إزاء هذا الوضع البيئي قرّر المواطنون الغيورون على جهتهم والواعون بحقوقهم البيئية الاحتجاج السلمي بكتابة العرائض ومراسلة والي الجهة وتنظيم حلقات نقاش في المقاهي ووقفات احتجاجية. بعد هذه المطالب استجابت الدولة ظاهريا، إذ تفاعلت معهم إيجابيا عبر استدعاء ممثل الأهالي وتخصيص جلسات عمل لمشاكل الجهة في الولاية وإعلان مجموعة من القرارات، التي ظلت حبرا على ورق. وبعد أشهر من الاحتجاج ثَبُت أن الدولة العميقة متمثلة في إدارة المندوبية الجهوية للفلاحة بنابل، بتواطؤ فاضح مع أصحاب المعامل الملوثة للبيئة، قدّمت شكاية ضد “غلق مجرى الوادي و تعطيله ” بمن ارتأت أنهم قادة هذا الاحتجاج، الذين يبلغ عددهم عشرة أشخاص من ضمنهم رجل مسن في الثمانين من عمره.

باعتبار أن التلوث البيئي يهدد كوكب الأرض ومصير الإنسان، نجد أن الدولة التونسية التزمت بإمضاء المعاهدات الدولية البيئية، ووضعت القوانين اللازمة للمحافظة على بيئة سليمة. كما رصدت الإمكانيات المالية لتركيز الوكالات المعنية بالمحافظة على البيئة كالوكالة الوطنية للمحافظة على المحيط والوكالة الوطنية للمحافظة على الشريط الساحلي والمركز الدولي للتكنولوجيا البيئية، وأخيرا بعث جهاز الشرطة البيئية، وغيرهم من الإدارات التي تعتني بموضوع البيئة لكنها بقيت كلها مجرد هياكل عاجزة عن اتخاذ القرارات التي تساهم في الحفاظ على البيئة. وبالعودة إلى قضية التلوث البيئي في سيدي مذكور نجد  بيانا يتيما  أصدرته الوكالة الوطنية للمحافظة على المحيط توعّدت فيه بأخذ الإجراءات اللازمة ضد كل من خلّف تأثيرات سلبية على البيئة في الجهة، إلا أنه على أرض الواقع لم يتغير شيء من مظاهر التلوث، فمياه وادي الحجار مازالت ملوثة والروائح الكريهة منتشرة وعدد المرضى في تزايد.

نعود إلى محاكمة 23 جانفي 2017 التي دارت أطوراها بمحكمة منزل تميم، حيث حضر تسعة من المتهمين ومُسانديهم وغاب المتهم العاشر، وهو رجل في الستين من عمره، وبالسؤال عن سبب غيابه تبيّن أنه مصاب بمرض سرطان الحنجرة وتخلّف عن حضور المحاكمة لأنه يخضع للعلاج بمستشفى صالح عزيّز. شهدت المحاكمة وقفة احتجاجية منذ الصباح شارك فيها فرع قليبية-قربة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والجبهة الشعبية وحضرها مجموعة من المحامين، وبطلب منهم تم تأجيل المحاكمة إلى يوم 06 فيفري 2017 .

عادة ما ترتكز الدراسة العلمية للتأثيرات البيئية على أربعة محاور كبرى هي الأرض والهواء والمياه والإنسان، وفي قرية سيدي مذكور نجد أن الآثار السلبية للتلوث أضرّت بهم جميعا، فلا أرض صالحة للزارعة ولا هواء نقي للتنفس ولا مياه صالحة للري والاستعمال وحتى الإنسان أصبح مهدّدا بالأمراض الخطيرة، مما جعل أغلب أهالي الجهة يفكّرون في بيع أراضيهم والهجرة إلى المدن الكبرى.

في الختام نعود إلى مصدر التلوث والراجع بالأساس إلى السياسة البيئية لأصحاب المصانع، فلقد حان الوقت للابتعاد عن العقلية السكتارية والتفكير الجدي في مستقبل مصانعهم، فكيف ستعيش مصانع قائمة على تحويل الانتاجات الفلاحية حين يتراجع الإنتاج الفلاحي وتصبح الأرض عاقر؟ ماهي مصادر المواد الأولية لضمان الحد الأدنى من الانتاجية في السنوات القادمة إن لم تكن الأرض والفلاح؟ وهل أن تكلفة وضع برامج تحمي البيئة وتكون سندا للمسؤولية الاجتماعية للشركة في جهتها سيكلّفها أكثر مما كلفها التلوث الذي يبشّر بنتائج كارثية في المستقبل؟ إن وقت اللامبالاة بمصلحة المواطن والبيئة ولّى وانتهى، فالمصانع مطالبة اليوم بوضع دارسات وأنظمة للمحافظة على البيئة وتحمّل مسؤولياتها الاجتماعية حتى إن غابت أجهزة الدولة المعنية ولم تحرص على تطبيق القوانين.