recapitalisation-banques-publiques-tunisie-2

بقلم محمد سميح الباجي عكاز،

قبل انتهاء الجدل القائم في الأوساط السياسيّة والاقتصادية حول وضعيّة القطاع المصرفيّ العموميّ، صادق مجلس نوّاب الشعب مساء الخميس السادس من أوت 2015 على مشروع رسملة البنوك العمومية الذي رصد مبلغ 757 مليون دينار لفائدة الشركة التونسية للبنك و110 مليون دينار لفائدة بنك الإسكان، في حين تقرّر التفويت في مخصّصات المحفظة الماليّة الراجعة إلى البنك الوطني الفلاحي الذي خضع بدوره الى عملية تدقيق انتهت الاسبوع الماضي.

الجدل وردود الفعل الرافضة لعمليّة الرسملة تواصلت حتّى بعد تمرير القانون المذكور، حيث تحرّك بعض النوّاب ومنظّمات المجتمع المدنيّ للمطالبة بوقف العمليّة وإعادة النظر في ارتدادات مثل هذه الخطوة على القطاع المصرفيّ العموميّ والقطاع العامّ بشكل عام.

قراءة في واقع القطاع المصرفيّ العموميّ وآفاق عمليّة الرسملة وارتداداتها على الاقتصاد الوطني والاستثمار العمومي

وضعيّة القطاع البنكيّ العموميّ ومستقبل هذا القطاع لم يغب لحظة عن طاولة المجالس الوزاريّة المتعاقبة منذ جانفي 2011، إلاّ أنّ الحسم لم يتمّ إلاّ منذ أيّام قليلة بعد أن حاولت الحكومات المتتالية التنصّل من مسؤوليّة أخذ قرار في هذا القطاع الاستراتيجيّ.

عمليّة التدقيق ودراسة الوضعيّة الحقيقيّة لبنوك العمومية الكبرى على غرار الشركة التونسيّة للبنك والبنك الوطني الفلاحي وبنك الإسكان انطلقت منذ سنة 2012 عبر مكاتب دراسات دوليّة أنهت تقريرها نهاية السنة الفارطة تزامنا مع الانتخابات التشريعيّة والرئاسيّة ليتأجّل القرار إلى حين استقرار المشهد السياسيّ.

القرار بإخضاع البنوك العموميّة للرسملة تمّ المصادقة عليه في 06 أوت الجاري بأغلبيّة مريحة في مجلس النوّاب بعد أشهر من النقاشات والمداولات صلب لجنة الماليّة ومع وزير الماليّة حول مشروع القانون 37-2015.

⬇︎ PDF

نواة تناولت الملّف منذ سنة تقريبا حين كثر الجدل حول مصير هذه البنوك العموميّة وتمّ تداول سيناريوهات عديدة لمستقبل القطاع المصرفيّ العموميّ.

الحلول التّي طرحت حينها تمثّلت في ثلاثة خيارات رئيسيّة:

– الرسملة: تقوم هذه العمليّة على الترفيع في رأس مال البنوك المستهدفة، وهي عملية تعتمد على التمويل من خلال ضخ الحكومة للأموال في المصرف، ويتم ذلك إما بصورة مباشرة من خلال قيام المصرف بإصدار أسهم تشتريها الحكومة أو من خلال اكتتاب عموميّ يقلّص شيئا فشيئا من حضور الدولة في البنك العموميّ.
وتهدف الرسملة إلى تخفيض مخاطر المؤسسات المالية التي يتم ضخ الأموال فيها، ومن ثم زيادة قدرتها على الاستمرار ومواجهة عجزها الذي يناهز 2 مليار دينار بالنسبة للبنوك العموميّة التونسيّة.

– الدمج: دمج البنوك العموميّة الثلاث في كيان بنكي موحّد لخلق قطب مصرفيّ عملاق يكون قادرا على القيام بدوره التقليديّ في تمويل المشاريع العموميّة الكبرى والتشجيع على الاستثمار العمومي ومؤازرة المؤسّسات الحكوميّة المتعثّرة، خصوصا وأنّ المصارف الحكوميّة تسيطر على ما يناهز 35% من حجم التداولات.
ويمكن تعريف الدمج بأنه اتفاق يؤدي إلى اتحاد مصرفين أو أكثر إراديا أو لا إراديا في كيان مصرفي واحد بحيث يكون الكيان الجديد ذو قدرة أعلى وفاعلية أكبر وزوال الشخصية القانونية المنفصلة لكل منهم.
هذا الخيار الذّي يتبنّاه عديد من الخبراء الاقتصاديّين وحتّى بعض نوّاب مجلس الشعب تمّ اسقاطه من المناقشات الحكوميّة لعدّة اعتبارات من ضمنها الحاجة إلى حلول عاجلة في ظلّ تدهور الوضع الاقتصاديّ الراهن بحسب الجهات الرسميّة.
هذا إضافة إلى النتائج السلبيّة التي أعقبت دمج بنكيّ التنمية السياحيّة وبنك التنمية الاقتصاديّة سنة 1999 صلب الشركة التونسيّة للبنك وهو ما أدّى إلى تردّي وضعيّة هذه الأخيرة بعد أن ورثت التعهّدات الغير مسدّدة في القطاع السياحي والصناعي للبنكين المذكورين.

– الخصخصة: وهو الخيار الأخطر باعتباره بداية النهاية للقطاع العامّ في تونس ككلّ حيث تلعب البنوك العموميّة دور القاطرة في تمويل المشروعات الحكومية الكبرى والصفقات العموميّة والاستثمار التنمية. هذا الخيار كان الأكثر حضورا في توصيات هيئات النقد الدوليّة والتّي تدفع نحو تغييرات جذرية للاقتصاد التونسيّ لعلّ أبرز محاورها استقالة الدولة من دورها في الحياة الاقتصاديّة.
وتقوم خصخصة المصارف العموميّة على أساس قيام الدولة بتحويل ملكية المصارف جزئيا أو كليا إلى القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي. ولكنّ الخبير في المخاطر الماليّة الذّي كان لنواة حوار مطوّل معه حول واقع القطاع المصرفيّ العموميّ وآفاق عمليّة الرسملة لم ينفي أنّ هذه الخطوة قد تكون بداية لعمليّة خصخصة مرحليّة في ظلّ إرادة سياسيّة للتخلّص من عبأ القطاع العموميّ ككلّ.

الوضعيّة الشائكة للقطاع البنكي والماليّ العموميّ كانت محور لقاء مطوّل مع الخبير في المخاطر الماليّة مراد الحطّاب. حيث تناول الحوار جميع الجوانب المتعلّقة بهذا القطاع الاستراتيجيّ وانعكاسات الأزمة الحاليّة والقانون الجديد على واقع الاستثمار العموميّ ومستقبل القطاع الماليّ بشكل عامّ، إضافة إلى الأسباب الحقيقيّة للعجز الذّي ينخر البنوك العموميّة الكبرى في تونس وملابسات عمليّة التدقيق وآفاق نجاح عمليّة الرسملة.

عمليّة البحث عن حلول للوضعيّة الشائكة التي وصلت إليها البنوك العموميّة، غيّبت عن الشأن العام الأسباب التّي نخرت ذلك القطاع قبل 14 جانفي والمتمثّلة أساسا في القروض الهائلة لرجال الأعمال وحاشية الرئيس السابق دون ضمانات ودون أن يتم تسديد معظمها حتّى هذه اللحظة.

وقد مولّت هذه الأخيرة شركات مرتبطة بعائلة الرئيس المخلوع بمبالغ تصل قيمتها إلى 1.75 مليار دينار وما يقارب من 30 % من هذه المبالغ قُدّمت نقدا دون أية ضمانات للسداد، وهو دليل على حجم الفساد وسوء التصرّف الذي كان ينخر هذه المؤسّسات العموميّة التي وضعها المسؤولون عنها تحت تصرّف الحاكم وحاشيته دون اعتبار للقوانين واللوائح المعمول بها.

وتجاوزت سياسة المحسوبيّة وإهدار المال العام الرئيس السابق وحاشيته لتشمل مجموعة من رجال الأعمال الذين استفادوا بحكم نفوذهم وقربهم من دائرة السلطة، من تسهيلات بنكيّة كبرى وقروض دون ضمانات.

وقد أعلن المقرر العام للجنة الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد في المجلس الوطنيّ التأسيسي منذ سنتين تقريبا، نجيب مراد، أنّ 126 رجل أعمال تحصلوا على حوالي 7 مليارات دينار من البنوك العمومية في عهد بن علي دون إرجاعها إلى اليوم، وكأنّ تلك الأموال قد محيت مع هروب بن عليّ في حين أنّها لا تزال ضمن الدورة الاقتصاديّة الوطنيّة وتعود بالفائدة على المقترضين في الوقت الذّي تعيش فيه المؤسّسات البنكيّة العموميّة أزمة قد تعصف بالقطاع العامّ بمجمله.

وتتزامن المصادقة على قانون رسملة البنوك العموميّة مع جملة من الإجراءات الاقتصاديّة الرامية إلى طيّ صفحة الانتهاكات الماليّة السابقة على غرار مشروع المصالحة الوطنيّة الاقتصاديّة ومشروع الإصلاح الجبائيّ والتعديلات المتوقّعة في مجلّة الاستثمار الجديدة والتي تمّ سحبها خلال حقبة مهدي جمعة إثر ضغوط كبيرة من منظّمة الأعراف.

هذا التزامن الذّي يصبّ في مصلحة فئة دون غيرها يفتح الباب أمام مرحلة جديدة بدأت ملامحها في التشكّل عبر انسحاب تدريجيّ للدولة كفاعل اساسيّ في الدورة الاقتصاديّة وترك الساحة المالية والاقتصاديّة كاملة للقطاع الخاصّ المحليّ والأجنبيّ في وقت تتصاعد فيه حدّة المعاناة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، لينحصر اهتمام الدولة على العامل الأمنيّ والحرب على الإرهاب متناسيّة إرهاب الجوع والفقر الذّي يتزايد يوما بعد يوم.