انطلقت يوم السبت 4 أكتوبر الجاري حملات الإنتخابات التشريعية التي سيتمّ إجراؤها يوم 26 من هذا الشهر. هذه الحملة التي ستستمر إلى غاية الرابع والعشرين من الشهر الحالي شهدت منذ اليوم الثالث من بدايتها تجاوزات عديدة من طرف قائمات حزبية ومستقلة تناست ما جاء في القانون الإنتخابي من عقوبات. وقد كشفت الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات عن وجود عديد التجاوزات تهم عديد الأحزاب محذّرة من المرور إلى اتّخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين.

وتعرف الإنتخابات التشريعية تنافس 1372 قائمة حزبية ومستقلة موزعة على 33 دائرة انتخابيّة للحصول على مقاعد في البرلمان القادم الذي سيتولى المهام التشريعية لمدة خمس سنوات، كما ستقوم الأحزاب الحاصلة على الأغلبية فيه بتشكيل الحكومة.

ويتضمّن القانون الإنتخابي جملة من البنود التي تنص على العقوبات التي على الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات أن تتّخذها في صورة حدوث مخالفات خلال الحملات الإنتخابية. وفي انتظار تطبيق هذه العقوبات تعمل هيئة الإنتخابات جنبا إلى جنب مع المنظمات الرقابية على رصد هذه التجاوزات وتوثيقها بهدف حماية الإنتخابات من مظاهر الغش والتزوير. غير أنّ هذه الجهود المبذولة لم تفتّ في عزم عدد كبير من المترشحين في سعيهم إلى منافسة غير شريفة حضرت فيها ممارسات غير أخلاقية وغير قانونية لعلّ من أبرزها تمزيق الملصقات أو شطبها أو نشر لافتات غير مرخّصة بالشوارع أو على السيارات.

وإضافة إلى الإشكال القانوني الذي تمثّله هذه التجاوزات فإنّ بعض المترشّحين للإنتخابات التّشريعية يتعاملون باستهتار شديد مع الجانب الأخلاقي الذي يتوجّب عليهم احترامه أثناء القيام بحملاتهم الإنتخابيّة. فبعض الأحزاب السياسيّة التي تروّج من خلال برامجها لصورة ناصعة ترتكز على تطبيق القانون على الجميع وضمان احترامه، تعمل ميدانيّا على خرق أبسط قواعد الشفافية والمنافسة الشّريفة لتقدّم بذلك صورتها الحقيقية بعيدا عن الإدّعاءات الإنتخابية المبالغ فيها. فإثر فضيحة تزوير التزكيات للإنتخابات الرّئاسية يشرع مترشّحون للإنتخابات التشريعية في تشويه هذه الإنتخابات بما يفضح نواياهم السيّئة في الوصول إلى المناصب بطرق غير مشروعة.

تجاوزات بالجملة ومجهولون في قفص الإتّهام

ينظّم الباب الرّابع من القانون الإنتخابي الفترة الإنتخابية وفترة الإستفتاء وينظّم القسم الأوّل من هذا الباب الحملة الإنتخابية ومراقبتها. وتنصّ فصول هذا القسم على المخالفات التي يحجّر القانون الإنتخابي ارتكابها أثناء الحملة الانخابية وهي كالآتي:

الفصل 52
تخضع الحملة إلى المبادئ الأساسیة التالیة:
• حیاد الإدارة وأماكن العبادة،
• حیاد وسائل الإعلام الوطنیة،
• شفافیة الحملة من حیث مصادر تمويلھا وطرق صرف الأموال المرصودة لھا،
• المساواة وضمان تكافؤ الفرص بین جمیع المترّشحین،
• احترام الحرمة الجسدية للمترّشحین والناخبین وأعراضھم وكرامتھم،
• عدم المساس بحرمة الحیاة الخاصة والمعطیات الشخصیة للمترشحین،
• عدم الدعوة إلى الكراھیة والعنف والتعصّب والتمییز.

الفصل 53
يحّجر توزيع وثائق أو نشر شعارات أو خطابات متعلقة بالدعاية الإنتخابیة أو بالاستفتاء وذلك مھما كان شكلھا أو طبیعتھا بالإدارة والمؤسسات والمنشآت
العمومیة، من قبل رئیس الإدارة أو الأعوان العاملین بھا أو منظوريھا أو الموجودين بھا.
وينطبق ھذا التحجیر على المؤسسات الخاصّة غیر المفتوحة للعموم.
ويحّجر استعمال الوسائل والموارد العمومیة لفائدة قائمة مترّشحة أو مترّشح أو حزب.

الفصل 54
تحّجر الدعاية الإنتخابیة والمتعلقة بالاستفتاء بمختلف أشكالھا، بالمؤسسات التربوية والجامعیة والتكوينیة وبُِدور العبادة، كما يحجر إلقاء خطب أو
محاضرات أو توزيع إعلانات أو وثائق أو القیام بأي نشاط دعائي بھا.

الفصل 55
يتعین على السلطة ذات النظر أن تتخذ التدابیر اللازمة لضمان احترام واجب الحیاد.
ويتعیّن على رئیس الإدارة الذي تبیّن له مخالفة واجب الحیاد تحرير تقرير في الغرض يكون مرفقا بالمؤيدات اللازمة وإحالة نسخة منه إلى الھیئة.

الفصل 56
تحّجر كل دعاية انتخابیة أو متعلقة بالاستفتاء تتضمن الدعوة إلى الكراھیة والعنف والتعصب والتمییز.

الفصل 57
يحّجر الإشھار السیاسي في جمیع الحالات خلال الفترة الإنتخابیة.ويخول للصحف الحزبیة القیام بالدعاية خلال الحملة الإنتخابیة في شكل إعلانات إشھار لفائدة الحزب التي ھي ناطقة باسمه والمترّشحین أو القائماتالمترّشحة باسم الحزب فقط. ويمكن للمترشح في الإنتخابات الرئاسیة استعمال وسائط إشھارية، وتضبط الھیئة شروطھا.

الفصل 58
يحّجر في الفترة الإنتخابیة الإعلان عن تخصیص رقم ھاتف مجاني بوسائل الإعلام أو موزع صوتي أو مركز نداء لفائدة مترّشح أو قائمة مترّشحة أو حزب.

ورغم كلّ هذه الفصول المنظمة للحملة الإنتخابية فقد رصدت هيئة الإنتخابات مخالفات تتمثّل أساسا في تعليق ملصقات القائمات الإنتخابية بغير الأماكن المخصصة لها وإلصاق بعض الاحزاب للافتات عملاقة بالشوارع والأماكن العمومية. وفي تصريح لنواة أكّد عضو الهيئة المستقلة للإنتخابات نبيل بفون أن مراقبي المخالفات يعملون على رصد كل الإخلالات بغاية التنبيه على مرتكبيها وتنفيذ العقوبات الضرورية في حقهم. وبيّن بفون أن من بين التجاوزات شطب معلقات بعض القائمات باستعمال مادة الدهن أو تعليق برامج انتخابية تحمل صور مرشحين للإنتخابات الرئاسية إضافة إلى رصد سيارات متنقلة تحمل شعار أحزاب أو قائمات تقوم بالدّعاية عبر الأبواق. كما أكد بفون أنّ بعض المورطين في تخريب الملصقات الإنتخابية مازالوا مجهولي الهوية نظرا لحدوث هذه العمليات في وقت متأخر من الليل. هذا إضافة إلى عقد بعض المترشحين لإجتماعات عامّة غير مرخّصة.

و قال عضو هيئة الإنتخابات لسعد بن حمد في تصريح إعلامي أنّ الهيئة قامت بتوجيه تنبيهات لعدد من القائمات الإنتخابية وأكد أن الهيئة العليا والهيئات الفرعية ستقوم باتخاذ إجراءات قانونية في حق بعض المخالفين. وأكد بن حمد أنّ من بين الأحزاب التي تلقت تنبيها حزب حركة النهضة التي سارعت للإمتثال لقرار الهيئة الفرعية للإنتخابات بجندوبة بإزالة لافتة كانت معلقة بأحد الشوارع. كما تحدّث بن حمد عن إخلالات بخصوص تمويل الحملات الإنتخابية حيث أكّد عدم قيام بعض القائمات بفتح حساب بنكي أو تعيين وكيل مالي مما قد ينجرّ عنه إسقاط القائمة المخالفة.

من جهتها اشتكت عديد المنظمات المهتمة بمراقبة سير العمليات الإنتخابية من عدم انضباط عدد من المترشحين للإنتخابات التشريعية خلال الأيام الأولى من الحملة الإنتخابية. وقد أكد رئيس شبكة مراقبون رفيق الحلواني في تصريح إذاعي أن ظاهرة تمزيق القائمات تعتبر عمليات تخريب وعبث وعلى النيابة العمومية التحرك بسرعة لمعاقبة الفاعلين. كما تطرّق الحلواني إلى تلقّي بعض المواطنين لإرساليات معايدة من قائمات وشخصيات حزبية معتبرا ذلك أمرا غير قانوني نظرا لأنه لا يحق لأيّ حزب إزعاج المواطنين أو الإطّلاع على قاعدة بياناتهم.

عقوبات غير مجدية وتساهل في تطبيق القانون

تعتبر العقوبات المضمنة بالقانون الإنتخابي من أهمّ نقاط ضعف هذا القانون والتي لاقت انتقادات كبيرة من طرف خبراء ومحلّلين سياسيين. وقد انتقد خبراء في القانون عدم أهمية بعض هذه العقوبات والتي يمكن للأحزاب تجاوزها بسهولة نظرا لكونها لا تنص على إسقاط القائمة أو منع المخالف من الترشح. وبخصوص عقوبات التجاوزات الحاصلة في الحملات الإنتخابية والتي تم رصدها فإن أغلبها تتمثل في خطايا مالية تترواح بين 100 دينار و 5 آلاف دينار ولا يتم التنصيص فيها على إسقاط القائمة أو السجن إلا في حالة الإعتداء على مكاتب الإقتراع أو الناخبين أو منع الناخبين من الدخول إلى مكاتب الإقتراع وهو ما يهمّ يوم الإقتراع لا فترة الحملة الإنتخابية.

وقد انتقد رئيس منظمة عتيد لمراقبة الإنتخابات معز بوراوي في تصريح لنواة تمشيّ بعض الهيئات الفرعية للإنتخابات، إذ اعتبر أن تكوين أعضاء هذه المكاتب الفرعية مازال غير مكتمل بما يكفي وخصوصا في ما يتعلق بإلمامهم بالقانون الإنتخابي. واعتبر بوراوي أن هذا النقص في التكوين قد برز من خلال عجز ممثلي هذه الهيئات عن اتخاذ قرارات فورية في ما يتعلق بالمخالفات المرصودة. وذكر معز بوراوي حادثة تمثلت في صمت الهيئة الفرعية للإنتخابات بالقيروان أمام تعليق أحد الأحزاب لافتة إشهاريّة عملاقة بمدخل المدينة تحمل شعار الحزب وأهدافه.

على إثر ما شاب الترشّحات للإنتخابات الرئاسية من تزوير في التزكيات وما تعرفه حملات الأحزاب للإنتخابات التشريعية من مخالفات قانونية وأمام صمت الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات واكتفائها بالتهديد والوعيد دون مرور إلى تطبيق العقوبات، يتخوّف الشارع التونسي من تأثير هذه الإخلالات على المسار الإنتخابي وتضرر بعض المنضبطين من المترشحين منها. هذا وقد بدأت موجة من العنف السياسي تجتاح هذه المناسبة السياسية الهامة على غرار تعنيف بعض المترشحين من ولاية جندوبة من طرف مواطنين وتعنيف إحدى المترشّحات بمنطقة سيدي البشير بولاية تونس، إضافة إلى تحرّك بعض الصفحات على المواقع الاجتماعية لإشعال منافسة شرسة باستعمال الشتائم والتشويه خصوصا بين أحزاب كبرى كحركة النهضة ونداء تونس والجبهة الشعبية.