بقلم رشيد مشارك،

نحن في مرحلة الانتقال من المشروعية الثورية إلى بناء شرعية المؤسسات انطلاقا من انتخاب المجلس التأسيسي لصياغة الدستور الجديد و من الطبيعي جدا أن تطرح في هذه المرحلة على ساحة الحوار و الجدل و حتى التجاذبات قضايا مثل الائكية و العلمانية و العلاقة بين الدين والدولة من ناحية وبين الدين والسياسة من ناحية أخرى والمطلوب من خلال ذلك دفع الحوارات و تبادل الأفكار حول أحسن المداخل لتنظيم إدارة الشأن العام وما هي الأدوات السياسية والإدارية و ما هي مواصفات الدولة المؤهلة أكثر من غيرها لضمان الحريات الفردية والعامة وإقرار المساواة وهي ليست قضايا هامشية كما يذهب له البعض و إنما هي ا متصلة مباشرة بقيم المواطنة و ويجب التعامل معها بكل ما تستحقه من جدية و مسؤولية ووضوح و سأستعرض في هذه الورقة رؤية حركة التجديد ومقاربتها لهذه القضايا.

ـ هناك إجماع وطني حاصل بين جميع الفعاليات السياسية حول الحرمة الترابية للبلاد واستقلالية القرار الوطني والنظام الجمهوري للدولة والدين الإسلامي واللغة العربية ومن يعمل خارج هذا الإجماع إنما هو يشتغل خارج التاريخ.

ـ هناك توافق وطني يمكن الحصول عليه إذا ما تحلت الأحزاب السياسية ونشطاء المجتمع المدني بروح المسؤولية و بشيء من التواضع أمام الثورة و يكون هذا التوافق في صيغة عقد اجتماعي دائم و غير مرتبط بالأغلبية والأقلية في الحكم أو في المجتمع و يتعلق بالخيار الديمقراطي وآليات تنفيذه و ضمان الحقوق الفردية و العامة والمحافظة على المكاسب و المبادئ المتعلقة بالأحوال الشخصي واحترام الحرمة الجسدية للفرد و إقرار القيم الكونية لحقوق الإنسان ونبذ العنف بكل أشكاله والتعامل الحضاري بين الأطراف السياسية و نبذ كل أشكال التطرف و العنصرية و كل أوجه التمييز و إقرار المساواة بين المواطنين و تساويهم أمام القانون و الدفاع عن الهوية العربية الإسلامية للشعب وإخراجها من دائرة المزايدات والوصاية و التوضيف السياسي وضمان حرية المعتقدات وممارسة الشعائر الدينية وحرية الضمير و حرية الفرد في صياغة قناعا ته الذاتية و حق التعبير عنها وفي هذا السياق تندرج أهمية إقرار البند الأول من الدستور السابق ونقترح المحا فضة عليه في الدستور الجديد و بصيغته تلك لما يحمله من توجهات استراتيجية للهوية الثقافية للشعب التونسي وهو يمكن الدولة من أن تكون الجهة الوحيدة التي ترجع لها مهمة الإشراف على الشؤون الدينية في كل جوانبها من إعداد برامج التربية الدينية للناشئة و ضبط محتوياتها و بناء المساجد وتكوين وتعيين القائمين عليها من أئمة وغيرهم و جعلها أماكن للتعبد والخشوع النفسي بعيدا عن التوترات والتصادمات المذهبية والدعاية السياسية وتهيئة الفضاءات المناسبة للمحاضرات و المناظرات الفكرية حيث تتجادل الأفكار كل الأفكار وبكل حرية لتساهم في إثراء الحياة الفكرية وتعزيز تيار الاجتهاد التحرري في تراثنا ( الطاهر الحداد و الفاضل بن عاشور و غيرهما) هذا التراث الذي يفتخر به الإسلام التونسي.

هذا الإشراف على الشؤون الدينية من طرف الدولة هو جزء من المرافق العامة يجب أن يكون في إطار هيكل إداري مرن ومستقل تماما عن الأحزاب السياسية في السلطة و في المعارضة بما يضمن فصل الدين عن النظام السياسي ويمنع توضيف المقدسات ويتصدى لكل تجاوز في هذا الاتجاه أو ذاك.

إن بين ما تطلبه الائكية من فصل الدين عن الدولة وما تطلبه الدولة الدينية من هيمنة الدين على الدولة وما تمارسه نظم الاستبداد من تسلط الدولة على الدين بين كل هذا وذاك و بالنضر إلى الواقع التونسي اليوم وتواصلا مع الهوية العربية الإسلامية لبلادنا وتواصلا مع التوجهات العقلانية لمجتمعنا والمكاسب الحداثية التي أصبحت جزءا من هوية الشعب فإن مطلب الدولة المدنية بهذا المعنى يمكن أن يجمع حوله وفاقا وطنيا يسهل الدخول في المسار الديمقراطي لمباشرة الملفات السياسية و الاقتصادية ومعالجة الضغوطات الاجتماعية فهو يساعد على تجاوز حدة التوترات السياسية والتصادمات المثيرة للفتنة و الناتجة عن الاستقطاب الإيديولوجي الذي لا طائل من ورائه ولا ينتج سوى الاحتقان السياسي و الاجتماعي المعطل لكل حوار جاد حول أحسسن السبل لتأمين المسار الديمقراطي و تحقيق أهداف الثورة.

ـ هناك القطب الديمقراطي التقدمي الذي نجتهد مع غيرنا في تأسيسه وبناء هويته لنجعل منه قوة سياسية و فكرية تضع من مهامها الدفاع عن الإنجازات العقلانية التي تميزت بها المسيرة التاريخية لبلادنا والمحافظة على المكاسب ضد كل إمكانيات الارتداد السياسي أو الحضاري وربطها بعملية التحديث والإنعتاق الاجتماعي الممتدة جذورها في التراث المستنير لبلادنا ونعمل على تثبيتها كمكون أساسي للهوية الثقافية والفكرية لشعبنا ومظهرا ناصعا من مظاهر حضارته العربية الإسلامية وفي هذا الاتجاه فإننا نرفع كمطلب سياسي و حضاري شعار المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الإرث وفي الشهادة وفي الإمامة ونناضل في سبيل تجاوز كل القوانين التي تشير من قريب أو من بعيد إلى التمييز بين الناس على أساس الجنس أو الدين ونعتبر أن تحقيق ذلك هو وجه من أوجه تحقيق أهداف الثورة وقد شاركت المرأة في صنعها بصفتها مواطنة وبصفتها امرأة ولا نرى في إقرار# ذلك ما يناقض معتقدات شعبنا كما يصوره الذين يرفضون هذا المطلب بل هو في متناول حركة التحرر و الاجتهاد التنويري في الإسلام التونسي إذا ما أراد أن يستوعب القيم الحضارية لمنظومة حقوق الإنسان بكل أبعادها والتي أصبحت اليوم تمثل العتبة الأولى لدخول المجتمعات إلى عصر الديمقراطية.