freères-musulmnas

إن الثورة السورية، وإن كانت بلا منازع ثورة على طغيان نظام مستبد، فهي أيضا تمرد لتنظيم سياسي على هذا النظام، مما يجعل البعض يشكك في أن تكون ثورة شعبية بحق.

ولا شك أن الدور الذي يلعبه الإخوان المسلمون اليوم في الثورة السورية لهو امتداد لنشاط سياسي قديم العهد بالبلاد وبلا هوادة. وما من شك أن هذا هو السبب الذي يجعل المساندة الغربية للثورة متعثرة ومترددة.

فالإخوان المسلمون يمثلون في بلاد الشام تنظيما سياسيا من أهم التنظيمات المعارضة للنظام. ولا يخفى على أحد أن لهم انتفاضة مشهورة كادت تطيح بالنظام القائم.

لقد عمل الإخوان المسلمون طويلا في صمت قبل الخروج إلى العلن وإشهار السلاح بمدينة حماة السنية التي شهدت في فيفري 1982 تلك الإنتفاضة العارمة على النظام العلوي المتطرف في تشيعه والذي توصل بعناء، بفضل قواته الخاصة وسرايا دفاعه، إلى إخماد لهيب النار دون اعتبار للثمن، الذي كان باهضا، لأجل عودة الأمور إلى نصابها ولو إلى حين.

وحتى نفهم ما يجري اليوم بسوريا، سنقوم في هذه الحفريات بالتذكير بالمراحل التي مر بها تنظيم الإخوان بهذا البلد، فنقسمها إلى ثلاث محطات تبدأ الأولى بنشأته وتركيز هياكله، ثم تخص الثانية فترة المشاركة في السلطة من سنة 1948 إلى 1964؛ وتنتهي بمرحلة المعارضة المسلحة أو الجهاد المقدس التي بدأت في الستينات ولا زالت دائمة. وتعميما للفائدة، نختم باختزال للجانب المذهبي للأزمة السورية.

1 – نشأة الإخوان وتركيز الهياكل :

حسب أغلب المصادر، تعود نشأة تنظيم الإخوان المسلمين إلى الثلاثينات حيث بدأت على شاكلة جمعيات دينية صغيرة، منها »شباب محمد« و»الجمعية الإسلامية«، التي كانت تنشط في مدينة حماة، معقل الإخوان، و»الشبان المسلمين« وهي من العاصمة دمشق، ومن أبرز قادتها صلاح الدين الشاش الذي كان أمينها العام.

وكان لجمعية »الشبان المسلمين« هذه دور التنسيق بين مختلف الجمعيات، ولها علاقات متميزة بجمعية الإخوان المسلمين بمصر، وخاصة بزعيمها حسن البنا؛ ويبدو أنه كان السبب في تبديل إسم الجمعية إلى جمعية الإخوان المسلمين.

فقد ظهر هذا الإسم لأول مرة في سوريا سنة 1945، وهي سنة فارقة في تاريخ المنظمة بظهور زعامات جديدة في صلبها تسهر على تنشيط التنظيم وتركيز هياكله بشكل فعال؛ ومن أبرزهم الدكتور مصطفى السباعي، وهو أصيل حمص، وعصام العطار؛ وقد توليا على التوالي مهام ما يسمى بالمراقب العام، وهي أعلى سلطة بالتنظيم.

وهكذا، بفضل هذان الزعيمان، قفزت المنظمة إلى صدارة الأحداث، فتزعمت الكفاح ضد المستعمر الفرنسي؛ كما جندت كتيبة من المتطوعين السوريين للمشاركة في حرب فلسطين سنة 1948. ثم كانت مشاركتها الناجحة في أول إنتخابات تشريعية بسوريا بعد استقلالها.

2 – مشاركة الأخوان في الحكم :

شارك الإخوان في الإنتخابات التشريعية لسنة 1948 بعدد وافر من المرشحين، إلا أنهم لم يفوزوا إلا بمقعد وحيد. وكان ذلك، حسب تأكيدهم، نتيجة لتزوير الانتخابات، مما حدا بهم إلى العمل جاهدا على حمل المواطنين على المطالبة بإعادتها. فكانت أزمة سياسية كبيرة أظهر فيها الإخوان قدرة فائقة في التعامل مع الجماهير، مما اضطر السلطات إلى الإذعان للمطلب الشعبي وإعادة الانتخابات.

وفي هذه الانتخابات الجديدة، توصل المراقب العام للإخوان الدكتور مصطفى السباعي إلى الفوز؛ وهذا نمّى ولا شك دور الإخوان السياسي بداية من الخمسينات. فعلاوة على مشاركتهم في الحكم، كانت لهم على الصعيد الخارجي مواقف اتسمت بصبغة قومية مكنتهم من حظوة شعبية كبيرة.

فقد ساندوا مصر سنة 1956 عند تأميم قناة السويس، بالرغم من العلاقة المشبوهة التي كانت قائمة بين جمال عبد الناصر والإخوان المسلمين بمصر واضطهاده لهم؛ ثم أعلنوا عن تأييدهم المبدئي، سنة 1958، للوحدة بين مصر وسوريا. إلا أنهم قاطعوا هذه الوحدة عندما حل الرئيس المصري تنظيم الإخوان المصريين وزج بزعمائه بالسجن، متهمين جمال عبد الناصر بالديكتاتورية.

وبلغت الحركة أوج نجاحها في الحياة السياسية عندما تم الانفصال بين سوريا ومصر سنة 1961، إذ فازت قائمة مرشحيها بقيادة عصام العطار فوزا ساحقا، الشيء الذي كرس زعامة الإخوان وركز دورهم الفاعل نهائيا على الساحة السياسية السورية.

ولما حدث الانقلاب العسكري في مارس 1962، مطيحا بناظم قدسي ورئيس وزرائه معروف الدواليبي، كان عصام العطار ممن دُعي إلى تأليف الحكومة الجديدة، أي مع أكرم حوراني وبشير العظمة. إلا أنه لما تم إسناد رئاسة الوزراء لهذا الأخير، لم يُرض ذلك الإخوان فقاطعوا الحكم، متهمين بشير العظمة بالشيوعية. فكان ذلك مما أدى إلى إبعاد عصام العطار عن سوريا ونفيه إلى ألمانيا. وبهذا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ التنظيم.

3 – معارضة الإخوان المسلحة أو الجهاد المقدس :

أحدث إبعاد عصام العطار عن سوريا فراغا نوعيا وتسبب في خلل تنظيمي للحركة، لأهمية مكانة العطار بالتنظيم، إذ هو المراقب العام، أي قطب الرحى فيه؛ فكان أن أدى ذلك بالحركة إلى تنظيم جديد مع تجديد للهياكل وتغيير لأساليب العمل.

ولكن لم يقف التنظيم عن النضال مع العمل على تجديد قيادته وتغيير أساليب نشاطه. ولما عقد، سنة 1971، مؤتمره العام، وقع انتخاب عدنان سعد الدين مراقبا عاما جديدا للتنظيم. وقد تزامن هذا الحدث مع ارتقاء حافظ الأسد إلى الحكم.

ومع التغيير الهيكلي، ظهر اتجاهان جديدان بالحركة : اتجاه سياسي يمثله عبد الرحمان خليفة وسعد حوى؛ واتجاه عسكري، أو ما يسمى بالطليعة المقاتلة، وأهم القادة به مروان حديد وعدنان عقلة. ورغم ما كان يحرص الاتجاهان عليه من العمل بانسجام وتعاون، فلقد استأثر الاتجاه الثاني شيئا فشيئا بالأحداث، مستقطبا اهتمام المراقبين. ولا عجب في ذلك بما أن هذا الاتجاه السياسي، أي الطليعة المقاتلة، يمثل الجناح العسكري لحركة الإخوان، ويضم حوالي سبعة آلاف مقاتل.

ولعله من المفيد الإشارة إلى أن تأسيس هذا الجهاز الهام بالمنظمة كان على يد زعيم من مدينة حماة، وهو مروان حديد، الذي كان من أشد المبغضين للنظام العلوي. وقد وقع اغتياله سنة 1975، فخلفه في القيادة عدنان عقلة، وهو مهندس شاب، لم يبلغ آنذاك الثلاثين من عمره، إلا أنه كان شديد الحماس في التزامه بمواصلة رسالة سلفه مع العمل الحثيث على الأخذ بثأره.

فكان أن قامت الطليعة المقاتلة بعدة عمليات عسكرية، من أهمها عملية المدرسة العسكرية سنة 1979 التي أودت بحياة حوالي سبعين شابا علويا. وكانت تلك العملية بمثابة الشرارة الأولى في فتيل الحرب الأهلية.

ثم تبعت هذه العملية مجزرة حماة، وهي معقل الإخوان، فذهب ضحيتها حوالي ألفين من مناضلي التنظيم الإسلامي وخمسمائة عسكري من القوات النظامية. ولم تسلم بقية المدن السورية من التفتيشات والاعتقالات للقضاء على تنظيم الإخوان أو ما سماه وزير الإعلام السوري بالجرثومة الفتاكة، حسب تعبيره.

4 – الجانب المذهبي للأزمة السورية :

ما من شك أن الأزمة السورية لها وجه نظري عقائدي يخص تصور نظام الحكم من وجهة إسلامية، ويأتي ذلك على خلفية ممارسة السلطة السياسية بالبلاد.

فما من أحد يشك في طبيعة نظام الأسد الاستبدادية، وقد عُرف بالفساد والرشوة والمحسوبية، إضافة إلى الانفراد بالحكم، والتحكم في الرقاب بقوة السلاح، وإيثار ذوي القربى وإطلاق أيديهم لتعيث في البلاد فسادا، خاصة مع شقيق الرئيس حافظ الأسد، عصمت الأسد، صاحب سرايا الدفاع المتوحشة.

وينضاف إلى هذا السبب المذهبي الأساس طبيعة نظام الأسد العلوية، التي هي فئة من غلاة العلويين تسمى بالنصيريين، فهم يحكمون أغلية سنية تعتبر حكامها أقلية جاحدة، بل كافرة.

ولاشك أن الحلف المتين الذي يربط النظام السوري بروسيا، خاصة عندما كانت هذه البلاد شيوعية، زاد في نقمة الشعب على الأقلية الحاكمة بلاده. فقد أدت ضرورة توطيد حكمه بالنظام السوري إلى إحكام التحالفات الاستراتيجية، ومنها ذاك التناغم مع الثورة الإيرانية التي ساندته بإدانة تنظيم الإخوان المسلمين فشجعت على التبرأ منهم.

وكان أن حمل كل هذا الإخوان المسلمين على التحالف مع تشكيلات المعارضة في الداخل والخارج، بما في ذلك الشيوعيين، لهدف يوحّد الجميع، رغم الخلافات الجوهرية، ألا وهو تحقيق خلاص الشعب من النظام العلوي النصيري. ومن ذلك جاء التعاون الوثيق مع حزب البعث العراقي مناهضة لساسة دمشق.

ولعبت الأنظمة العربية الغنية بالجهة دورا كبيرا في تدعيم المعارضة، خاصة وأنها لم تستسغ تحالف عائلة الأسد مع نظام طهران، إذ رأت في ذلك تهديدا لأمنها واستقرارها. فتواترت الأنشطة بالداخل والخارج للتدليل على الطبيعة الاستبدادية للنظام السوري والعمل على تشويه صورته بالخارج إضافة إلى إضعافه بالداخل.

وطبعا، دفع هذا بالنظام السوري إلى الدفاع عن نفسه بالعمل جاهدا على التدليل بأن دولته علمانية، لا تشوبها شائبة، إذ يرفع حزب البعث السوري شعار الفصل بين السلطة الدنياوية والسلطة الدينية، بينما ينادي الإخوان المسلمون بدولة إسلامية على شكل خلافة يجمع فيها الخليفة بين أمور الدنيا والدين.

ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى أنه سبق اشتعال النيران في الفترة الأخيرة بالبلاد السورية هدوء نسبي كان من باب التخطيط التكتيكي من طرف الإخوان؛ إذ هدفه، حسب قولهم، إعادة خلط لأوراق اللعبة السياسية مع تقويم للأخطاء السابقة، خاصة منها العسكرية، وذلك ضبطا لخطط المستقبل حتى تكون هادفة وناجحة. وهذا ما نحن نعيشه اليوم عقب اندلاع ثورات الربيع العربي.

فهل للتجربة السورية دلائل تُستخلص خارج حدود سوريا أم أن مميزات بلاد الشام وخصائص الحركة بها لا يمكن تصديرهما لبقية البلاد العربية، إذ لكل وطن روحه وقواده ولكل شعب نبوغه الخصوصي وعبقريته؟ إن غدا لناظره لقريب !