أتساءل كل يوم هل بقي للتونسيين أعصاب لتحمل عبث النخبة بالوطن. أربعة أشهر والعبث متواصل. شعب أدهش العالم وأنجز ما لم يتخيله أحد: ثورة سلمية تنتصر على إحدى أقسى الدكتاتوريات. شعب أبدى تحضر في مقاومته جعلته قبلة الزوار من كل حدب وصوب. و الأن أنظر إلى النخبة : لقد قررت اليوم أن أترك جانباً طريقة كتابتي الهادئة في العادة لأن الكأس فاض. وها هي الصورة التي تبدو لي لتونس اليوم: شرذمة من أصحاب الأيديولوجيات البالية و وصوليون يمثلون معظم نخبة البلاد. نخبة راكبة على الثورة تدوس المحرمات الوحيد تلو الأخر وهمها الوحيد الوصول إلى السلطة ولو كان ذلك على خراب و انقاض . نخبة ترفض أن تتحمل مسؤليتها في وقت الشدة. لا نسمع منها شجباً لعنف ولا لتخريب ولا لتعطيل ولا لقطع طريق ولا لغلق مصنع وما أن يصدر من السلطة عنف (الشيء الذي لا أبرره ولكن أفسره) حتى تتكالب كالضباع هي وصفحاتها الكاذبة الملفقة لتنهش في المسؤولين الحكوميين. نخبة ترفض أن تتحمل مسؤلياتها بالمشاركة في الحياة السياسية وتأطير الحركة الشعبية وممارسة حق التظاهر بطريقة حضارية ومسؤولة.

ثم يخرج علينا “سي فرحات” بحديث مقهى (أو كما قال محلل سياسي “تقول يحكي مع مرتو في بيت القعاد”) راح يكيل فيه التهم بالخيانة للوزير الأول و يتجاوز أخر واخطر الخطوط الحمراء وهي إتهام قيادة الجيش الوطني بالخيانة العظمى (عدا ما أكاله للوزير الأول) وأشعل ناراً لم تنطفئ بعد وكان المقصود منها العصف تماماً بالنظام. وبعد أن أدرك الراجحي و”المرجح” أنهم وراءه أن الخطة فشلت وأن تهييج الجماهير لم يأتي بالأكل وفهم أنه على أبواب محاكمة عسكرية تراجع على ما صرح به وأخرج لنا نسخةً أكثر رداءة من مسرحية “غلطوني” أنكر فيها ما قاله سابقاً ومؤكداً أن لا ضغط مورس عليه في تصريحاته الجديدة.

ثم تواصلت المسرحية التراجيدية. بعد سقوط مسؤول سامي دخل إلى قلوب التونسيين إلى حضيض الدسائس جاءتنا السيدة الفاضلة سهام بن سدرين لتفسر لنا نحن شعب تونس الذي يفتح عيونه على الديمقراطية أن إتهامات الراجحي إلى الوزير الأول وقائد القواة المسلحة هي “رأي” وبالتالي لا يجوز ادانته أو مقاضاته لأنه ينضوي تحت مظلة حرية الرأي. وهنا اصارحكم أني بما قرأت ودرست اكتشفت شيئاً لم أكن أعرفه. أن تتهم بدون أدنى دليل رجلاً في منصب يعتبر صمام الأمان لوحدتنا الوطنية، رجلاً لم يستولي على الحكم عندما قدم له في طبق من فضة، أن تتهمه بالخيانة العظمى هو “رأي” تحميه حرية الرأي. يا له من إكتشاف ! فجأةً تذكرت. في وقت المخلوع إتهم “صحافي” من الصحافة الصفراء دون دليل السيدة الفاضلة سهام بن سدرين بأنها عاهرة وجاسوسة لإسرائيل. كل من كان مهتم بالشأن السياسي وحقوق الإنسان في تونس في ذلك الوقت تألم لهذا التهجم الحقير والسيدة الفاضلة سهام بن سدرين حركت جهات في العالم أجمع لالتنديد بذلك الفعل الشنيع. ولكن مهلاً ! السيدة بن سدرين تقول لنا اليوم أن ذلك “رأي” ! أن تتهم إمرأة بالعهر وبيع جسدها وخيانة عائلتها لا يساوي شيئاً أمام إتهام رجل ببيع وطنه وخيانة شعبه ! إذاً “الصحافي” الذي إتهم سهام بن سدرين بالعهر انما كان يعبر عن رأيه ! وكان بإمكانه أن ينظم حوار حول عهرها وربما عهر زوجة الأستاذ عبد الناصر العويني صاحب الخطاب المسعور على قناة الجزيرة يوم 08/05 تحت مظلة حرية الرأي ! لا تقولو لذلك الصحافي أن من آدابنا الإسلامية كشف الستر فما قيمة كشف ستر إمرأة أمام تدمير وطن ! هذه إذاً حرية الرأي. حقاً لم أكن أعلم ! علينا الأن حماية ذلك الصحافي لأننا كلنا نذود على حرية الرأي !

يال تعاستنا بهذه النخبة ! يال تعاستنا ! بعد أن دافعنا بقدر ما استطعنا عن شرفهم وحرمة أجسادهم أمام الدكتاتورية ها هم اليوم يعطوننا درساً في “حقوق الإنسان” لم تجرؤ الدكتاتورية على اعطائه ! “انما الامم الاخلاق ما بقيت فان هموا ذهبت اخلاقهم ذهبوا

أنيس العاشق