بقلم محمد فراس العرفاوي،

قبل الحديث عن إصلاح التعليم (يبدو أن أغلب القوى السياسية منصرفة عن هدا القطاع ”الهامشي”و لا تحتاج إيعازا منا) يجدر بنا الحديث عن مشاكل أخرى تواجه المدرسة التونسية. حديثنا هدا ليس عن ظروف الدراسة و لا عن الفساد ولا حتى البرامج، إنما هو عن مسألة مبدئية لو لم تعالج، فلا فائدة ترجى من أي إصلاح: التحرش الجنسي داخل الحرم التربوي.

مسألة دأب التونسيون دائما على تهميشها،على المستوى الرسمي و الشعبي على حد سواء. فلا يكاد منبر إعلامي يدكرها. ووصل الأمر إلى حد تبلور رأي عام خفي بعدم وجودها في تونس إطلاقا. ”عيب يا ولدي” لكن هده المرة لمواجهة كل من ينكر هده الضاهرة في مدارسنا مفسحا بدلك المجال لمزيد من التهاون في مواجهتها.

عرف القانوني للتحرش و حسب الفصل 226 من المجلة الجنائية على أنه :”الإمعان في مضايقة الغير بتكرار أفعال أو أقوال أو إشارات من شانها أن تنال من كرامته وأن تخدش حياءه وذلك بغاية حمله على الاستجابة لرغباته أو رغبات غيره الجنسية أو ممارسة ضغوط عليه من شأنها إضعاف إرادته على التصدي لتلك الرغبات”. كلنا يذكر أستادا أو أستادة “شديد”ّ القرب من جنس معين من التلاميد. يفسر لهم الدرس فلا تكفيه سبورة ولا كتاب، فيقترب و ينحني و يربت و يلمس. لقائل أن يقول أنها مجرد تصرفات بريئة. نعم ربما كانت. ولكن مادا في وسع التلميدة(عادة لا حصرا)أن تفعل؟ غياب التوعية للتلاميد و غياب الأطر القانونية الخاصة بالمدارس يسحب كل أمل في التعرف فمابالك حماية التلميد من هذه الجرائم.

و تتكرر هده الممارسات عادة مصحوبة بتجاوزات أخرى كالتدريس في حالة سكر و غيرها مما للمجتمع و نواميسه فيه قولا و إقرارا بدناءتها. و لا تجد المخالفات الجنسية حظها من الإدانة من المجتمع (اللذي ينكر أو يتنكر لوجودها أصلا). فتحل معظم الحالات “داخلياّ” بين الأطراف المتدخلة ولا يقدم الأهالي غالبا أية شكوى خوفا من “الفضيحة”. لو كان هذا حال الأهالي(إن علموا أصلا) فما بالك بالضحايا أنفسهم. يتحولون إلى جناة حتى تجاه أنفسهم و لا يستطيعون غالبا الإفصاح عما اقترف بحقهم.

إن تعرض التلميذ لهذه الضغوط منذ سن مبكرة يؤدي إلى حالة من “التطبيع” مع الجريمة. فتعدو بعد بعض الوقت عادية ومألوفة. فكما صار بعض اللمس و التحرش عاديا و حدثا متواترا في الحياة اليومية للمتعلمين، يمكن لنا أن نتخيل أفدح من ذلك في المستقبل. كيف لنا ان نتناسى أن اللمس (و خاصة إذا كان المربي من جنس مخالف) كان “عيبا” إلى حد جدُّ قريب. إن كنت من جيلي فاسأل والديك !

و ليست القضية خاصة بالتلاميذ وحدهم. فبين الحين و الآخر تطفوا للسطح قصص عن تضرر بعض الإطارات العاملة بالمؤسسات التربوية من هذه الجرائم. و لا يخفى أن أغلبها لا تصل إلى أروقة المحاكم أصلا. ولا يسعنا التوسع في هذا الجانب لأنه يحيد بنا عن موضوعنا إلى الحديث عن الظاهرة عموما…

في غياب النقاش البناء لن يحل مشكل الإعتداءات ولا سيما الجنسية منها في المدارس التونسية. كيف لنا أن نسمح بتواصل هذا السلوك الفضيع؟ تكون الوعي الجماعي أولا بوجود الممارسة ثم بمخاطرها و نتائجها الكارثية هو بداية الحلّ. فما هو رأيك و مالذي تراه كفيلا بحماية التلميذ التونسي والمؤسسات التربوية عموما؟ محمد فراس العرفاوي

مصادر وروابط للتوسع:

منظومة حقوق المرأة التونسية

حالات التحرش الجنسي مع طالبات بالمدارس

معلمة تتهم مدير مدرسة بالتحرش الجنسي