او متى تتعلّم حركة النهضة درس النصف قرن من الديكتاتوريّة ؟

بقلم محمّد نجيب وهيبي،

تقدّمت كتلة حركة النهضة في المجلس التأسيسي بمشروع قانون سمي ” قانون تحصين الثورة ” ، وقبل الدخول في نقاش بنود القانون من زاويتها الأخلاقيّة والسياسيّة والقانونيّة ، اودّ ان اعرّج على مسالة المغالات والتطرّف في استعمال المصطلحات وهي ميزة أساسيّة صبغت كلّ برامج حركة النهضة ومشاريعها القانونيّة التي تقدّمت بها للمجلس التاسيسي ، وحتى في خطاباتها الرسميّة وسياساتها الحكوميّة.

انّ حركة النهضة بهذا النهج الذي خيّرته لسياساتها وسلوكها ، تضيف الى شعبويتها ، تأكيدا على ازدواجيّة خطابها السياسي تجاه خصومها وحلفائها ، فهي التي عبرّت طيلة مرحلة نقاش العدالة الانتقاليّة عن استعدادها للمصالحة الاجتماعيّة والسياسيّة ، ورفضها للإقصاء السياسي ، والعقاب الجماعي … الخ الذي اكتوت بناره أغلب المجموعات السياسيّة المناضلة في النظام السّابق ومنهم حركة النهضة الاسلاميّة ، فحركة النهضة ومن خلال الصاق ، عبارات خيارات ثوريّة ، مصلحة الثورة ، تحصين الثورة ، في كلّ خطاباتها وسياساتها التي تكون في أغلبها لا ثوريّة ، ولا تخدم أهداف الثورة ولا مصلحة الانتقال الديمقراطي ، تبحث بشكل طفولي الى استرجاع شعبيّة وجماهيريّة اضاعتها منذ سنة على الانتخابات الماضية عبر محاولة اضفاء “شرعيّة ثوريّة” ؟؟ على خطابها ، لتدغدغ حواس الشباب الثوري ، وارباك معارضيها والتمهيد برميهم بتهمة معاداة الثورة كلّما عارضوها.

وتظهر حركة النهضة من خلال عرضها لهذا المشروع بكلّ ما يثيره من جدل سياسي واخلاقي وقانوني ، وكانّها تستعمل ورقتها الاخيرة في محاولة محاصرة بعض منافسيها وعلى رأسهم الباجي قائد السبسي وحزبه ، والسعي الى تغليف تهافتها ذلك بجمل وعبارات ثوريّة ، ويتأكّد لنا سعيها لمّا نعلم انّ حركة النهضة لم تطرح مثل هذا القانون في بداية حكمها بل وتعاملت مع بعض مسؤولي النّظام السّابق وقلّدتهم مناصب حكوميّة ، وتجاهلت هذه المسألة طيلة مرحلة نقاش مسألة العدالة الانتقالية واستماتت في الدّفاع عن المصالحة ورفض العقاب الجماعي … الخ

ومن المهمّ في هذا الشأن ان نوضّح انّ “حماية ” او “تحصين ” الثورة لا يتمّ بقانون اقصائي او بأي قانون كان ، بقدر ما هو مسار طويل تتكامل فيه العديد من العوامل والخيارات السياسيّة ، والحضاريّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة ، ويكون أهمّها صياغة دستور يستجيب بشكلى جليّ وواضح لاستحقاقات الثورة ومطالب الشعب التونسي ، في العدالة والحريّة والمساواة والديمقراطيّة ، وفي وجود مجموعة من الممارسات والخيارات الرسميّة تحترم حقّ المواطن وكرامته وارادته ، وفي سلطة تحترم التزاماتها الداخليّة والخارجيّة ، واهمّها عدم فرض شرعيّة منتهية.

انّ ” تحصين الثورة ” يستوجب بحث أوسع أشكال الوفاق السياسي ، من اجل الاسراع بانهاء الحالة المؤقّتة للسلطة القائمة وكلّ الوضع السياسي الحالي ، والاسراع بتجاوز مرحلة العدالة الانتقاليّة ، ووضع موعد وآليات واضحة للتنافس السياسي المقبل من أجل تثبيت شرعيّة حقيقيّة تضمن تمثيل المواطنين ، والتداول السلمي على السلطة .وايقاف عمليّة اغتصاب الشرعيّة من قبل مجلس منتهية ولايته القانونيّة و ذوا اغلبيّة متهاونة في مسألة انجاز دستور ديمقراطي ، يضمن تأصيل الدولة المدنيّة ويعلن صراحة المساواة التامّة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ، وفق منظومة قوانين وضعيّة تضبط تلك الحقوق والواجبات دون تمييز على قاعدة الدين او الجنس.

كما يفترض احترام السلط المؤقّتة القائمة ، لكلّ التزاماتها ووعودها تجاه ناخبيها وتجاه جميع المواطنين ، من تحسين شروط العيش والتشغيل والبنية التحتيّة ، ضمان المحاكمة العادلة وايقاف التعذيب المعنوي والمادي أثناء الايقاف والتحقيق ، واتّخاذ تدابير تنهي مسألة الرشوة والمحسوبيّة في الانتداب في الوظيفة العموميّة ، واعتماد النزاهة والعلنيّة والمساواة في ادارة الاموال العموميّة وتوزيعها للتنمية بين الجهات.

ويتطلّب نشر ثقافة الحوار ، واحترام المؤسّسات ، وحريّة التعبير والتفكير والاعتقاد والانتماء السياسي ، والسعي الى تأصيل الديمقراطيّة والانفتاح على الآخر فكرا وممارسة لدى الناشئة والشباب ، وتقديم المثال على تبادل الافكار من اجل التغيير السلمي ، وهو ما يفترض ان يكون عمليّة متكاملة مع التصدّي القانوني الصارم لكلّ ظوهر العنف السياسي والاجتماعي وخاصّة تلك القائمة على التنظيم وعلى معتقدات وافكار تسعى الى تغيير النمط المجتمعي عبر اعتماد الارهاب والتكفير ونشر الفرقة والتمييز داخل المجتمع على قاعدة المعتقد.

انّ “تحصين الثورة” يستوجب ، دسترة حماية حقوق الاجراء والطبقات المفقّرة ، عبر وضع شروط صارمة لصالحهم على التعاقدات الشغليّة ، وعلى مستوى الأجور والتغطية الاجتماعيّة والصحيّة ، وضمان تطوّرها الدائم بما يليق وتحقيق الكرامة الانسانية للمواطنين ، ووضع تناسب معلوم ومعقول بين الحدّ الأدنى للاجور والحدّ الأقصى المسموح به ، وذلك من اجل ضمان تعديل الفوارق الاجتماعيّة وتحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي ، كما يفترض حماية الثورة من القائمين على السلطة تحسين شروط البحث عن شغل ، والتقليص من معدّلات البطالة ، واعادة الاعتبار والقيمة الى الشهائد العلميّة وخرّيجي الجامعة والاعتراف لهم بمجهوده ذاك من قبل المجموعة الوطنيّة ، عبر دسترة منحة وتغطية اجتماعيّة خاصّة لهم طيلة فترة بطالتهم ، عوض الانتقاص من شأنهم ودعوتهم الى أنجاز اعمال لا علاقة لهم بها من قريب او بعيد “من قبيل موسم جني الزيتون لأصحاب الشهائد المعطّلين ؟؟؟؟”.

انّ تحصين الثورة ، يستوجب اعلان مدنية الدولة مبدأ لا حياد عنه ، بما يعنيه ذلك من فصل بين المجال العام والخاصّ ، بين الدين بوصفه عقيدة وممارسة خاصّة وبين الدولة واجهزتها لكونها مجالا للسلطة العموميّة والمشتركة بين جميع المواطنين يفترض تاصيل الفصل بين السلط ، واحداث مؤسّسات رقابة دستوريّة ، واعتماد الانتخاب الحرّ والطوعي دون سواه في تحديد المؤسّسات العليا للدولة ، واعتماد التشارك الاجتماعي بين السلطة ومكوّنات المجتمع المدني من نقابات مهنيّة ومختصّة ، في كلّ القرارات القطاعيّة والتعيينات الادارية الكبرى ، كما يستوجب حماية حق الاضراب والاحتجاج ، ودسترة الديمقراطيّة المحليّة والتشاركيّة القائمة على اللامركزيّة الادارية والتنظيميّة وعلى استقلالية القرار الاداري والمالي للمحليّات.

امّا الخروج بمثل هذه القوانين الاقصائيّة والتي تثير الكثير من الجدل القانوني والسياسي والاخلاقي فلا يمكن بأي حال من الاحوال الاّ ان يكون سلاحا سمجا في معركة تصفية الحسابات الحزبيّة والسياسيّة ، ولا يخدم بأي حال من الاحوال مصالح الشعب التونسي وثورته ولا مسار الانتقال الديمقراطي ، لانّه يدفع في اتّجاه تأجيج المماحكات السياسيّة التي من المفروض انّنا تركناها خلفنا منذ سنة ونيف ، وانّنا عقدنا العزم على التوّحّه قدما من اجل ضمان الاستقرار والسلم السياسي الذي ستليه عمليّة بناء السلم الاجتماعي والاقتصادي ، ونظرة سريعة على مشروع قانون النهضة المسمّى ” بمشروع قانون تحصين الثورة ” ، مكّنتنا من الملاحظات التالية :

الفصل الأوّل : خطأ قانوني وسياسي قاتل

نصّ الفصل الاوّل على ” لتحصن الثورة تفاديا للالتفاف عليها من قبل الفاعلين في النّظام السابق” ، من هم الفاعلون ؟ وكيف يتمّ تصنيفهم وتحديد مسؤولياتهم ؟ ثمّ هل المعني هنا كلّ الفاعلين في النظام السّابق حتى من لم يثبت تورّطه في اي شكل من اشكال الانتهاك ؟ انّ الفصل بمنطوقه هذا ، تضمّن دعوة صريحة للعقاب الجماعي وإثارة الفتنة بين النّاس دون تمييز على قاعدة المتّهم بريء حتى تثبت ادانته ، وهي دعوة لمعاقبة الناس على قاعدة الانتماء السياسي حتى دون وجود جرم أو خطأ ، ومحاولة تطبيق عقوبات لا تتناسب مع الجرائم والأخطاء ، وهو من الناحية السياسيّة يفترض انّ كلّ فاعل ؟؟ في النّظام السابق هو عدوّ للثورة وهو وحده كذلك فقط ، ويقرّ النصّ هنا عبر الصمت عن بقيّة اعداء الثورة المحتملين والذين يجب ان يصنّفوا كذلك وفق ارتباطهم بأهداف الثورة ومطالبها ومدى تحقيقها من عدمها ، الى جانب كون المواطن هو المحكّ الوحيد لمثل هكذا تصنيف ، فهل تتناسى حركة النهضة انّ الباجي قائد السبسي مثلا قد أشرف برضائها وقبولها على جزء هام من عمليّة الانتقال ” الثوري “قبل الانتخابات ، وهل تتناسى انّها لمّا كانت قوى أخرى تعمل من اجل ضمان مسألة الحريّات والديمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة ، كانت هي تسرع لكيل المديح والثناء لحكومة الباجي ولشخصه ، وهل تتغافل حركة النهضة عن كون بعض التيّارات والشخصيّات الوطنيّة والديمقراطيّة تعتبر انّ الكثير من خياراتها الحكوميّة والسياسيّة وتصريحات مسؤوليها ليست بالمرّة ثوريّة او ديمقراطيّة ومنها أحداث 09 أفريل وقضيّة استعمال الميليشيّات ، وتوسيع دائرة محاكمات الرأي والمحاكمات السياسيّة ، والتراجع كلّ مرّة عن جزء من اتّفاقياتها القطاعيّة او مع اتّحاد الشغل ، الى جانب تصريحات اعضاء من مجلس شورتها المعادية للدولة المدنيّة ولحق الاضراب والداعية الى الفتنة داخل المجتمع التونسي … ، وعموما تبقى هذه المسألة خاضعة للكثير من الجدل والنقاش السياسي والفكري وهو من شأن المجموعة الوطنيّة ككلّ ولا يمكن حصره بقانون ، الاّ ليكون اقصاءا وتعسّفا غير عقلاني وغير أخلاقي الهدف منه فتح الابواب على مصراعيها امام ضرب حريّة التعبير والتفكير.

وقد ورد الفصل الثّاني في تكرار مملّ للتعميم والمبدأ الذي سار عليه الفصل الأوّل مع تفصيل لدرجة المسؤولين المعنيين بهذا القانون.

الفصل الثّالث : ضرب لحقّ الانتماء السياسي

ورد في الفصل الثالث في فقرته الاخيرة وضمن المسؤوليات الممنوع منها ” الفاعلين في النّظام السّابق” “يكون رئيسا أو عضوا في أي من الهياكل القياديّة ، المركزيّة او الجهويّة في الأحزاب السياسيّة او عضوا في هيئاتها المؤسّسة” ؟؟ وهذه النقطة اللاّقانونيّة واللّادستوريّة تثير الكثير من الاشمئزاز حول النوايا الحقيقيّة لمشروع القانون الذي عرضته كتلة النهضة على المجلس التأسيسي ، ففي حين يمكن ان نفهم سياسيا وفي ظروف معيّنة ووفق شروط قانونيّة وقضائيّة عادلة وواضحة منع شخص ما على قاعدة جرم واضح في حقّ المجموعة الوطنيّة ، من امكانيّة تقلّد مسؤوليّات في الدولة أو الترشّح لانتخابات عموميّة ، لا يمكن ان نفهم كيف يمنع مواطن أي كانت مرجعيّته او انتماءه من الانتماء الى حزب سياسي قانوني ، او ممارسة حقّه ممارسة أفكاره بشكل سلمي وضمن هياكل ومؤسّسات حزبيّة قانونيّة ، ثمّ كيف نسمح بوجود قانون يسمح لهياكل اداريّة او دولاتيّة أن تعتدي بشكل صارخ على الارادة الداخليّة وعلى مقرّرات هياكل عليا لمؤسّسات حزبيّة قانونيّة ، بمنعها دون وجه حقّ من انتخاب من يراه عموم منخرطيها صالح لتمثيلها وادارة تنظيمها الخاصّ المستقلّ عن السلطة وعن الدولة وأجهزتها الاداريّة.

انّ حركة النهضة تثبت مرّة اخرى تهافتها من اجل ، تصفية خصومها السياسيين ، وضمان استقرار السلطة لها ، وهي تستعمل من أجل ذلك كلّ الاساليب المشروع منها وغير المشروع ، الاخلاقي منها واللّا أخلاقي ، والمعقول منها والمناقض للعقل ، ولست هنا مدافعا عن الباجي او عن حزب النّداء ، كما أرفض رفضا قاطعا عودة التجمعيين الى ممارسة السلطة بشكل سمج ، ولكنيّ ادعوا الى صدّ الأبواب امام عودتهم وفق الاساليب السياسيّة واقامة التحالافات التي تحقّق اهداف الثورة وتدافع عن مكاسبها وتقدّم برنامجا سياسيا يمكّنها من الحصول على ثقة المواطن/النّاخب للوصول الى السلطة وهي الطريقة الأسلم والأكثر ديمقراطيّة في معاقبة كلّ اعداء الثورة على المديين القريب والبعيد ، الى جانب المحاسبة القضائيّة العادلة والشخصيّة لكلّ من اجرم في حق الأفراد او في حق المجموعة الوطنيّة.

بقيّة فصول المشروع : تدخّل فضّ في عمل وقانون هيئة الانتخابات

اشار الفصل الخامس الى اجراء تقني ، يتعلّق بنشر القائمات ، ولكّنه حمل بين طيّاته عدم دراية كافية بالقانون او تسرّعا في كتابة مقترح هذا القانون ، فهل غاب على السّادة كاتبي المشروع ، انّ للجمهوريّة التونسيّة جريدة قانونيّة رسميّة تسمّى ” الرّائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة ” ومن المفروض ان يتمّ اعلان قائمات بهذه الخطورة ؟ ضمن صفحاتها في آجال محدّدة ومضبوطة قانونا.

امّا الفصول من أربعة الى عشرة ، فهي تحمل بين طيّاتها تدخّل في قانون هيئة الانتخابات وعملها من ناحيّة ، وفي مهامّ القضاء التونسي من ناحية اخرى ، فهي تسعى الى تحويل جزء من مهامة القضاء التونسي الى هيئة الانتخابات الغير مخوّلة قانونيا وإداريا للقيام بذلك ، في قضيّة خطرة وحسّاسة تتعلّق بسحب حقوق مدنيّة وسياسيّة من مواطنين تونسيين ؟؟ وبشكل جماعي.

والأدهى من ذلك وهو ماتؤكدّه هذه الفصول بشكل جلي ، هو اعتبار جميع من تمّ عرضهم في الفصل الثاني مجرمين يستوجبون العقاب بشكل مسبق ، من واجبهم هم تقديم ما يثبت العكس ، واعتبار المسألة مجرّد نزاع اداري تبتّ في شأن الطعن فيه المحكمة الاداريّة ، بشكل لا يقبل النقض او الطعن في قرارها ، الا يدرك السّادة في حركة النهضة حجم الجريمة التي يعدّون لها ؟ افلا يعلومن انّهم بهذا يعتدون على الديمقرايطّة وعلى الحقوق الأساسيّة للانسان في محاكمة عادلة تفترض وجود درجات مختلفة من التقاضي ( ابتدائي ، استئناف ، تعقيب ) فهي تضمن عدالة أكثر في الحكم ، وتقليصا للحدّ الادنى من التأويلات الفقهيّة والقضائيّة.

وقد غاب على السّادة مقترحي المشروع وصائغيه منذ بدايته الى آخر فصل كون المتّهم بريئ حتى تثبت ادانته ، وانّه من واجب السلط القضائيّة والعدليّة اثبات تلك الادانة ( عبر التحقيق وايجاد الادلّة ) ، ولكنّهم بهذا المشروع عكسوا القاعدة وجعلوا من جزء من المواطنين وبشكل جماعي ، مجرمون ، لا متّهمون فحسب ؟؟ ، وحمّلتهم مسؤوليّة اثبات براءتهم في ظروف جدّ صعبة وقاسية.

وللخلاصة ، ينطق هذا المشروع في كلّ جوانبه ، بثقافة الانتقام ، والسعي الى تصفية خصوم بآليات سلطويّة ، تحت غلاف قانوني وعبر استعمال ، اغلبيّة مغشوشة ( ساهم في جزء كبير منها العديد ممن يراد تصفيتهم اليوم ) ، ومن خلال مجلس مطعون في شرعيتّه من زاوية جدواه ونجاعته ، ومن الزاوية القانونيّة لمدتّه النيابيّة ، ونتاكّد من ذلك لمّا نتأمل في فقرات مشروع القانون التي تيسّر اجراءات ادراج اسم في قائمة المراد منعهم ، في نفس الوقت الذي تتشدّد في اجراءات التحريّ والطعن لمن وردت اسماؤهم.

وعموما يفترض التغيير الديمقراطي الذي تقبل عليه تونس محاسبة كلّ من اخطا في حق الافراد والمجموعة الوطنيّة ، كما يستوجب قطع الطريق امام محاولات الالتفاف على مسار الانتقال الديمقراطي ، ولكن ليس بمثل هذا التهافت الهادف الى تصفية الحسابات ، فالمحاسبة تفترض تكفّل جهاز قضائي مختصّ بها يصدر احكاما وعقوبات شخصيّة وفرديّة تتناسب مع الجرم ويضمن درجات متعدّدة من التقاضي ، تسمح بحق الطعن والمرافعة ، وأما انجاح الانتقال الديمقراطي وحمايته من محاولات الالتفاف فيتطلّب برامج وأطروحات سياسيّة ، اجتماعيّة واقتصادية متنافسة ، يحكّم في الفصل بينها صوت الناخب/المواطن لا غير ، فمتى تتعلّم حركة النهضة درس النصف قرن من الديكتاتوريّة وتطويع مؤسّسات الدولة والمنظومة القانونيّة لتأبيد الاستيلاء على السلطة.