وفاة مريبة عقب مطاردة بوليسية في جبنيانة والطرقات القريبة منها والمؤدية إليها، لم تكن الأولى من نوعها، إذ سبق أن شهدت منطقة الجلالبة، في ديسمبر 2018، وفاة مشابهة كان ضحيتها الشاب أسامة الأعطر إثر مطاردة من النوع نفسه انتهت بإيقاف مسيرة حياته في عمر 19 سنة، أعقبتها طبعا احتجاجات ومواجهات وإغراق للمنطقة بالغاز الخانق. تحركات طالب خلالها المواطنون بفتح تحقيق لكشف ملابسات الوفاة وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المسؤولين عن مقتل شاب في مقتبل العمر باعتبار أن المواطنات والمواطنين في الدول الديمقراطية، يحق لهم محاسبة من يتلقون رواتبهم من أموال دافعي الضرائب على كل تجاوز بسيط فما بالك بمطاردة تنتهي بمقتل شاب من المنطقة، وهي المطالب نفسها التي رفعت في الاحتجاجات الحالية، خاصة أن المطاردات البوليسية داخل المناطق السكنية تخضع لضوابط صارمة تتعلق بالتناسب وحماية الأرواح، وضرورة عدم تعريض حياة المواطنين والأعوان للخطر.
في 23 ديسمبر 2018، شهدت مدينة جبنيانة احتجاجات على خلفية مطاردة عربة شرطة لشابين على متن دراجة نارية. مطاردة انتهت بوفاة أسامة الاعطر (19 عاما) وإصابة رامي التيس ودخوله في غيبوبة. منذ ذلك التاريخ إلى حدود جلسة الأربعاء 28 ديسمبر، لم تصدر المحكمة حكما ضد المتهمين. البوليس يحال كالعادة في حالة .سراح بتهمة القتل على وجه الخطأ
غضب ومطالب بكشف الحقيقة
الشاب الراحل أصيل منطقة الدرابلة من معتمدية جبنيانة، وحسب روايات متداولة، كان محل تفتيش منذ مدة على خلفية اتهامات تتعلق بالاتجار في الممنوعات، وهي اتهامات ينفيها أصدقاؤه وأفراد عائلته، مشيرين إلى أنه كان يعمل في إيطاليا وأن وضعه المادي مستقر، ولا حاجة له في المخاطرة بتجارة مواد ممنوعة، خاصة أنه حديث الزواج ترك بمفارقته الحياة زوجة ثكلى حاملا.
وحسب شهود عيان تحدثوا إلى نواة، تعرضت الدراجة النارية التي كان الشاب يقودها بسرعة هربا من عربة حفظ النظام التي كانت تلاحقه إلى ملامسة من الخلف، ما أدى إلى فقدانه التوازن وسقوطه ودهسه، ليفارق الحياة على عين المكان، في مشهد مروّع خلّف إصابات جسيمة على جثته، أكدتها العائلة ومصادر صحية بالمنطقة.
وفور انتشار الخبر، التحق عدد كبير من الأهالي والشباب بأفراد عائلة الراحل أمام المستشفى الجهوي، في حركة تضامنية تعبيرا عن تقاسمهم الألم وسط حالة من الرفض والغضب على ما اعتبروه تساهلا في التعامل مع الأرواح البشرية وكأنها مجرد أرقام في ملفات إدارية، مطالبين السلطات بفتح تحقيق جدي يطلعون على حيثياته تحت رقابة وسائل الإعلام لتحديد المسؤوليات والمحاسبة، حتى لا ينسى الملف وتحل فاجعة أخرى تعود المنطقة بعدها إلى نفس السيناريوهات المتكررة. تجمع سرعان ما تحوّل إلى مواجهات، استُعملت خلالها الحجارة وأُحرقت العجلات المطاطية.

مواجهات تواصلت يوم الخميس 22 أكتوبر، عاينتها نواة، لم يسجل خلالها مساس بالممتلكات العامة والخاصة أو سرقتها، كما تم إيقاف الدروس بمدارس التعليم الأساسي والمعاهد الثانوية والاعداديات ومركز التكوين المهني، كما تم غلق أغلبية المحلات التجارية والمقاهي والسوق البلدية نظرا لاستحالة العمل والتدريس بسبب كثافة قنابل الغاز المسيل للدموع، قبل أن يسود الهدوء حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، ليفسح المجال لتشييع جنازة الشاب عون الصالحي ودفنه بمقبرة المنطقة.
وإلى حدود كتابة هذه الأسطر، تشهد مدينة جبنيانة تعزيزات أمنية مكثفة، وسط حالة من الهدوء الحذر، في ظل مخاوف من تجدد المواجهات في أي لحظة.
غضب عابر أم نتيجة تراكمات بالمنطقة
ما برز خلال المواجهات في المنطقة، هو حجم النقمة والغضب المتراكمين في صفوف الشباب، الذين أظهروا تعاطفا واضحا مع الضحية، حتى ممن لم تكن لهم معرفة بالشاب المتوفى، إلى جانب حالة من السخط تجاه الأجهزة والسلطة عموما.
ومن الواضح أن فئة من شباب المنطقة التي تعتمد في تنقلاتها على الدراجات النارية الصينية المعروفة باسم «الفورزا»، هي فئة تعيش التهميش، تضم شبانا وحتى كهولا بين من انقطعوا عن الدراسة ومن يواصلون تلقيها في انتظار اولى فرص العمل. ويتقاسم أغلبية هؤلاء الشباب نظرة متشائمة نتيجة لواقع التهميش والبطالة وانسداد الآفاق، ما يدفع بعضهم إلى الهرب بالانغماس في استهلاك الكحول والمخدرات، أو إلى التعلق بحلم ”الحرقة“ بحثا عن الجنة المفقودة وراء البحار.
وتجد هذه القراءة صداها في الجهة، التي انقسم اهاليها بين من يرى في المواجهات تعبيرا عن غضب قديم تغذيه عقود من التفقير والتصحر الثقافي، معتبرا أن الشباب المحتج ضحية لسياسات عمومية همشته وأقصته، وبين من يدعو أجهزة الدولة إلى معالجة الظاهرة من جذورها للقضاء على أسباب الانحراف والتسيب، حتى لا تتغير صورة جبنيانة من معتمدية معروفة باسهاماتها السياسية والثقافية إلى مختبر لسياسات التصدي للهجرة غير النظامية وتكديس الباحثين عن الحرقة واليائسين من بناء المستقبل في المنطقة والبلاد.
في حديثه إلى نواة، اعتبر الناشط الحقوقي الأستاذ محمود نعمان أن وفاة الشاب، مهما كانت ملابساتها، لم تكن سوى قادحا فجّر هذه الأحداث، وأشار إلى أن المواجهات الأخيرة تميزت، وفق معايناته الأولية، بخاصيتين أساسيتين، تتمثل الخاصية الأولى في الطابع العنيف للمواجهات والمجابهة المباشرة مع قوات حفظ النظام، خلافا لما كان سائدا في السابق، حين كان الاحتجاج يتخذ عادة شكل وقفات أو مسيرات تندد بالحادثة وتطالب بمحاسبة المسؤولين عنها.

أما الخاصية الثانية، فتتمثل في غياب مشاركة التلاميذ ووجوه المجتمع المدني، خلافا لما ميز التحركات الاحتجاجية في جبنيانة على امتداد تاريخها. وفي المقابل، كان أغلب المشاركين من الشباب، ومن بينهم عدد كبير من أبناء بعض العمادات التابعة للمعتمدية، لا من مركزها فحسب.
وبيّن محدثنا أن هذه الخصائص تعكس، مهما اختلفت تفسيراتها، حالة من الاحتقان تجسد رد فعل على التهميش الموروث والمتواصل الذي تعانيه الجهة، وعلى انسداد الآفاق أمام الشباب، في ظل ارتفاع البطالة وتراجع فرص الهجرة.
وأضاف أن هذا الوضع يتفاقم بفعل ضعف المجتمع المدني في الجهة وما وصفه بحالة السبات التي يعيشها، لأسباب موضوعية تتصل بما تعرضت له مكوناته الكبرى على المستوى الوطني من تضييق على نشاطها وإضعاف للاتحاد العام التونسي للشغل، وأخرى ذاتية تتعلق بأوضاع هذه المكونات نفسها. وهي مكونات كانت تضطلع، في السابق، بدور أساسي في تأطير التحركات الاحتجاجية والحفاظ على طابعها السلمي، محذرا من أن استمرار التضييق على المجتمع المدني قد يزيد مخاطر الانزلاق نحو الفوضى والعنف، خاصة في ظل تمسك السلطة بالمقاربة الأمنية باعتبارها الخيار الأساسي في التعامل مع التوترات والتحركات الاحتجاجية.
وخلص الأستاذ نعمان إلى أن استمرار التهميش ينذر بتجدد مثل هذه المواجهات، معتبرا أن المنوال التنموي الليبرالي التابع، إلى جانب التوجهات التي يعكسها قانون المالية الراهن، لا يبشر بتغيير جوهري في مستقبل جبنيانة، الذي قد لا يختلف عن حاضرها وماضيها القريبين.
جبنيانة كغيرها، ضحية السياسات الفاشلة
لا شك في أن جبنيانة، شأنها شأن مدن وقرى داخلية عديدة، تواجه اليوم نتائج سياسات عمومية متواصلة أثبتت فشلها على امتداد عقود، ومنوال تنموي متخلف لم يفض إلا إلى حرمان شبابها من حقهم في العمل وتحقيق ذواتهم وصون كرامتهم، من ذلك ضرب حقهم في فضاءات ثقافية وشبابية وترفيهية، وخدمات عمومية لائقة، وبنية أساسية جيدة، إلى جانب غياب دعم الدولة للأنشطة الفلاحية والصيد البحري والتجارة والصناعات التقليدية. فجبنيانة التي أنجبت كفاءات تولت مسؤوليات في مؤسسات الدولة، وغذّت على امتداد عقود نخبة المعارضة السياسية والقيادات النقابية الطلابية والعمالية إضافة إلى إسهامها في الرياضة والثقافة والتربية والتعليم، باتت، وفق توصيف عدد من أبنائها، بلدة منكوبة وحزينة، لم تعرف في تعامل الدولة معها سوى الإذلال و”الحڨرة“.
وحتى عندما زارها رئيس الجمهورية السنة الماضية، بعد أن جعلت منها السلطة مخيّما تجمع فيه مهاجري إفريقيا جنوب الصحراء، بعد حملات طردهم من المدن الكبرى، لم تفض تلك الزيارة، إلى تغيير ملموس في أوضاعها، بل تحولت المنطقة إلى ما يشبه المختبر الأمني، وفق تعبير الزميل الصحفي ابن المنطقة ياسين النابلي.

في حديثه إلى نواة، قال النابلي إن مدينتهم الصغيرة، ذات الخصائص الفلاحية والبحرية، تزداد اختناقا يوما بعد يوم، بعد أن تحولت إلى مختبر أمني لسياسات مراقبة الحدود في الضفة الجنوبية للمتوسط، من خلال احتجاز المهاجرين في ظروف غير إنسانية، وتكثيف الرقابة والحضور البوليسي في المدينة على نحو غير مسبوق. فجبنيانة باتت ورشة متوسطية صغيرة للهيمنة الإيطالية والأوروبية، بتواطؤ من النظام التونسي، في وقت تواجه فيه المشاريع الفلاحية والبحرية الصغيرة خطر الانهيار، بفعل انسحاب الدولة واكتفائها بتعزيز قدراتها الأمنية، المستوردة من الخارج.
وأضاف النابلي أن مشاريع تربية الماشية والأبقار شهدت تراجعا وانهيارا، فيما يعاني صغار الصيادين من الديون، ولا توفر المستغلات الفلاحية الصغيرة ما يكفي لتأمين سبل العيش لآلاف الأهالي، كما تتجه الأنشطة التجارية، التي تمثل مورد رزق لعدد كبير منهم، نحو الكساد منذ سنوات.
أما على مستوى الخدمات العامة والبنية التحتية، فتبدو المدينة، وكأنها مغضوب عليها ومنسية منذ عقود، بوصفها هامشا لثاني أكبر ولاية في البلاد، فضلا عن معاقبتها لكونها حاضنة تاريخية للنشاط السياسي والنقابي المعارض.
ويؤكد النابلي أن التعويل على الحل الأمني باعتباره الأفق الوحيد للتعامل مع أزمات المدينة لن يؤدي إلا إلى خنقها وتغذية الاحتقان الدائم، معتبرا أن هذا الوضع ليس معزولا عن السياق العام الذي تعيشه البلاد في ظل النظام الحالي، الذي يرفع شعارات اجتماعية، بينما تتسم ممارساته بالتشدد الأمني والقمع.

جبنيانة: كيف صارت مدينة تاريخية لليسار؟
27/03/2018
مسؤولية الدولة ومسؤولية النخبة
أضحت جبنيانة، بوصفها إحدى مربعات شطرنج البلاد، شاهدة على عجز السياسات التي انتهجتها الأنظمة المتعاقبة، دون استثناء، عن الاستجابة لتطلعات شبابها وحقهم في التنمية والعمل والكرامة، وهي تدفع اليوم ثمن خيارات تنموية ظالمة وفاشلة، راكمت الحرمان وعّمقت الفوارق وأغلقت أبواب الأمل أمام أجيال متعاقبة، لكن مسؤولية الدولة لا تلغي مسؤولية النخبة المحلية، وخاصة النخبة التي تقدم نفسها باعتبارها معارضة ديمقراطية وتقدمية واجتماعية.
فهذه النخبة لا تزال، في جانب منها، أسيرة التشتت والانقسامات والصراعات الهامشية، التي يعود بعضها إلى سبعينات القرن الماضي، في وقت تفرض فيه خطورة المرحلة تجاوز الحسابات الضيقة والرهانات الفئوية.
وهي مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالتفكير الجماعي الجاد في سبل استعادة ثقة شباب المنطقة بها، ومساعدتهم على استعادة الثقة بأنفسهم ودفعهم إلى تغيير واقعهم بإرادتهم وعقولهم وسواعدهم.





iThere are no comments
Add yours