حين تتحالف قاعدة الفنّ مع قاعدة الظواهري، فإنّ الدمار يكون كبيرا كما فهمنا من الأحداث الأخيرة التي ضربت استقرارا ناشئا حظيت به تونس و هي تستقبل موسما سياحيّا واعدا و تودّع موسما فلاحيّا موعودا. فجأة، نشب الحريق هنا و هناك، و السبب نملة قيل إنّها تسبّح بحمد ربّها، بينما فهم الأمر برمّته على أنّه إساءة من أهل الفنّ للمقدّسات. و ككلّ مرّة يختلط فيها الفنّ بالدين و السياسة تحدث الأزمة نتيجة تلك الخلطة. و الأحداث التي نقلتها كاميرات العالم متشعّبة الدلالات نظرا لتداخل أسبابها لكنّ الفضائيات و الإعلام عموما زادها تشعّبا حتى أنّ الصباح و هي جريدة معتدلة صوّرت ذلك الوضع بعنوان مفزع << تونس تحترق>>، و قدمت قراءة تقوم على مقارنة مخيفة مع أحداث سابقة وقعت في الجارة الجزائر. و في تناغم عجيب مع ذلك العنوان، تطوّعت فرانس 24 بالبحث عن حلول لإطفاء الحريق فخصّصت برنامجها الحواريّ باريس مباشر لتلك الغاية في حلقة عنوانها: تونس من يطفئ الحريق؟

الوزراء من ناحيتهم سارعوا للإدلاء بتصريحات عاجلة لمحاولة السيطرة على الوضع قبل أن يفلت منهم. و في مشهد يلخّص الدراما التونسيّة، أجهش وزير التعليم بالبكاء تحت قبّة المجلس التأسيسي، و هو يجيب عن أسئلة النواب بعد تسريب اختبار العربيّة في امتحان الباكالوريا، و كان بكاؤه دليلا على بقائه في تلك الوزارة و تكذيبا لما أشيع من أخبار استقالته.. وزير الداخليّة علي العريّض بكى هو أيضا في مناسبة سابقة تحت نفس القبّة و لكنّه كان متماسكا هذه المرّة و هو يقدّم تقريرا أمنيّا حول أحداث العنف الخطيرة التي اندلعت في عموم البلاد. ثمّ جاءت المفاجأة من القصّاص نائب العريضة الشعبيّة المشهور حين صاح: << اكتب عندك: يلقى القبض على هذا الذي يسمّي نفسه فنانا فورا و يحال على العدالة فورا.. نحن سلطة عليا و أنت وزير للداخلية تعمل تحت إمرتنا..>>، و استرسل النائب معبّرا عن غضبه حتّى أزبد معتبرا أنّ المقدّسات الإسلاميّة خطّ أحمر و قد بدا من كلامه أنّه يحتجّ على لوحة كتب فيها اسم الجلالة بالذباب، فشتم صاحب اللوحة بصفة المتعفّن المفتقر إلى الإحساس الفني و لقّنه درسا في قواعد الفنّ و هو ينصحه بأن يكتب اسم الله في المرّة القادمة بقطع السكّر أو حبّات التمر.

و إذا اعتبرنا وزير الثقافة حكَما، فإنّه اعترف في ندوة صحفيّة ببذاءة ما عرض في قصر العبدليّة حسب تقارير أثبتت له :<< أنّ هناك أعمالا فيها رداءة فنية و تطاول على الإسلام>>، مؤكّدا أنّ أصحابها أشخاص لا ينتسبون إلى الفن التشكيليّ. لكنّ الصحفيّة من القناة الوطنية عارضته مستوضحة بتهكّم ظاهرو تكذيب مبطن:<< كيف وقع المساس بالمقدسات حتى يتأكّد الجميع من حصول ذلك؟ >>. وفي سؤال آخر كان الاحتجاج أكثر جلاء:<< متى نسمعك تقول:على جثتي أن يتدخّل السلفيّون في الفنّ؟ >>. و ردّ الوزير ليطمئن الحاضرين الذين عبّروا عن تخوّفهم من عودة الرقابة على الإبداع فقال: << لن نفعّل آليات الرقابة و نحن لا نرغب في منع أيّ عمل و لكنْ علينا أن نفعّل ضمير المبدع>>.

و هذا الكلام و إن كان جميلا فإنّه لم يهدّئ من روع المتكلّمين من رجال الدين و الفنّ و السياسة، وكلّهم غاضبون بعضهم من بعض. الخطباء و الأيمّة غاضبون من أهل الفنّ، و الفنانون غاضبون من رجال الدين، و الحكومة غاضبة من الجميع، و لكنّ المعارضة متعاطفة مع المبدعين و ليس من البدعة أن يكون غضبها موجّها كالعادة إلى وزراء الحكومة. و زعيمهم نجيب الشابي حضر بنفسه في معرض العبدليّة و أشاد بالفنّ و أهله ، فهيّج الغاضبين عليه من جديد و أعلنه البعض كافرا و أباح قتله. و ردّ الشابي في برنامج ملفّ الساعة على قناة حنّبعل أنّه من حجّاج بيت الله و استاء من الحكومة و المجتمع المدنيّ بسبب غياب بيانات تتعاطف معه. و لكنّ لطفي زيتون الوزير المشاكس وبّخه على مواقفه الخاطئة منذ قيام الثورة و قد تنقّل زيتون في ساحات الوغى من حنّبعل إلى الوطنيّة حيث واجه في حديث الساعة النائب خميس قسيلة الذي رفع صوته و لوّح بيده معلنا قدسيّة الفنان و حريّته في التعبير، مناديا بحمايته من دعوات القتل و إهدار الدم ، بينما رفض زيتون ما جاء في معرض العبدليّة من حثّ على الكراهية و العنف مستنكرا تصوير المرأة المحجبّة على أكياس الملاكمة التي تستعمل للتمرينات على الضرب و اللكم…

و خلاصة تلك المعارك تؤكّد أنّ الوضع العامّ يفتقر للضبط و الوضوح لتنظيم الشأن الدينيّ والشأن الثقافي والشأن السياسيّ والعلاقة بينها. و في غياب ذلك الضبط أو تلك القواعد، برزت قاعدة الظواهري و تحالفت مع قاعدة الفنّ فأدّت إلى تلك الفوضى التي جعلت الشيخ راشد الغنوشي مغضوبا عليه من زعيم القاعدة، و “الحاج” نجيب الشابي كافرا بفتوى من المتشدّدين.. وقد انفرجت الأزمة و الحمد لله و لكنّ الفلول ظهروا في موعدهم يقودهم زعيمهم الباجي قايد السبسي و كأنّه المهديّ المنتظر معلنا عن ولادة الحزب الجديد أو “الدين الجديد” بعبارة عادل إمام. و لكنّ الرجل أشبه بمسيلمة الكذّاب حسب معارضيه و هو يُرغّب الأحزاب و التونسيّين عموما في الإيمان بدعوته من أجل مصلحة البلاد مدّعيا أنّ الوضع خطير و أنّه سيخرجنا من الظلمات إلى النور..

هكذا و بعد امتحانات الباكالوريا و ما صاحبها من التسريب و التثريب، استقبل التونسيوّن امتحانا جديدا عنوانه البارز قايد السبسي و حزبه الجديد “نداء تونس”، الحركة التي ستعمل على تأمين عودة الحكّام الذين ترعرعوا جيلا بعد جيل في أحضان السلطة و تحوّلوا بمرور الوقت إلى ما سُمّى بالعصابة الدستوريّة التي حكمتنا لخمسة عقود.

في الحصاد المغاربي، عرضت الجزيرة مقتطفات من خطاب السبسي بقصر المؤتمرات فذكّرنا التصفيق المتكرّر بما كان يحدث أيام بن علي. و قد حسمت الجزيرة أمرها فختمت تقريرها عن ذلك الحدث بجملة ذات معنى:<< لكنّ الرياح قد تجري بما لا تشتهيه السفن>>. و في الخبر اللاحق و بصدفة عجيبة، تحدّث الحصاد عن السفينة التونسيّة الجديدة “تانيت” التي اقتنتها الحكومة لتأمين عودة أبنائها المهاجرين إلى أرض الوطن لقضاء العطلة الصيفيّة. و المشهد في عمومه لم يمرّ دون دعوتنا إلى الوَصْل بين الحدثين لنفهم مضمون الرسالة الموجّهة إلى قايد السبسي و جماعته و فحواها أنّ السفينة أبحرت و القافلة تسير، و البقيّة معروفة.