benjafaar-marzouki-jebali

في هذا اليوم العالمي للمهاجرين، أتوجه للسادة الرؤساء الثلاثة لأضعهم أمام ضمائرهم في أيامنا الإحتفالية بالذكرى الثانية للإنقلاب الشعبي على الدكتاتورية.

إنه حب الشعب الذي يحدوني لأن أخاطبهم بهذه اللهجة؛ ولعل من الحب ما جرح وأدمى!

سادتي، إن الشعب ليتساءل : عيد، بأي حال عد يا عيد؟ فلا تتركوه يقف عند الإجابة المؤكدة اليوم على أفواه الجميع : بما مضى وبلا جديد!

سادتي، لقد وصل السيل الزبى، وأنتم تكررون مقولتكم التي ملها الجميع : الصبر! الصبر!

فلا صبر عندما يمكن العمل بدون تأخير والبرهنه على أن العيد الثاني للثورة جاء حقا بالجديد، وفيه تجديد.

لعلكم تسألوني كيف يكون ذلك ولسان حالكم يقول : أعوزتنا الحيلة في إيجاد الحلول ولا نتيجة بعصا سحرية.

فأجيبكم : هل نسيتم قوة الرمز وما للقرارات المبدئية من قوة سحرية ترفع الجبال بما تنفخه في الأنفس من حرارة الصدق في التعلق بالحق والعمل على بلوغه؟

هل أنتم مستعدون،حبا للشعب، للاستجابة لما ضحّى شبابه بنفسه في طلبه؟ بل هل أنتم على استعداد لخدمة الشعب حقا، حتى وإن حملكم ذلك على مقارعة حجج الغير الواهية بما في عرفهم يُحمل على الاغتراف من الخيال والدون كيشوتية، وليس هو، في الحقيقة، إلا الأخد من المخيال الشعبي؛ وما من شك أن البون شاسع بين الإثنين!

فشعبنا لا ينتظر غير تكريس حقه في التنقل بكل حرية، وهو حق من حقوق الإنسان! ألم تروه بعد هبّة الثورة المجيدة يدلل على مشروعية هذا الحق برجليه، لا للهروب من بلد الثورة إلى أوربا كما ادعى ذلك بعض الحمقى، بل للدعوة إلى فتح الحدود وكتابة تاريخ جديد للعلاقات بين الشمال والجنوب؟ فلقد كانت هبّة الشباب تلك من أبلغ التعابير التي تكتبها الأرجل!

هل وعى هذا الدرس المفحم أحد؟ لا وألف لا، إذ بلغ احتقار مثل هذه الحركة الشعبية الهامة إلى تجاهل الحكومة مصير العديد من هؤلاء وكأنهم ليسوا من أبناء هذه البلاد البررة، ممن شارك في ثورته وانقلب على النظام الديكتاتوري الجائر!

إنكم في قصور القصبة وباردو وقرطاج سواء في تجاهل حق من حقوق مواطنينا، ألا وهو الحرص على الإصغاء إلى ما يقولون والسهر على إرضاء ما يطالبون به، حتى وإن بدا لكم عسير المنال. لأن السياسة الحقة، تلك السياسة الفهيمة التي تفرضها ثورة الشعب التونسي، هي في عدم الاعتقاد البتة في المستحيل؛ فكل مستحيل ممكن ما دامت النية الطيبة متوفرة؛ ومع النية تكون العزيمة الصادقة، فتأتي الغنيمة.

إن الشعب اليوم يطلب منكم، أولا وقبل كل شيء، تكليف من له من الكفاءة وصدق النية ما يكفي للتعهد بملف المفقودين مع كل الصلاحيات اللازمة للكشف عن الحقيقة وإعطاء الناس حقوقهم. فلا شك أن تعاطي السلط مع هذا الملف لهو وصمة عار في جبين ديبلوماسيتنا، إذ عجزت عن حماية مواطننيا الحماية التي يستحقونها، وهو من أوكد واجباتها. فهل تفعلون؟

ثم الشعب يطلب منكم أيضا المطالبة باسمه برفع الحدود أمام تنقلاته بحرية تامة، حتى وإن كان ذلك على مستوى المباديء وإعلان النيات فقط. فسواء لقي مثل هذا المطلب الذي تقومون به باسم الشعب صدى عند البلدان الأوربية أم لا، فالنتيجة هي ضرورة إيجابية في أذهان المواطنين أولا، علاوة على ما في ذلك من ضمان الوصول بالملف إلى مائدة الحوار وطرحه للنقاش حتى يمكن مقارعة حججنا الدامغة بحجج الغرب الواهية. أفتفعلون؟

ولعله من المفيد الإشارة هنا إلى أن السلط التونسية لها من القدرة ما تجهله أو تتجاهله على إنجاح مسعاها في هذا التوجه الجديد في العلاقات مع أوربا، وهو يتمثل، إضافة للحق الشعبي الذي يرتكز عليه مسعاها كاستحقاق من استحقاقات الثورة :
– في أن رفع البصمات كما يتم اليوم في نطاق سياسة التأشيرة مخالف لكل المباديء الدولية لسيادة البلاد، إذا لا حق لغير السلط الوطنية في أخذ بصمات المواطنين. وقد برهنتُ على ذلك بما فيه الكفاية في مقال لي هنا، فلتعودوا إليه إن اقتضى الأمر.

– في ضرورة موازنة مثل هذا الخرق للسيادة الوطنية بتغيير في طبيعة التأشيرة مما هي عليه اليوم إلى تأشيرة مرور تسلّم لمدة عام ومجانا. ويكون هذا كخطوة أولى لتجربة المرور لنظام رفع التأشيرة، ونحن سنمر إليه لا محالة عاجلا أم آجلا. وقد خصصت أيضا للموضوع مقالا على هذا الموقع يدلل على إمكانية ذلك وضرورته مع الاحترام التام لمقتضيات الأمن الأوربية.

نعم، يا سادتي الأكارم، إنكم بحاجة للوقت لتحقيق أهداف الثورة؛ ولكنكم، ولا شك، تقرّون أن منها ما لا يحتاج للوقت، بل لقرار وزراري أو رئاسي أو قانون يصوّت عليه المجلس التأسيسي في هذا اليوم، حتى يكون بحق يوما عالميا لحقوق المهاجرين، أو خلال الفترة الاحتفالية الحالية، وعلى أقصى تقدير في الذكرى الرسمية الثانية للثورة، حتى تكون بحق ثورة الحرية والكرامة.
حرام عليكم مواصلة استعمال مثل تلك العبارة التي فرضتها سياسة غربية هوجاء: فلا هجرة سرية اليوم، ولا مهاجرين غير شرعيين؛ بل حرية مرور وطلاقة عبور في بحيرة المتوسط!

فهلا عبّرتم عن تناغمكم مع شعبكم، فأخذتم دون تأخير مثل هذا القرار أو القانون، وأعلنتم اليوم عن طلب تونس الرسمي من المجموعة الأوربية تبديل طبيعة التأشيرة إلى تأشيرة مرور في نطاق رفعها لاحقا؟

وهلا أعلنتم عن تسمية شخصية لا نزاع في كفايتها للتعهد بملف المفقودين مع كافة الصلاحيات التي تقتضيها مهمّتها؟
إنكم إن تفعلون ذلك لترسلون أفضل الإشارات للشعب عن تعلّقكم بخدمته، فيهدأ روعه وتعود ثقته فيكم شيئا قليلا وقد تزعزت كثيرا. وما الأحدث الأخيرة، سواء بقرقنة، الهادئة الناعمة، وسيدي بوزيد، العصيّة الثائرة، إلا ما من شأنه أن يحفّزكم على النشاط لخير البلاد.

إني لا أشك في حبّكم لتونس العزيزة وعملكم الدؤوب لمصلحتها، بل أشكك في الطرق التي تستعملونها في سبيل ذلك، لأنها من تلك التي أكل عليها الدهر وشرب؛ رغم تواجد من ينصح بها حواليكم، وهو لا يشعر بأنه في النصيحة غير صدوق، إذ لا يعرف من حقيقة شعبه إلا النتف الخادعة.

إن السياسة الناجحة اليوم لهي تلك التي تكلّم الشعب باللغة التي يفقهها، فهي كالمغناطيسية، وفيها من قراءة المخيال الشعبي الشيء الكثير.
ولا شك أن مخيال الشعب التونسي مؤسس على حرية الحل والترحال. فعساكم، سادتي، تفقهوا قولي لخير هذه البلاد وفيه النجاح الأكيد لسياستكم!