election-militaire-police-tunisie-vote

لم تتوصل لجنة التوافقات داخل مجلس نواب الشعب التونسي إلى إنهاء الجدل المتعلق بحق القوات الحاملة للسلاح في المشاركة في التصويت في الانتخابات البلدية الذي اقترحت بعض الأحزاب إدراجه ضمن مشروع قانون الانتخابات والاستفتاء استعدادا للانتخابات البلدية القادمة وقد ظل هذا الحق محل جدل بين الكتل البرلمانية إلى آخر لحظة.

وإن اتفق النواب في الجلسات الأخيرة على عدم تشريك العسكريين فإن الجدل بقي قائما بشأن مشاركة الأمنيين. تعددت الآراء كذلك خارج قبة البرلمان في صفوف منظمات المجتمع المدني وفي تصريحات لنقابيين أمنيين وقيادات عسكرية وأمنية.

في الوقت الذي تبدي فيه الهيئة المستقلة للانتخابات تخوفها من مزيد تأجيل المصادقة على القانون ما يعني تأجيل موعد الانتخابات البلدية الذي كان مقررا في مارس 2017. الموعد الذي بات مستبعدا بصفة كبيرة نظرا للاستعدادات التي تتطلبها الانتخابات البلدية.

يؤكد هذا الجدل وجود رغبة سياسية في إقحام القوات العسكرية والأمنية في الحياة السياسية (1). وهي رغبة يراها البعض معارضة لأحكام الدستور التونسي الذي يؤكد على الحياد التام لهذه المؤسسات فيما يعتبرها آخرون تكريسا للمساواة التامة بين المواطنين وإقرارا لحقوق مدنية وسياسية كانت مغيبة منذ الاستقلال (2).

1 – إقحام القوات الأمنية والعسكرية في الحياة السياسية : مواقف متباينة تؤجل المصادقة على قانون الانتخابات والاستفتاء

تختلف مواقف الكتل النيابية حول ملف مشاركة الأمنيين والعسكريين في التصويت.وتبدوا الآراء متضاربة حتى داخل الكتل الممثلة في الحكومة الحالية.

إذ انقسمت الآراء بين من يرفض إسناد الحق للأمنيين والعسكريين في الانتخاب، خلال الانتخابات البلدية المقبلة، على أن يتم تمتيعهم بهذا الحق في الانتخابات التي تليها، وهو رأي كتلة حركة النهضة، وشق من كتلة حركة نداء تونس، وبعض المستقلين من نواب التيار الديمقراطي وحراك تونس الإرادة، فيما يبرز رأي آخر تتصدره كتلة الجبهة الشعبية وحزب آفاق تونس يدعو إلى إسناد هذا الحق على قاعدة المساواة بين المواطنين دون تأجيل وبصورة استثنائية منحه للأمنيين دون العسكريين.

وقد انعكس هذا الاختلاف أيضا في صفوف منظمات المجتمع المدني وبعض الشخصيات الحقوقية والعسكرية والأمنية.

اعتبر رئيس جمعية ”عتيد“ معز بوراوي، أن مجلس نواب الشعب يناقش أمرا محسوما دستوريا حيث يكفل دستور الجمهورية الثانية حق الانتخاب لكافة المواطنين دون استثناء بما في ذلك الأمنيين والعسكريين وهو ما تخوله أيضا المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها تونس مشيرا إلى أن الأمنيين والعسكريين مطالبون بالحياد التام لدى أداء مهامهم وعند حملهم للزي و السلاح ما عدا ذلك فإنهم مواطنون يمارسون حقوقهم كغيرهم من التونسيين على غرار القضاة والإعلاميين وعديد الأسلاك المطالبة بالالتزام بالحياد في اضطلاعها بمهامها1.

المؤسسة العسكرية التزمت الصمت إلى حد اللحظة واقتصرت التصريحات على مواقف لقيادات سابقة إذ طالب رئيس أركان جيش البر السابق محمد صالح الحامدي في رسالة إلى الرأي العام بترك القوات الحاملة للسلاح بعيدا عن السياسة خاصة أنه ليس من مصلحة البلاد في الوقت الراهن أن يتسرب هذا ”التلوث“ وفق تعبيره داخل المؤسسة العسكرية والأمنية2. في المقابل فإنّ النقابات الأمنية تدافع بقوة عن حقها في الانتخابات فقد اعتبر عماد بلحاج خليفة الناطق الرسمي باسم الاتحاد الوطني لنقابات الأمن التونسي أن عدم منح الأمنيين حق التصويت يعتبر إقصاء ممنهجا لهم وحرمان لحقهم الدستوري في الانتخاب3.

الهيئة المستقلة للانتخابات أكدت على لسان عضوها السيد نبيل بفون أن مشاركة الأمنيين والعسكريين في الانتخابات البلدية مسألة سياسية بامتياز معتبرا أن الحسم في هذه المسألة يعود إلى أنظار السلطة التشريعية وانه ليس للهيئة دخل في هذا الشأن إلا من الناحية التقنية واللوجستية مشيرا إلى انه في صورة الاتفاق على مشاركة الأمنيين والعسكريين في الانتخابات فان عملية الاقتراع تتم قبل يومين على الأقل من موعد الاقتراع العام باعتبار أن تامين عملية الاقتراع الموافقة عادة ليوم احد يكون من قبل الأمنيين والعسكريين حتى تلتئم في أفضل الظروف4.

2 – الدستور التونسي : حياد المؤسستين الأمنية والعسكرية أم المساواة التامة بين المواطنين

يختلف الخبراء في القانون في تبريرهم لحق الأمنيين والعسكريين في التصويت استنادا إلى فصول الدستور.

يدفع المساندين للحق في التصويت5 بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات (منها الحق الانتخابي) المنصوص عليه بالفصل 21 من الدستور:

المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز.

أما المعارضين لتصويت الأمنيين والعسكريين فيتمسكون بمبدأ الحياد التام في مفهومه الشامل والمطلق المنصوص عليه بالفصلين 18 و 19 من الدستور فممارسة الحقوق والحريات المضمونة بالدستور المكفولة لكل المواطنين تكون ضمن الضوابط القانونية ،و هي حقوق و حريات خاضعة لما يقتضيه الأمن العام و الدفاع الوطني.

الجيش الوطني جيش جمهوري وهو قوة عسكرية مسلحة قائمة على الانضباط مؤلفة ومنظمة هيكليا طبق القانون ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه وهو ملزم بالحياد التام ويدعم الجيش الوطني السلطات المدنية وفق ما يضبطه القانون.الفصل 18

الأمن الوطني أمن جمهوري قواته مكلفة بحفظ الأمن والنظام العام وحماية الأفراد والمؤسسات والممتلكات وإنفاذ القانون في كنف احترام الحريات وفي إطار الحياد التام.الفصل 19

بانقضاء الآجال المحددة لتقديم مقترحات التعديل داخل لجنة التشريع العام ولجنة التوافقات بمجلس نواب الشعب أصبحت مسألة تقديم المقترح المتعلق بمنح العسكريين والأمنيين حق التصويت مرتبطا بإرادة الجهة التي اقترحت مشروع القانون أي الحكومة وفق ما ينص عليه الفصل 121 من النظام الداخلي للمجلس.

وفي انتظار مقترح الحكومة يبقى التخوف من منح هذا الحق مرتبطا بتأثيراته التي يمكن أن تنزع عن المؤسسة العسكرية حيادها التاريخي الذي اتسمت به منذ الاستقلال ويمكن أن تعيد للذاكرة الشعبية التخوف من عودة القبضة الأمنية التي حكمت الدولة قبل 14 جانفي.

هوامش

1. جريدة الصباح، 28 سبتمبر 2016، مقال بعنوان : ”مشاركة الأمنيين والعسكريين في الانتخابات البلدية. ”عتيد“ ترى أن الأمر محسوم دستوريا“ وهيئة الإنتخابات تعتبرها ”مسألة سياسية“.

2. رسالة إلى الرأي العام من رئيس أركان جيش البر السابق محمد صالح الحامدي ، جريدة الصريح، 26 سبتمبر 2016.

3. تصريح لقناة الحوار التونسي، 24 سبتمبر 2016.

4. جريدة الصباح، المصدر السابق.

5. الأستاذة سلسبيل القليبي (جريدة الصريح 26 سبتمبر) والأستاذ أمين محفوظ (جريدة المغرب 30 سبتمبر).