قد يكون السؤال الذي طرحته في العنوان متشائما بشكل كبير حول واقع جهازنا الامني في تونس و فرص تطوره في المستقبل ليرتقي الى مستوى أجهزة الشرطة العالمية. و قد اخترت في هذه المقارنة شرطة دبي لانها شرطة امارة عربية مسلمة، حتى لا يقال بأني أقارن شرطة تونس بشرطة دول غربية عريقة في الديمقراطية و تختلف عنا في كل شيء.

يبدأ ضابط الشرطة يومه في العمل بالدخول الى مواقع شرطة لندن و جوهانزبورق و سيدني و نيو يورك ليرى هل من أحداث جديدة و هل من خدمات جديدة تقدمها هذه الشرطة لمواطنيها، و يطلع على أفضل الممارسات و أجداها من حيث محاربة الجريمة و تنظيم سير المرور. يشرب قهوته و يتصل بزميله في الميدان ليخبره بآخر المستجدات و بضرورة تنظيم ورشة عمل في أقرب وقت لشرح طريقة جديدة أكثر نجاعة في مكافحة جرائم السرقة (على الرغم من قلتها في دبي).

يبدأ ضابط الشرطة (في تونس) يومه بمكالمة هاتفية من مدير الامن يطلب فيها اطلاق سراح شاب يترأس عصابة سطو و سرقة وحفظ الملف بدعوى انه عين للشرطة على المصلين في احد المساجد، يمهمه الضابط قليلا فينهال عليه رئيسه بالسب و الشتيمة و الكفر. يرن الهاتف مجددا ليعلمه زميله أنه لم يقع اختياره للقيام بتربص بالخارج. تثور ثائرة الضابط يسب الجلالة و يسب الاعوان الذين يعملون معه و سيئي الحظ من المواطنين الذين جاؤا لقضاء حاجاتهم. يدخل مكتب الضابط استاذ جامعي في الخمسينات من عمره و يطلب بصوت منخفض تمكينه من رخصة لاقامة حفل زفاف ابنته، دون ان يركز الضابط على ماقاله الرجل يطلب منه بكل وقاحة و بصوت مرتفع ان يذهب الى المقهى المجاور و يحضر له قهوة و قطعة كايك و قارورة ماء. يخفض المسكين رأسه و يفعل ما يؤمر.

هتان صورتان مختلفتان تماما عن يوميات الضباط في كلا الجهازين. لكنهما تعكسان واقعين مختلفين تماما بين شرطة في خدمة المواطن خاضع للمساءلة و يحس فيها الشرطي أنه يقوم بعمل انساني نبيل و شرطة أخرى أو لنقل جهاز أمن يريد من المواطن أن يكون خادمة و أن يكون الشرطي فوق القانون فلا يحاسب و يُحس كل يوم بأن كسبه حرام و أنه بصدد تغذية أبنائه من الحرام – هذا على الاقل بالنسبة للذين مازال لهم ذرة من الاحساس بالحلال و الحرامأشكر الله كل يوم أني أخذت القرار المناسب و قدمت استقالتي مبكرا و لم أتورط مثل بقية أو لأقل أغلب الفوج الذي كنت منتميا اليه، لكني بالرغم من ذلك بقيت مطلعا على تطور الاجهزة الامنية سواء في تونس أو في الدول المتحضرة. لكن السؤال الذي كان دائما يراودني و أتناقش فيه مع بعض الشرفاء ممن خيّر البقاء في بؤرة جهاز الامن متى سيكون لنا جهاز أمني و شرطة تتسم بالمهنية و الشرف. لكن الخلاصة التي كنا نصل اليها أنه:

– أولا لا يراد لجهاز الامن أن يكون مهنيا في تونس ليبقى دائما وسيلة قمع في يد الحكومة، (اشكالية القيادة)

– و ثانيا سياسية الترقيات و سياسة الانتداب ترتكز دائما على اخيار الاشخاص الاقل مهنية و الاكثر تطرفا و اضطرابا أو لنقُل الاكثر عقدا نفسية و مشاكل عائلية. (اشكالية التصرف في الموارد)

– من جانب آخر و هذا ايضا من الاسباب الرئيسية لعدم مهنية أعوان الامن و ليس رجال الأمن هو التركيز أثناء الدورات التكوينية و التدريب على عملية غسل الدماغ و افراغ العون من شخصيته و حتى من انسانيته ليصبح كالرجل الآلي الذي ينفذ الاوامر دون تقييم مدى قانونيتها أو مدى اخلاقياتها أو مدى تأثيرها السلبي على المواطنين.

أما بالنسبة للعقيدة الامنية في تونس فهي مرتكزة على جوهر واحد وهو مكافحة الارهاب و في الحقيقة فإن ما تلقيناه في هذا الخصوص من عمليات غسيل دماغ يصب كله في مكافحة مظاهر التدين و الاسلام و ليس الارهاب، كانوا دائما يحاولون اقناعنا بأننا مستهدفون من الملتحين و من المصلين و أنهم يكنون لنا الحقد و البغضاء و أنهم يهددون اقتصاد البلاد المبني فقط على السياحة و اننا لن نحصل بعد ذلك على رواتبنا و بالتالي تشرد عائلاتنا لاننا لن يكون في مقدورنا دفع الايجار و يجوع أبناؤنا… هذا السناريو الذي يتم اعادته علينا مئات المرات يجعل الكثير من الاعوان يعتقدودن في صحته و هو ما يدفعهم للتصرف بانتقام وحقد.

الاخطر من هذا كله هو أن العون أو الضابط يقتنع ايضا بأن جرائم مثل النشل و الاغتصاب و القتل و ترويج المخدرات ليست بذات الاولوية في مكافحتها. بل ان بعض زملاء السوء يعتقدون أن رجل يحافظ على صلواته أو امرأة محجبة هما أخطر على جهاز الامن من مروج مخدرات أو سارق نشال.

قد لا يكون التعميم صحيحا، لكن أغلبية من أعرفهم تم فعلا غسل دماغهم و يمكنكم ملاحظة ذلك بالنسبة لاقاربكم الذين يلتحقون بالامن حيث يتغيرون من مواطنين عاديين الى أشخاص تؤمن بان المتدينين هم الخطر الاكبر و أن الجرائم الاخرى ليست بذات الاولوية مقارنة بمكافحة ما يسمى الارهاب الذي يتمثل في اللحية و اداء الصلوات في اوقاتها.

لكن البعض الآخر من الضباط و الاعوان و الذين لم ينطل عليهم غسيل الدماغ و يعلمون الحقيقة جيدا جعلوا من مكافحة الارهاب مصدرا جيدا للتكسب. اذا كنت ممنوعا من السفر أو حجز جوازك يمكنك استراده و السفر مقابل ألف دينار مثلا.

اذا كانت بطاقتك عدد 3 بها أحكام بالسجن يممن الحصول على واحدة نظيفة مقابل مبلغ مماثل و هكذا. بحيث صار العمل في جهاز الامن للضباط و الاعوان الاذكياء – و ليس عامة الاعوان ذوي المستوى الادراكي المحدود- رجال أعمال داخل المنظومة الامنية و أصحاب مؤسسات خدمات وهوما يدر أموالا محترمة، الغريب في الامر أن هذه النوعية من الاعوان و الضباط هي الاكثر نعومة في التعامل مع الناس و الاكثر أخلاقية حتى اذا كلفوا بقضايا مكافحة الارهاب المزعومة، و أفسر ذلك بأن عملية غسيل الدماغ لم تنجح معهم، كما أنهم لديهم مستوى أعلى من الذكاء يجعلهم مستفدين من الواقع المتأزم داخل لجهاز الامني.

وحتى لا أكون متشائما جدا فاني سوف أقدم مجموعة من الاقتراحات لهذا الجهاز الذي عملت فيه و لم يشرفني ذلك لكني كنت أتمنى كما كنت أحلم منذ صغري أن أكون شرطيا يقبض على المجرمين و يخلص المجتمع من شرورهم لا أن أكون عدوا للمواطنين و أحارب الاسلام و أرتشي و آكل أموال الناس و أتعدى على أعراضهم:

– تغيير العقيدة الامنية من مكافحة الارهاب الى مكافحة الجريمة

– تطبيع علاقة عون و ضابط الامن مع دينه مع الاسلام (السماح لرجال الامن بالدخول و الصلاة في المساجد بزيهم فرادى أو جماعات مثلا)

– اعتناء بعون الامن من الناحية النفسية و تقوية الاحساس لديه بنبل عمله بتقديمه خدمات الامن للمواطنين

– ادماج التكوين الاخلاقي و المهني و الديني في مختلف الدورات التكوينية

– عدم التركيز في الدورات التكوينية بالخارج على فرنسا و الولايات النتحدة بالنسبة للضباط لان هناك تجارب أكثر نجاحا في مختلف دول العالم و خاصة في دول الخليج

– التركيز على التدريب المستمر للاعوان و أخذ اقتراحاتهم بغين الاعتبار

– القطع مع ممارسات التفلت من العقاب و مزيد تكريس الانضباط دون القيام بعمليات غسل الدماغ أو محو الشخصية

– التركيز على الجوانب الانسانية في عمل رجال الامن

– تحسين العلاقة مع المواطن و ذلك بتوزيع حلويات أو مشروبات داخل مراكز الامنز

– تحسين نظرة الاطفال لرجل الامن

– القيام بمسابقات حفظ قرآن بين رجال المن على غرار بقية الدول الاسلامية للتأكيد على أن رجل الامن هو أيضا مسلم

– التركيز أثناء الانتدابات على تلافي اختيار العناصر المضطربة نفسيا أو الفاشلة

– تكريس سياسة المسألة في أجهزة الامن و اخضاعها للرقابة الادارية و المالية سنويا هذه مجموعة من الخطوات البسيطة التي يمكنها تحسين صورة ودور أعوان الامن بصورة أفضل، لكني دائما لا أخفي تشأؤمي من جدية الاصلاحات في ظل وجود قيادات أمنية متطرفة و مريضة نفسيا و انتهازية على رأس بعض الاجهزة. و لذلك فان اصلاح المنظومة الامنية يبدأ أولا بتطهيرها من القيادات الفاسدة ، تجار بيع المعلومات للاجهزة الاجنبية و ارباب التدخلات في سير العدالة و تكريس الظلم.

ضابط سامي مستقيل: (يحزنني أن لا أستطيع بعد الثورة أن أكتب اسمي كاملا و هذا دليل آخر على أن الامور لم تتطور كثيرا )