين السياسيّين.

رسالة 2024: حين يتدثّر رجل المنظومة بعباءة الديمقراطية
كانت العودة السياسية الأكثر وضوحا وجلبة لمنذر الزنايدي في 20 مارس 2024، عبر رسالة مفتوحة إلى قيس سعيد بمناسبة عيد الاستقلال. لم يتضمن الخطاب إعلان ترشّح صريح، لكنه كان أكثر من نقد عابر. لقد صاغ الزنايدي رسالة تشبه بيانا رئاسيا مضادا: ”دولة تحترم مؤسساتها، رئيس يقبل الرأي الآخر، قضاء مستقل، إعلام حر، وإدارة لا تُهان كلما أراد الرئيس تحميلها فشله“.
استهل هذا الأخير رسالته باستدعاء لغة ”رجال الدولة“: ”أتوجه إليك بكل ما تقتضيه أخلاقيات رجال الدولة وقواعد اللياقة“. وهذه البداية تكشف جانبا أساسيا من شخصيته السياسية. فهو لا يواجه سعيّد من خارج قاموس الدولة بل من داخله ليقول إن الرئيس أفسد معناها، واضعا نفسه في موقع من تربّى على هيبة الدولة، ”ليتفاجأ“ من أن سعيّد حول الهيبة إلى خوف والانضباط إلى طاعة عمياء والمساءلة إلى إذلال. وحين يقول: ”لا تكن رئيس الحقيقة المطلقة والاستبداد بالرأي… وكن رئيس المشورة والضامن لحرية التعبير واستقلال القضاء ووسائل الإعلام“، فإنه ينتقل من نقد أسلوب الحكم إلى الطعن في جوهره. ثم يذهب أبعد حين أشار إلى أنّ ”الفساد لا يحارب بالاستبداد“ وأنّ احتكار السلطة وفسادها مثل احتكار المال وفساده: وجهان لعملة واحدة. هذه الجملة هي قلب خطابه الجديد، فهي تضرب الحجة التي بنى عليها سعيد جزءا من شرعيته القائمة على محاربة الفاسدين باسم الشعب. يرد الزنايدي بأن مكافحة الفساد لا تمنح الرئيس رخصة لتعطيل القانون أو احتكار القرار أو تحويل القضاء إلى أداة إقصاء.
في الذكرى الثالثة لقرار قيس سعيد ترهيب القضاة بعزل 57 قاضيا دفعة واحدة بناء على تقارير بوليسية، أعلنت جمعية القضاة التونسيين في 02 جوان الجاري تأجيل مؤتمرها الصحفي بعد تراجع النزل عن استضافتها. حدث مفصلي مثّل منعرجا حاسما في مسار تركيع القضاء وتطويعه ليكون وسيلة في خدمة سلطة 25 جويلية وبداية لأحكام طويلة في حق معارضات ومعارضي النظام.
لكن الرسالة، في المقابل، لا تقطع مع منظومة الدولة القديمة بقدر ما تعيد ترتيبها. فالزنايدي لا يتحدث كثيرا بمعجم الثورة أو العدالة الانتقالية أو تفكيك شبكات النفوذ، بل يتحدث عن ”رجل الدولة“ الذي لا يهين الموظفين وعن الإدارة التي تستعيد كرامتها وعن الوحدة الوطنية التي تحل محلّ الشعبوية. بمعنى آخر؛ إنه يريد استعادة الدولة من سعيد أكثر مما يريد إعادة تأسيسها من منطلقات شعارات 17 ديسمبر – 14 جانفي.
هذه العودة لم تكن مجرد طموح فردي، بل استندت إلى لحظة سياسية محددة: أحزاب تقليدية منهكة، معارضة مقموعة أو سجينة، جمهور محبط من عقد الانتقال الديمقراطي ورئيس يحتكر تعريف الدولة والشعب والمؤامرة. في مثل هذه اللحظة يصبح ”رجل الدولة“ عرضا سياسيا بحد ذاته. ليس لأنه يملك تنظيما جماهيريا واضحا بل لأنه يقدم نفسه كعلاج للفوضى والارتجال، وصيغة وسطى بين الاستبداد الرئاسوي والخصومة الحزبية.
لكن هذا العرض يحمل تناقضا مركزيا. فالزنايدي يريد أن يستفيد من الحنين إلى الدولة، من دون أن يرث عيوب الدولة التي صنعها بن علي ليمرّر خطابا يستسيغه في نفس الوقت الغاضبون من حكم سعيد والناقمون على مرحلة ما بعد الثورة وبعض القواعد الدستورية وحتى جزء من المعارضة. انتخابيا، قد يكون هذا الائتلاف ممكنا. أما فكريا، فهو أكثر صعوبة: كيف يمكن الجمع بين الحنين إلى نظام الدولة القديمة والوعد بديمقراطية جديدة لم تتضح معالمها بعد؟
الصراع مع عبير موسي: حرب على الاسم والذاكرة
لا يمكن فهم موقع الزنايدي داخل العائلة الدستورية من دون التوقف عند عبير موسي، حتى وإن لم يدخلا في سجال شخصي بالقدر الذي يوحي به التداول السياسي. فالصراع الأهم يتعلّق بمن يملك حق تمثيل العائلة الدستورية وتأويل إرث التجمع.
اختارت موسي منذ تأسيس الحزب الدستوري الحر أن تجعل من الذاكرة الدستورية منصة سياسية مباشرة. لم تكتف بالدفاع عن بورقيبة ومهاجمة النهضة، بل قدمت نفسها كحارسة لهوية سياسية ترى في الإسلاميين خصما تاريخيا وتنظر إلى الثورة باعتبارها لحظة فتحت الباب أمام ما تعتبره عقدا من الفوضى والانهيار.
أمّا منذر الزنايدي فيختلف عنها في الأسلوب أكثر مما يختلف معها في نقطة الانطلاق التاريخية. فموسي تستعيد الماضي بصوت عال وبخطاب صدامي ومعارك مباشرة داخل البرلمان والشارع. أما الزنايدي فيعيد تقديمه من خلال صورة أكثر نعومة: رجل دولة ووزير سابق وصاحب خبرة. هي تريد تعبئة الذاكرة؛ وهو يريد أن يرثها عبر خطاب أكثر ”رصانة“.
إنّ هذا الصراع الرمزي يعكس الانقسام صلب ذاكرة الدستوريين: ذاكرة صاخبة تريد استعادة الماضي بلغة مباشرة، وذاكرة أكثر نعومة تريد إعادة تقديمه بوصفه عهد النظام والرفاه. الأولى تملك الصدام والثانية تملك ”الرصانة“. الأولى ترفع راية الهوية والثانية ترفع راية الكفاءة. لكن كليهما يواجه السؤال نفسه: كيف يمكن أن يصبح إرث التجمع، الذي صهر الدولة في الحزب، أساسا لبناء الديمقراطية؟
لكنّ الصراع على هذا الإرث أقدم من موسي والزنايدي. فبعد 2011، لم يكن الخلاف فقط حول ما إذا كان التجمع مذنبا أو بريئا، بل حول ما إذا كانت ”الفكرة الدستورية“-إن صحّ التعبير- ملكا لحزب منحل أم إرثا وطنيا أوسع. وقد فتحت كل محاولة لإبعاد رموز النظام السابق عن السياسة سؤالا آخر حول من يملك حق تمثيل هذا الإرث وإعادة صياغته.
بهذا المعنى، لا تنافس موسي الزنايدي على الرئاسة فقط، بل تنافسه أيضا على حق تأويل الماضي. فبالنسبة لها ترتبط استعادة الدولة باستعادة سرديتها الصلبة بينما يسعى الثاني لإنتاج خطاب يستعيد الدولة بقفازات أنعم دون أن يحيد عن مفهومها ”الدستوري“. لهذا، فإنّ الاختلاف في الأسلوب لا يلغي اشتراكهما في مخاطبة كتلة رمزية واحدة: أبناء الإدارة وجزء من النخب الدستورية من أنصار النظام السابق والناخبون الذين لا يحنون بالضرورة إلى القمع لكنهم يحنّون إلى شكل من ”النظام والرفاه“ الذين يتصورون أنه كان قائما قبل الثورة.
إنّ الزنايدي الذي يحتاج إلى القواعد التي تخاطبها موسي، لا يريد أن يتبنّى كامل خطابها. فهو يحتاج إلى الحنين إلى دولة قوية، لكنه يريد التخلص من الصدامية والعداء الشامل للخصوم. يحتاج إلى الدستوريين، لكنه يريد أيضا أصواتا من خارج هذه الدائرة. لذلك فهو يقدم نفسه جسرا بين ثلاثة أزمنة؛ ينأى بنفسه عن وعود بالعودة إلى حقبة بن علي، ولا يتبنى شعارات الثورة وسقفها العالي ويهاجم حقبة الشعبوية والعبث في عهد سعيّد.
هل الديمقراطية عقيدة أم أداة؟
لا تكمن المشكلة الأعمق في عودة الزنايدي كونه كان وزيرا في عهد بن علي. فالديمقراطيات التي تخرج من السلطوية لا يمكنها أن تبني مستقبلها بمنطق التطهير السياسي الأعمى ولا أن تفترض أن كل من عمل داخل الدولة القديمة فقد الأهلية السياسية إلى الأبد. الدولة لا تبدأ من الصفر بعد سقوط نظام. لكن هذا لا يعني في المقابل، أن الماضي يصبح تفصيلا قابلا للتجاوز. الفارق الحاسم هو بين من يعود إلى المجال العام باعتباره امتدادا طبيعيا لمساره السابق، ومن يعود إليه بعد مراجعة سياسية وأخلاقية واضحة لذلك المسار. هنا تحديدا تبدو نقطة الضعف في خطاب الزنايدي. ليست المشكلة في غياب اعتذار رمزي، وإنما في غياب مساءلة سياسية جدية لما كان يعنيه أن يكون جزءا من منظومة دولة تقوم على تركيز السلطة وتقييد الحريات وإخضاع المجال العام لرقابة البوليس والحزب والإدارة.
إنّ الديمقراطية لا تبدأ يوم يعلن السياسي معارضته لقيس سعيد، بل تبدأ عندما يعيد تعريف علاقته بالسلطة نفسها. ومن السهل، في السياق الحالي، أن يبدو الزنايدي ديمقراطيا لأنه يرفض المسار السلطوي ويدافع عن استقلال القضاء وينتقد احتكار القرار ويتحدث عن دولة القانون. لكن الاختبار الحقيقي أكثر صعوبة عندما يُسأل عن الدولة التي كان أحد كبار مسؤوليها عندما كانت المؤسسات موجودة شكلا ومفرغة جزئيا من مضمونها، وعن ماذا تغير في فهمه للسلطة منذ ذلك الوقت وهل أصبح دفاعه اليوم عن المؤسسات نتيجة مراجعة فكرية وسياسية، أم مجرد اختلاف في إدارة الدولة وفي الشخص الذي يحتل مركز القرار؟ السؤال، في النهاية، ليس بحثا عن تحميل الذنب لشخص، ولا محاولة لإعادة محاكمة مرحلة كاملة من خلال فرد واحد. إنه سؤال سياسي أكثر جوهرية: هل تغيرت نظرته إلى الدولة، أم تغير فقط موقعه داخلها؟
وتزداد أهمية السؤال لأن الزنايدي يقدم نفسه إلى حد بعيد كبديل عن الفوضى والارتجال والتوتر. وهذه عناصر يمكن أن تمنحه أفضلية في لحظة يزداد فيها الطلب الاجتماعي على الاستقرار والكفاءة. لكن ”رجل الدولة“ ليس بالضرورة ”رجل الديمقراطية“. إذ يمكن لدولة شديدة الانضباط أن تكون شديدة السلطوية أيضا. لذلك فإن استعادة مفهوم ”هيبة الدولة“ لا يصبح مشروعا ديمقراطيا إلا إذا اقترن بتحديد واضح لحدود تلك الهيبة وللجهة التي تخضع لها وللحقوق التي لا يجوز للدولة تجاوزها.
من هذه الزاوية، لا يكفي أن يكون الزنايدي نقيضا لسعيد في الأسلوب أو في إدارة الحكم. الفرق بين الرجلين واضح في اللغة السياسية وفي تصوّر العلاقة بين الرئيس والمؤسسات: الزنايدي أقرب إلى دولة مركزية قوية تشتغل عبر الإدارة والمؤسسات والخبرة، بينما بنى سعيد جزءا كبيرا من شرعيته على تفكيك الوسائط والحديث المباشر باسم الشعب، قبل أن ينتهي ذلك إلى تركيز واسع للسلطات في قصر الرئاسة.
لكن الديمقراطية لا تقاس فقط بنوع الرجل الذي يجلس في قرطاج، ولا بدرجة ”أناقته“ السياسية أو معرفته بملفات الدولة، وإنما بطبيعة النظام الذي يمنعه من تحويل موقعه إلى سلطة مطلقة. الرئيس الديمقراطي ليس ”رئيسا جيدا“ فحسب، بل هو رئيس تلجمه مؤسسات أقوى من نزواته، ويخضع لرقابة القضاء والبرلمان والإعلام والمجتمع المدني، ويعرف مسبقا أن سلطته مؤقتة وأن التداول جزء من قواعد اللعبة.
لهذا فإن القيمة السياسية الحقيقية لعودة الزنايدي لا تتحدد فقط بقدرته على تقديم نفسه بديلا عن سعيد، وإنما بقدرته على تجاوز صورته القديمة كجزء من الدولة البورقيبية-التجمعية وتقديم تصور جديد لعلاقة الدولة بالمواطن. فالمطلوب ليس أن يتبرأ من كل ما أنجزته الدولة في عهده، ولا أن ينكر خبرته أو ماضيه، وإنّما أن يشرح بوضوح ما الذي تعلّمه من تلك التجربة وما الذي لن يقبله إذا عاد إلى الحكم. فالاعتراف بأن الدولة كانت قوية لا يكفي، إذ أنّ السؤال الأهم هو: قويّة على من؟ وبأي أدوات؟ وتحت أي رقابة؟ والحديث عن أخلاقيات رجال الدولة يبقى ناقصا إذا لم يشمل أخلاقيات السلطة نفسها وحدودها ومسؤولية من يمارسها.
قد يكون الزنايدي قادرا على تقديم نفسه بديلا لسعيد لأن تونس سئمت من رئيس يتحدث باسمها ولا يسمعها. وقد يستفيد من انهيار الأحزاب ومن سجن الخصوم ومن الحنين إلى ”هيبة“ و”نظام“ الدولة. لكن البديل لا يقاس فقط بمدى اختلافه عن الحاكم القائم، بل بمدى قدرته على عدم إعادة إنتاج الشروط التي جعلت الاستبداد ممكنا.
في النهاية، يبقى منذر الزنايدي سياسيا بين زمنين: زمن الدولة التي صنعت مساره، وزمن الديمقراطية التي يريد أن يخوض باسمها معركته. هو رجل يعرف كيف تعمل الدولة، لكنه لم يشرح بما يكفي كيف تتعلم الدولة أن تخضع للقانون. وهو معارض لقيس سعيد، لكن معارضته لا تمحو موقعه السابق. وهو منافس لعبير موسي على إرث التجمع، لكنه لم يحسم بعد إن كان يريد إنقاذ ذلك الإرث من صداميته، أم إنقاذ صورته هو من تبعاته.
لهذا فإن البورتريه الأدق للزنايدي لا يضعه في خانة المنقذ ولا في خانة المتهم الأبدي. يضعه في المسافة المقلقة بينهما: وجه من وجوه منظومة الاستبداد يطلب من التونسيين أن يصدقوا أنه يستطيع بناء الديمقراطية.
ولن تحسم هذه المفارقة البلاغة ولا السيرة ولا لقب ”رجل الدولة“، بل إجابة واضحة عن سؤالين ظلا مؤجلين: ماذا يفعل بالدولة حين تصبح السلطة قابلة للمحاسبة؟ وماذا يفعل بذاكرته حين يطلب من بلد جريح أن يفتح صفحة جديدة من دون أن يمزق الصفحات القديمة؟








iThere are no comments
Add yours