crédit photo: tixup.com

تابعنا الخطاب الأخير للمرزوقي فبدا لنا في هيئة المخلوع بن علي من حيث اضطرابه صورة وصوتا. لم يكن ينقصه إلاّ القول:” أنا فهمتكم”. ولعلّ الاختلاف الوحيد بين الرجلين يتصل باسم المدينة التي ساعدته على الفهم، فالأوّل خلعته انتفاضة سيدي بوزيد والثاني زعزعته انتفاضة سليانة. وقد فاجأنا الخطاب بدرجة الصراحة “الهدامة” التي أبداها رئيس الدولة، إذ استعجل توسّع دائرة الانتفاضة وانتشار الحريق عندما قال “إنّنا لا نواجه سليانة واحدة بل كلّ المدن سليانة”. ثمّ اعترف بعجز الحكومة أو فشلها في التنمية، الأمر الذي أرضى المعارضة فرحّبت في ردود أفعالها بقوله الصريح لأنّه يتناسب ومطالبها.

ولكنّ موقف المرزوقي لم يرُقْ لشريكه في الحكم، حركة النهضة التي واجهت انتفاضة سليانة بيد من حديد وأصرّت على بقاء الوالي في منصبه رغم المطالبات بعزله. فوصف سمير ديلو الناطق الرسمي باسم الحكومة خطاب المرزوقي بالتصريحات الخطيرة. ولعلّ اتصالات جرت بعد “اعترافاته المتسرّعة” تنبّهه إلى المنزلق الذي وقع فيه. لذلك خرج عدنان منصّر مستشار الرئيس إلى وسائل الإعلام في مهمّة عاجلة ليشرح خطاب الرئيس بما يشرح الصدور. فقال لإذاعة موزاييك إنّ الرئيس لا يقصد بحكومة الكفاءات المصغّرة التي دعا إلى تشكيها حلّ حكومة الترويكا، وإنّما أراد أن يكون التحوير في وزارات المال والاقتصاد لتسريع نسق التنمية في الجهات المتضرّرة من السياسات القديمة الجائرة، أمّا وزارات السيادة التي يحتلّها رجال النهضة فلن تمسّ.

وبذلك يُخرج المستشارُ رئيسنا المفكّر من عواقب أفكاره المغامرة بحيلة فقهيّة قوامها إبطال الناسخ للمنسوخ. فكلام منصّر ينسخ كلام المرزوقي بعد أن نسخ المرزوقي على ورقةِ خطابِه مواقفَ المعارضة نسخا حرفيّا. ويُرجى الانتباه إلى الفرق بين النسخ الأوّل والنسخ الثاني. فبينهما درجات كبيرة من التفاوت في مستويات الحنكة والذكاء رغم أنّنا نضع في حسباننا ما حصل عليه المرزوقي في الأيام الأخيرة من جوائز تشيد بتحالفه مع الإسلاميّين وتضعه في المرتبة الثانية ضمن تصنيف لأهمّ مائة مفكّر عالميّ لسنة 2012. وقد نشرت المجلة التي توّجته مقالا يبين التاريخ السياسي والنضالي لرئيس الجمهورية، معتبرة إيّاه من “الشخصيات القادرة على تسيير تونس في المرحلة الراهنة وإنجاح مسار الانتقال الديمقراطي فيه”.

فهنيئا لرئيسنا المفكّر بتلك المنزلة، ولكنّ خطابه (أو صنيعه الأخير بالترويكا وشركائه في السلطة) وضعه في دائرة الشكّ بخصوص قدرته “على تسيير البلاد في المرحلة الراهنة” كما تقول المجلّة، وعرّضه مرّة أخرى لانتقادات لاذعة إلى حدّ اتهامه بالحماقة. وهذا قد يشوّش على منزلته الرفيعة في نخبة المفكّرين أو السياسيّين أو كليهما. كما أنّ موقفه الجديد الذي يصبّ في مصلحة المعارضة قد لا يخدم المنطق الذي حصل به على التقدير جزاء وفاقا لتحالفه مع الإسلاميين. أمّا إذا ثبت خضوعه لإملاءات من المعارضين الراديكاليّين باعتبار الصداقة التي تجمعه ببعضهم مثل حمّة الهمامي، فإنّ الحديث عن حماقة قد لا يكون كافيا، الحديث عندئذ سيكون عن خيانة أو طعنة من الخلف.

غير أنّنا ومن منطلق غيرتنا على الانتقال الديمقراطيّ، ننزّه الرئيس عن الخيانة والحماقة معا، فهو معروف بصراحته وغيرته على الوطن، ولكنّنا لا نرى مانعا من إسناد الصفة الأخيرة على الأقلّ إلى بعض اٌقطاب المعارضة التي استعجلت الترحيب بما جاء في الخطاب وأكّدت في ذات الوقت رفضها الدخول في حكومة الكفاءات. فهي بذلك الرفض إمّا تنفي وجود الكفاءات في أحزابها، وإمّا تتعالى عن التعاون مع خصومها خوفا من تحمّل أعباء المسؤوليّة الثقيلة التي قد تواجهها. والموقف برمّته يثبت ما قاله الحكماء عن الفرق بين العاقل والأحمق:” العاقل إذا أحبك بذل جهده في مودّتك ونصرتك،وإذا أبغضك تَرَفَّع عن أذيّتك، وإنْ أحسنتَ إليه اعترف وشكر، وإذا أسأتَ إليه ستر. والأحمق إذا قَرَّبْته تكبَّر، وإذا أبعدته تكدّر، وكلّما رفعت من قَدْرِه درجة، حطّ من قَدْرِك عنده درجة”.
ولكم سديد النظر في قياس مسلك الحكومة والمعارضة بهذا المكيال الحكيم الذي يضبط بدقّة ما يميّز الأعمال العقلانيّة عن الأعمال الغبيّة.

ولعلّ الوقت مازال يسمح ليعمل كلّ طرف على النجاة بنفسه من الوقوع في عواقب القرارات الحمقاء التي أدخلت البلاد في حلقة مفرغة تتكرّر فيها الأزمات بنفس الوتيرة ونفس الخسائر. فما كان لرئيس الحكومة أن يتمسّك ببقاء الوالي في منصبه، وما كان للمعارضة والاتحاد أن يُعجزا الحكومة بمطالب لا تخلو من ابتزاز سياسيّ. فهل أصيب الجميع بتلك النعرة التي وصفتها العرب باعتبارها “كِبْرا وخُيَلاَء وعصبيَّة”؟

لا شكّ في ذلك طبعا ولكنّنا نلاحظ أنّ الحكومة استفادت من أزماتها السابقة مع اتحاد الشغل، فرأت من الحكمة أن تتجنّب الدخول في صراع مع منظّمة نقابيّة عتيدة، لذلك بدت هذه المرّة شديدة الحذر في تصريحاتها، ولئن ألمحت إلى اختراق نقابة العمّال من بعض القوى اليساريّة لأغراض سياسيّة، فإنّها اكتفت في نقدها بعد أحداث سليانة بالقول إنّ أطرافا تتخفّى تحت راية الاتحاد، هي من يشعل الأزمات داعية قياداته إلى الحوار وعدم الانسياق في أعمال متهوّرة.

ومع ذلك يسود لدينا اعتقاد راسخ بأنّ تقصير الحكومة أو تباطؤها في مجال المحاسبة لا يُفسّر إلاّ بصراع جليّ على السلطة بين الإسلاميين وحكومة ظلّ تنازعها الحكم أو تشوّش على عملها بمساومات قد لا نعرف تفاصيلها، ولكنّنا نعرف حتما من يقف وراءها: إنها الأطراف التي تعجز الحكومة عن محاسبتها وعلى رأسها كمال لطيّف، بدعم القوى التي تحدث الفوضى فتدعوها إلى الحوار وعلى رأسها اتحاد الشغل. ليبقى السؤال المعلّق، هل حسمت الحكومة أمرها فاختارت الاستسلام رافعة شعار الرسول الكريم عندما فتح مكّة:”من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن!”، فكأنّ حكومتنا تمتثـل لمن يقول” من دخل نقابة العمّال فهو آمن. ومن دخل بيت كمال لطيف فهو آمن، ومن دخل قناة التونسيّة فهو آمن …”

الصورة واضحة الآن: الرئيس المرزوقي منزوع الصلاحيّات، و الحكومة مسلوبة الإرادة فمن يحكم تونس يا ترى؟