1148878_558574644208132_994849472_n

تتوالى علينا الأخبار العاجلة من مصر، فاجعة ثم فاجعة، بعد أن كان من شأنها أن تكون هازجة، محملة بأحلام شعب تاق إلي الحرية وطلبها فتحطم أمله على عتبات واقع مرير.

ولا شك أن هذا الواقع لم يزده مرارة إلا حمق البعض من الساسة بمصر وأنانية البعض الآخر وكلبية الجميع في صلافة فظيعة استخفت بالأعراف والتقاليد، دينية كانت أو مدنية؛ علاوة على احتقار كبير لطموحات شعب كادح وتهكم عريض بآماله في حياة أفضل.

إن المسؤولية في ما يحدث ببلاد النيل لهي جماعية لكل الأطياف السياسية، فليس الجيش لوحده وبمشيئته الخاصة الذي أحكم قبضته من جديد على قيادة بلاد لم يتركها أبدا، ولكنه اضطر اضطرارا إلى إرخاءها لإعادة إحكامها مجددا.

فالنظام الذي وقعت الإطاحة به له مسؤوليته أيضا إذ اغتر بنفوذه وطريقة صعوده إلى الحكم، فتجاهل أن ليس في السياسة ما يفرض نفسه أبدا كحقيقة لا غبار عليها، إذ ما يميز عالم السياسة هو أن الكذب من شأنه أن يصبح حقيقة والحقيقة كذبا إذا لم تتعادل القوى ولم يتغلب الذكاء والحنكة، إن لم نقل الدهاء الكيس الفطن، على الدهاء السياسي الصرف حتى يبقى الصالح العام دوما محط نظر السياسي الحق.

والمجتمع المدني أيضا له أن يتحمل مسؤولية ما يحدث، ووزره لكبير، إذ لا يمكن الاستعانة بالذئب وإدخاله بين قطيع الغنم ثم نتعجب أو ندعي الاستغراب كيف لا يمكن له التعايش مع الخرفان في أمن ودعة، وطبيعته لا تحمله على ذلك، علاوة على مصالحه وعاداته.

إن الحلم المصري الذي يتهافت تحت أنظارنا لا يزيدنا إلا حنقا على ساستنا في عدم استخلاصهم العبرة حتى نجنب بلادنا المصير المؤلم لشعب بلاد النيل العظيم. فالكل متمسك بمصالحه الآنية، والكل متجاهل لمطالب الشعب الحقيقة.

وليست مطالب الشعب التونسي في حكم إسلامي أو علماني؛ ولعلها أيضا ليست متعلقة حتى بدستور أو بانتخابات. إنها أساسا تدور، أولا وقبل كل شيء، حول حق التونسي المشروع في الحياة في عزة وحرية وأمن وسلام.

ولا يكون هذا إلا برفع كل القوانين الجائرة الموروثة من النظام القديم والسهر على كرامة التونسي داخل بلده وخارجها بالعمل على توفير الشغل لمعطليه والتنقل الحر لمسافريه، والحرية الكاملة لمبدعيه وكافة أبنائه بمختلف مشاربهم في حياتهم الخصوصية.

فألم يحن الوقت ليقوم من بين هذه النخبة المتمسكة بالحكم أو الساعية إليه ابن للشعب لا يرعى إلا مصالح بني وطنه فلا يعمل لغيرهاَ؟ ألم تأت الساعة لأن يظهر من بين صفوف الشعب من ليس همه المصلحة الحزبية ولا الامتيازات ولا التشريفات، لا يبتغى إلا شرف خدمة البلاد وشعبها بدون مقابل؟

إلى متى نتعاطى السياسة كمطية لأغراض شخصية متناسين واجبنا نحو شعبنا ؟ إن الوقت حان لأن ننسى طريقة لا تجني في العمل السياسي وهي تلك التي تجعل من مباديء أفرغت من معانيها شعارات جوفاء لا تسمن الشعب من جوعه إلى أجواء الحرية الحقيقية.

إن الحل الأجدى اليوم، في رأيى المتواضع، لهو في التوافق النزيه بين الأطراف المتنازعة، لا على أفضل الحلول الحسنى، بل على أقلها ضررا بالبلاد والعباد؛ وهي مثلا في :

أ – تكوين حكومة مستقلة بحق عن التنازعات السياسية تعطي كل ذي حق حقه وتسهر على المصلحة العامة لا مصلحة الأحزاب الخاصة،

ب – إجتماع كافة الأحزاب السياسية للاتفاق على ميثاق ينص على ضرورة نبذ كل أشكال العنف والتمسك بمباديء الإسلام التونسي المتسامح مع العمل على إرساء قواعد ديمقراطية حقة تأخد بجميع الحريات في كل ميادين الحياة،

ج – عودة المجلس التأسيسي لنشاطه للإعلان عاجلا عن البيانات التالية :

1/ إيقاف العمل بكل القوانين المخلة بالحريات الموروثة من العهد القديم؛

2/ المصادقة على ميثاق مباديء فيه بيان لحقوق التونسي، ومنها مبدأ مدنية الدولة ومطلب حرية التنقل لمواطنيها؛*

3/ تقديم طلب رسمي تونسي للانضمام للإتحاد الأوربي في نطاق فضاء ديمقراطي متوسطي يقع استنباطه عاجلا. ذلك لأنه لا يخفى على أحد، من ناحية، أن الوضع الجيوستراتيجي لبلدنا يجعله يرتبط وثيق الارتباط بمحيطه العالمي؛ ومن ناحية أخرى، في عالم متحد الأوصال، ليست هناك حظوظ حقة لنجاح الديمقراطية بتونس إذا لم تستند على منظومة ديمقراطية قائمة كالمنظومة الأوربية؛

4/ إعلان تكوين لجنتي خبراء تُعهد لهما مسؤولية إنهاء كتابة الدستور وإعداد القانون الإنتخابي؛

5/ تحديد أجل لانتهاء أشغال المجلس التأسيسي مع إيقاف صرف كافة الجرايات والمنح لأعضائه حالا لأن خدمة البلاد لا تكون بمقابل، خاصة في هذه الظروف الدقيقة.

إن ما يحدث في مصر لينضاف إلى ما يمليه الواجب الوطني على كل تونسي غيور على بلده للعمل جاهدا للخروج به من الأزمة الحالية؛ فلم يعد المجال للتساؤل عن المسؤوليات أو التنابز بالألقاب أو التغامز بالتهم.

إن تونس لهي في خطر محدق كبير ولا مناص من السعي جاهدا لأخراجها سليمة منه. ولعل ما أقترحه هنا ليس مما يرضي الجميع، ولكنه من شأنه المساعدة على التهدئة المنشودة وذلك بأن يتنازل كل طرف على البعض من مطالبه، حتى وإن كانت مشروعة لأجل مصلحة الشعب وحده.

إن الشرعية اليوم لهي للشعب أولا وقبل كل شيء، ولا يبتغى الشعب حاليا إلا شرعية العودة إلى حياة آمنة مع الخروج من هذه الأزمة بالبعض مما له الحق أن يطالب به لأجل كرامته وعزته، كحقه في التنقل بحرية بواسطة نظام تأشيرة مرور وأمله المشروع في ديمقراطية حقة ومضمونة لارتباطها بنظام ديمقراطي مجاور.

فلا شك أن المطالبة بانضمام تونس إلى الاتحاد الأوربي هو من هذه الحقوق، إذ أنه يأخد بعين الاعتبار الوضع الخاص لبلدنا الذي يمنعه من أن تكون له سياسة داخلية تامة الحرية. لذا، ومن باب الواقعية السياسية، لا بد لحكامنا من المضي إلى نهاية التطبيق العقلي لتداعيات الوضع السياسي والاستراتيجي فالمطالبة بحق تونس وشعبها في الانضمام للمنظومة السياسية التي لا مجال من التنصل منها على المستوى الاقتصادي، وإن أرادت ذلك ورغبت فيه.

كذلك يقول المنطق الصرف أيضا، لأن الليبرالية لا تكون للبضاعة فحسب، بل لا بد أن تطال العباد أيضا، وإلا فهي ليست بالليبرالية. ولقد حان الوقت لأن توافق النظرياتُ والأقوالُ الأفعالَ على مستوى الواقع والفعل.

هذا المقترح 3 في 5 من شأنه إذا الاتيان بحل لأزمة البلاد الحالية؛ وهو، وإن لم يكن الوحيد في هذا الباب، ليأخد بعين الاعتبار كل المواقف مع تغليب مصلحة المواطن على الاعتبارات الضيقة لكل طرف؛ فهل من يعمل به أو بأحسن منه ؟ إذ ساعة الحقيقة دقت، ولات وقت تردد!

الهامش :

* وقد كنت دعوت في مقال لي منذ مدة إلى مثل هذا الميثاق، فيمكن العودة إليه على موقعي الخاص : الإعلان الدستوري لحقوق التونسي