جماعة السبسي هو تكتل متنكر يسعى لعودة التجمع والانقلاب على الثورة و هو في ظاهره محاولة معزولة لا تأييد لها ولن يسمح الشعب بعودتها للساحة, وقد وجدت صدا عاما واصبحت محل تندر وتنكيل ورفض عام مما يعزز استسهال اعدامها وبالتالي تجاهلها والتقليل من اهميتها فيكتفي الناس بالدعابة الفاسبوكية التي تغذي نرجسية البطولة والانتصار على اعداء الثورة العاجزين عن المناورة في ظل ذكاء ودهاء الشعب..ان الحملة التي شكلت رد فعل شعبي على السبسي واتباعه وما ناله من تشهير ومن تهديد جدي وفرز حقيقي يمكن اعتبارها رسالة تطمين بليغة تؤكد على عافية الثورة ومناعتها و هذا الامر لا يكفي وقد يكون مخادعا ومظللا فهناك ما يشير الى وجود معطيات اعمق و مخططات أكبر مما يبدو على الساحة.. انها حسابات استراتيجية مدروسة دورها مؤجل التفعيل مداها بليغ الاثر لانها اكبر من السبسي نفسه واخطر مما تبديه الصورة الظاهرة لفشل هذه المبادرة والتي يكرسها زخم الفايس بوك ولطرح عديد العوامل المرتبطة بخطورة الامر اقدم بعض عناوين الدلالات ذات العلاقة المتينة بمشروع في غاية الخطورة, الخّصها في ما يلي

اولا:
 

لا بد من العودة الى قراءة مسار الثورة العربية التي أعطت تونس اشارة انطلاقها.. فقد ثبت ان مسار اليمن قد اجهض رغم صلابته بمباركة دولية ورعاية امريكية..فقد تم الاحتفاظ باركان الجيش بقيادة جماعة علي عبد الله صالح وبقيادة سياسية منبثقة من نظامه وقد تطلب توظيب هذا السناريو مئات الالاف من الضحايا ودمار دفع ثمنه الشعب اليمني الصامد والحكيم.. ولكن اللاعب الدولي كان ينتظر استكمال المشهد ويدفع به الى ما آل اليه ولم يكن على عجل رغم برك الدماء ويستمر في صياغة السيناريو المناسب في سوريا وبتنسيق محكم بين امريكا واسرائيل والاتحاد السوفياتي غير المبالين بثورة شعب ابي مترصدين لاي احتمال يزعج اسرائيل ويفتح طريقا جديدا للمقاومة.. و في كل الاحوال يضحّي النظام الدولي بكل شئ مقابل المحافظة على الثروة التي تؤمن عمقه الاستراتيجي ويتصدى لكل فكر وقيادة تحقق ثورة حقيقية.لقد ترك اللاعب الدولي لنفسه مجال الولوج لغرفة العمليات للضغط على الازرار عند الحاجة لتعديل ما ينبغي تعديله ولو بعد حين مصرّا على ملازمة اليقظة ومتحفزا للتضحية بالجميع دون تفضيل..في مصر ثبّتت المؤسّسة العسكرية الراعية والفاعلة والحاكمة منذ البداية خاصة بعد ان تأكد استحالة قمع الثورة العارمة و هذا ما يمكّن من القيام بانقلاب ثان ناعم عند اللزوم.. الانقلاب الاول ضاع في غمرة فرحة انتصار الثورة وانفجار عصر الحرية.. والانقلاب الثاني لم يخف وجهه الشرس و وضعه حدا بينا للثورة لان الأمر يقتضي تدخلا جراحيا بلا رتوش للضرورة الطبية الصهيونية.

ثانيا:

في تونس الامر مختلف تماما فعنصر مفاجئة الثورة كان حاسما وهروب بن علي السريع كان مربكا للجميع و حياكة سناريو على مقاس اللاعبين الدوليين كان امرا مستحيلا, فالمؤسسة العسكرية عاجزة عن القيادة ومسك دواليب الدولة المدنية في وضع ثوري مفتوح وربما خاصة لغياب نية استحظار هذا البديل ولقلة خبرتها ومحدودية سيطرتها على المؤسسات المدنية باستمرار توابع صراع اركان عصابة القصر ولتمترس شعب مترصد لتأمين مسار الثورة و عازم على التضحية بكل شئ من اجل الخلاص..

ثالثا:

لم يكن خيار طمأنة الاطراف المستعجلة للحل في تونس بعد احتراق سريع لحلم عودة بن علي افضل مما تبرع به قسرا محمد الغنوشي و وزراء الحفلة التنكرية وطماعي المعارضة الغبية.. ولم يكن خيار تعديل المسار بحكومة السبسي المختار الذي ضمن تحالفات المعارضة العلمانية عبر الهيئة العليا للمحافظة على نصيب اليسار يمين الاحرار- .. وكانت الاليات وقوانين الانتخابات وعويل الاعلاميات فيها ما يكفي لتقديم كل الضمانات لعدم استفراد الاسلاميين بالحكم ..لقد افضت حصيلة المسار الديمقراطي في تونس الى نتائج لا ترضي اللاعب الدولي وكانت اركان الحكم المتوجة انتخابيا والمباركة دوليا بعيدة عن المنتظر وهي وان دفعت بكل التمينات والولاءات للغرب ومنه امريكا بالذات تبقى غير كافية ولا تتضمن صمامات امان تمكن الراعين الكبارمن التدخل عند الاقتضاء قصد اعادة ترتيب الاوراق على مقاسها ..ولقد بدا الامر بمثابة الخدعة اليمقراطيةالتي قفزت فوق التوقعات المبرمجةعبر الاليات التي تمت مباركتها لاحداث خريطة سياسية متوازنة ومشتتة وبالتالي ضعيفة وهشة ويمكن توجيهها عند الاقتضاء..

رابعا:

ان اللاعب الدولي مهما بدا مرتاحا لمسار تونس ومحايدا او حتى داعما لا بد له من صمام امان استراتيجي يؤمن له التدخل اللازم عند الاقتضاء.. وهذا الشرط غير متوفر بالثقة المستوجبة رغم مناورات الحكومة ومخاطرتها ببعض الثوابت الثورية والدينية.وان تكتيتيكيا..

خامسا:

بناء على ماتقدم, قد يستند البعض الى ان الضمانات اللازمة للاعب الدولي متوفرة في الحكومة الحالية نفسها وهذا الحاقا بما يروج كون اتفاقات وصفقات حاصلة لامحالة بين امريكا واركان الاسلام السياسي الاخواني وهي الضامن الحقيقي للمشروع الدولي.. وفي هذا الصدد لا ينبغي ان ننسى انه رغم حصول توافقات سياسية مع القائمين على الحكم فان التناقض الكبير بين الاسلام الساسي والقوى الدولية لا يمكن انكاره وهذا التناقض لا يختفي كلايا وبجرة قلم بمجرد تفاهمات قيادية لان ثقافة الاسلاميين واديولوجية قواعدهم متشبعة بالعداء لامريكا واسرائيل و ومتأصلة دينيا وفكريا وسياسيا هذا فضلا عن التيارات الدينيةالمتشددة والرادكلية التي اصبحت ركنا اساسيا في المشهد والحدث زد على ذلك ما اكتسبته النهضة من فاعلية المحاججة الديمقراطية ورضوخها للعبة المدنية ونزعتها التوافقية فرض نضجها النوعي كبديل غير قابل للمنافسة بسبب ضعف وتشتت معارضيها.

سادسا:

اللاعب الدولي كطرف نافذ ومتحكم له مصالحه ومتطلباته و مراكز القوة والنفوذ وهو يقود العالم وله ازماته ونهمه واجندته, وكل هذه المحددات تقرن بين مخططاته وضرورة ادامة السيطرة على المنطقة العربية ونهب ثرواتها وحماية الكيان الصهيوني, فمن البديهي ان يسعى لوضع قبضته الناعمة على مسار الثورات العربية ويخبأ لنفسه مدخل القبضة الحديدية عند الاقتضاء.. و في كل الحالات يحتاج الى وكلاء يصنعهم ويرعاهم ليحقق بهم التوازن المحتوم مما يحتم صناعة ماكنة طيعة فاعلة تكون بمثابة جيش الاحتياط يغذيها ويحصنها في انتظار الاستنجاد بها عند الحاجة المتأكدة وبالسرعة المطلوبة.

سابعا:

فراغ التوازن السياسي في تونس وعدم اهلية القوة للمؤسسة العسكرية في القيادة والمناورة بنعومة, زد على ذلك هشاشة الاطراف السياسية وعجز يسار الوسط واليمين مقابل ثبوت قوة النهضة وتمترسها وانفرادها بمقومات الهيمنة السياسية يقتضي الاتجاه حتما الى ماكينة التجمع لتفعيلها بعناية وبالقوة الكافيية التي تمكنها من قلب الاوضاع عند الضرورة وبدعم حاسم من القوى الدولية المهيمنة.

ثامنا:

بناء على ما تقدّم تتأكد مسألة جوهرية: على اللاعبين الكبار صناعة كتلة سياسية تحت الخدمة ولا مناص في الواقع التونسي من اعادة ماكينة التجمع متسترة بالدستورية والبورقيبة مزركشة باليسار المزيف واليمين المكيّف و لو تطلّب ذلك صبر ا كبيرا وزمنا طويل و الاّ كيف نفسر اصرار جماعة السبسي على المواصلة رغم يقين الفشل وعواقب المخاطرة؟ انه الغرب المصر على ضمان اجندته في المسار..

لو عدنا الى جولات السبسي الدولية التي طالت شخصيات دولية رسمية ومدنية واقتصادية سنستخلص جدية النظام الدولي في المراهنة على التجمع لرصيده المعزّز بآلاف السياسيين المتجذّرين بخبراتهم و المتسلحين بعزيمة الدّفاع عن وجودهم المرموق والقيادي الذي دمّرته الثورة.. زد عليهم العدد الكبير من رجال الاعمال النافذين الذين تدرّبوا فقط على المحسوبية والرشوة وخرق القوانين بالتحالف مع مسؤولي الادارة الفاسدين.
كل هؤلاء يدعمهم اليسار الانتهازي المتدرّب على التعاون مع الاطراف الدولية والممزوج بالمحرومين الجدد من حليب الفرنكوفونية وما يجلبه من نعيم .. وتمتد القائمة لتطال عائلاتهم واصدقائهم وكل الناقمين الاقصائيين للاسلام السياسي وغيرهم..

ان جماعة السبسي لا يمارسون الفلكلور السياسي الاعتباطي وهم المدركون فعلا ان الثورة لفظتهم ولن ترضخ لمناوراتهم, ولكن ما يدفع اصرارهم تطمينات وتعليمات دولية تؤمنها فرنسا وترقبها امريكا برضى مكتوم..

وجب الانتباه وعدم استسهال الامر لان العمق استراتيجي.. ينبغي الاجتثاث مهما كان الثمن.