من أفصح الشعارات التي رفعت حسب رأيي المتواضع خلال ثورة الأحرار هو بن علي يا جبان شعب تونس لا يهان، بالنسبة للنصف الأول لا أظننا نحتاج إلى شرح مفصل فالكذب والغدر و نكوث العهد و إختلاس أموال الشعب لا أعتقدها من شيم الشهامة ؟ أضف إلى ذلك الطريقة الذليلة التي تم بها الهروب فهل يعقل أن يتصرف رجل عسكري بهذه الرذالة ؟ الشرف العسكري يحتم على صاحبه عدم الفرار حتى و إن أدى ذلك إلى إعتقاله أو مصرعه أو إنتحارة و لكن صاحبنا لا يهتم كثيرا بمسائل الشرف و الكرامة هو يفضل سبائك الذهب على ما يبدو …و حدث و لا حرج عن رئيس دولة يجد نفسه معلقا في الهواء بدون وجهة واضحة و يرفض إستقباله القاصي والداني إلى أن يستقبله النظام الذي إحتضن إيدي أمين دادا في السابق و الشيء من مأتاه لا يستغرب
الغلطة المميتة التي وقع فيها صاحبنا هي أن يسحب مواقفه الشخصية على شعب تونس العظيم متوهما أن هذا الأخير أيضا قد تنصل من كل قيم الكرامة و الحرية مقابل بعض الفتات المادي ثورة الأحرار أثبتت العكس للعالم و للتاريخ رغم الإعتقاد الذي كان سائدا عن قدرته العجيبة أي الشعب التونسي على الإنبطاح والخنوع و الأنانية أخطى راسي و أضرب والإنتهازية الدنيا مع الواقف هذا الشعب يا سادتي الكرام وقف مع بائع فاكهة متجول فقير و مظلوم لا بل مقموع ضد دكتاتور دموي ميلياردير يعتمد على أعتى الأنظمة البوليسية و أقساها ثم أجبره على الإنسحاب …لم يقبل الشعب بالمساومة و القبول بالفتات كالعادة مواطن شغل بعض التضليل من نوع فتح مواقع إنترنت أو سعر الحليب و السكر المطلب الأول والأخير كان رحيل الدكتاتور كرمز و بداية إنطلاقة جديدة يسترد فيها هذا الشعب الأبي وطنه المصادر و حريته و كرامته…إنها لعمري أشبه بملحمة إغريقية و أنا متأكد أنها ستلهم في المستقبل فناني تونس الأحرار من كتاب وشعراء وغيرهم مثل أولاد أحمد و الجبالي و الجعايبي وجليلة بكار و رجاء بن عمار وثلاثتهم تعرضوا تعرضوا للإعتداء و القمع الغاشم خلال الأحداث الأخيرة طبعا النداء ليس موجها لفناني الغلبة و التبندير الذين طغى اللون البنفسجي على أفكارهم فصاروا يهللون و يسبحون و يناشدون الزعيم الفذ و القائد الأوحد أن لا يترك السفينة في 2014 لكي لاتغرق و لن أذكر أسماء لتجنب الإحراج لكن بعضهم اليوم يقبع في ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية

الثورات تتطلب عشرات السنين أو أكثر لمحاولة تحليلها و فهم رموزها ولكن هناك بعض الإستنتاجات التي يمكن التمحيص فيها من الآن قد تكون عبرة لنخبنا السياسية
من أكبر المغالطات التي إستطاع النظام البائد تمريرها لدى الرأي العام التونسي و الدولي لمدة سنوات و ساعدت على بقائه رغم إنتمائه سياسيا إلى القرون الوسطى كالحجاج بن يوسف في زمن ويكيليكس أكذوبتين كبيرتين
1 النمو الإقتصادي المزعوم الذي تبشرنا به قناتنا البنفسجية يوميا فترى صورا وأرقاما تجعلك تخال نفسك في بلد إسكندنافي طبعا هذا النمو كان وهما لأنه لا يهم إلا الشريط الساحلي و يعتمد على قطاعات معينة كالسياحة مهملا قطاعات أخرى أضف إلى ذلك أن ثمار هذا النمو كانت في جزء كبير منها تؤول إلى أرصدة مافيات النهب والسلب و ليس بالنفع على تطور البلد و معيشة المواطن
كذلك لا يجب تجاهل أمرا مهما وهي أن السياسات التعليمية و الصحية والإنجابية و حقوق المرأة وهي كلها من مزايا النظام البورقيبي بدأت تعطي أكلها بعد 20 أو 30 سنة و ليس للنظام المافيوزي دور يذكر فيها في ما يخص النظام التعليمي و نسب النجاح فكانت سياسة شعبوية بحتة بما أنها كانت كارثية في تكوين جحافل من العاطلين ذوي الشهادات و كذلك تدمير المؤسسة التربوية من ناحية المستوى والتأهيل و تحويلها إلى سوق للدروس الخصوصية

2 ثاني الخزعبلات الزعبعية كانت أنه يمثل سدا منيعا في وجه التطرف الديني وقد كانت الظروف المحلية و الجيوستراتيجية ملائمة لتمرير هذه الأكذوبة في التسعينات نجح في إقناع بعض الذين يدعون الليبرالية و الحداثة بأنه يجب إستئصال التطرف الديني مهما تطلب ذلك من تعسف مع الأسف تواطأ معه الكثير و غضوا الطرف عن القمع و التعذيب والتشريد لمجرد رأي مخالف إلى أن أتى عليهم الدور
على المستوى الدولي ساعدت أحداث 11 سبتمبر على ترويج هذه النظرية و قلب الحسابات فباتت القوى الغربية تضع ما تسميه بالحرب على الإرهاب كأعلى أولوياتها و إعتقدت أن رئيس تونس السابق هو تلميذها النجيب و عونها المطيع في هذا المجال
طبعا الخدعة الكبرى هي الإعتقاد بأن سياسات القمع و الإقصاء هي مجدية أنا أعتقد العكس تماما فهي سبب الداء و ليس الدواء لو أخذت شخصا متدينا لا يمارس السياسة و إعتدي يوما البوليس السياسي على أخته أو أمه أو زوجته لنزع الخمار بالقوة فأنت ترمي به في أحضان التطرف…أظن أنه في مجتمع مسلم من الطبيعي أن تكون هناك فئة سياسية إسلامية و هذا موجود منذ القديم ففي أيام الإستعمار كان هناك الشيوعي و الزيتوني التقليدي و الزيتوني المصلح و الدستور الجديد و ثراء المجتمعات يكمن تحديدا في تنوعها لماذا توجد أحزاب مسيحية في ألمانيا و إيطاليا و تلعب بقوانين اللعبة الديمقراطية و نحن نجزم أن الإسلاميين عاجزون عن ذلك؟ التطرف ليس حكرا على أحد يمكن أن يكون شيوعيا أو قوميا أو إسلاميا أو علمانيا أو رأسماليا الحل الوحيد لمحاربته ليس القمع المادي أو الفكري بل هو بنا آليات ديمقراطية صلبة لا تسمح لأي كان بالإنزلاق إلى متاهات التسلط و الجبروت

في الختام أحييى مجددا ثورة الأحرار عندما قالت شعب تونس لا يهان ، و يجب أن تفهم الأنظمة القمعية الأحادية الفاسدة أنها تلعب بالنار إذا ما تمادت في الإستهزاء من كرامة شعوبها و الإستهانة بذكائها فأكثر الشعوب العربية تسامحا و إعتدالا برهن على ذلك و كتب أروع صفحات الحرية في التاريخ العربي المعاصر
لا أعرف إذا كان للحكام العرب المقدرة الذهنية و الثقافية لفهم شعر المتنبي والسبر في معانيه و لكني أهديهم هذا البيت
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام

عاشت تونس حرة منيعة أبد الدهر