jebha chaabia

بقلم إيهاب الغربي،
لقد اثبت اليسار بمختلف اتجاهاته انه الطيف السياسي الوحيد الممانع للعولمة، ففي حين يتدهور الاقتصاد الامريكي و إقتصاد الاتحاد الاوروبي ويزيد حجم ديونهم يوم بعد يوم، نجد النخبة السياسية التونسية تلهث وراء جلب رأس المال و مواصلة نفس السياسة الليبرالية المتوحشة لبن علي، التي قادت البلاد الى ما هي عليه من فقر و بطالة و غياب القدرة الشرائية للفرد. و يبدو ان قطبي اليمين الاسلامي النهضة، و العلماني نداء تونس، قد يختلفان في كل شيء الا في محاربة فكر اليسار، الذي يفضح سياساتهم العميلة و المنبطحة لرأس المال الاجنبي، و صراعهم الازلي مع اتحاد الشغل هو في ان تتغاضى المنظمة الشغيلة عن الممارسات الوحشية لرؤساء المال الذين يستغلون يدنا العاملة بابخس الاثمان بدون ادنى احترام لقانون الشغل، كما تجدر الاشارة ان سياسة حكومة السبسي او الجبالي لم تشجع الاستثمار المحلي، بقدر ما جابت كامل اصقاع الارض لخنق الإقتصاد الوطني تحت تراكم الديون لإستهلاكية.

 

إن تعليق المديونية هو الحل الذي اقترحه حمة الهمامي للخروج من الازمة الاقتصادية التي تمر بها تونس، و تفادي افلاس عديد البنوك و على رأسها البنك المركزي. و قد نجحت سياسة تعليق المديونية في اتقاذ الاكوادور و الارجنتين من الافلاس. و هو الحل الذي تراه الجبهة تحررا من المؤسسات البنكية الغربية التي ستفتح لتونس نوعا من التوازن المالي سيسمح ببعث مشاريع تنموية في مختلف الجهات كما ان بيع مؤسسات الدولة سيجعل الدولة دمية في يد صندوق النقد الدولي و يفقدها هيبتها وسيطرتها على الاقتصاد الوطني و هي السياسة التي تعتمدها الحكومة الحالية من خلال الخضوع إلى إملاءات و شروط صندوق النقد مقابل قرض سيزيد في تفاقم نسبة المديونية ومزيد تعطيل التنمية بفعل زيادة تراكم الديون المترتبة عن القرض الأخير. اما على المستوى الفلاحي، فقد تغاضت الحكومة عن حل مشاكل صغار الفلاحين، و باعت مئات الهكتارات من الاراضي الخصبة لقطر، و وجدت الحل في زيادة اسعار المواد الغذائية عوض اعتماد سياسة فلاحية حقيقية تزيد في الانتاج الفلاحي لتلبية الحاجيات الغذائية للمواطنين، وتصدير كميات لا بأس بها الى الخارج. و بالتالي فان سياسة الخوصصة و التبعية لاملاءات البنك الدولي ستعمق الاحتقان الاجتماعي، وتزيد في عجز الميزانية، و تفاقم نسب العاطلين عن العمل. و ان كان اهتمام حركة النهضة و معارضيها الليبراليين موجه لكسب الاتتخابات القادمة بصفر برنامج إقتصادي، على عكس الجبهة الشعبية التي اهتمت بمشاغل الشعب الحقيقية و قدمت برنامجا سياسيا وإقتصاديا واضحا للقطع مع سياسة الخوصصة لم تلق صدى لدى وسائل الاعلام المنصهرة في المشروع الليبرالي المحتضر في شتى انحاء العالم ،على حساب المشروع الاشتراكي الذي جدد نفسه منذ سقوط الاتحاد السوفياتي و ظهر بحلة جديدة في أمريكا اللاتينية ستكون البديل الوحيد للنظام الراسمالي المتهاوي، و الدليل وقوف امريكا اللاتينية امام الازمة الإقتصادية الحالية بفضل المنظومة الاشتراكية الجديدة مقابل سقوط امريكا الشمالية المدوي بفعل الليبرالية المتوحشة. و رغم ان الانظمة الليبرالية سواء كانت بقناع اسلامي او علماني تقوم بالاستقطاب الثنائي ،فان المستقبل لليساروالاشتراكية من جديد.

 

كان قرار محمد البراهمي أمين عام حركة الشعب سديدا بالإنضمام إلى الجبهة الشعبية رغم محاولة بعض الأشخاص داخل حركة الشعب المتعاطفين مع حركة النهضة و مع سالم الأبيض، إثناء البراهمي عن قراره فمصلحة القوميين في الوقت الراهن لا يمكن أن تكون خارج حلف يساري كبير يكسر الاستقطاب الثنائي ما بين النهضة ونداء تونس، ويؤسس لبديل حقيقي يمثل صوت الشعب ومطالبه في مواجهة القوى النيولبرالية التي أعادت إنتاج نظام بن علي مع غطاء ديني يغلف التوجه النيوليبرالي للنهضة، ومواصلة هذه الحركة تفقير الشعب التونسي وتوزيع مؤسسات الدولة على أعضاء الحركة ومقربيها. أما عن أهداف الباجي قائد السبسي فهي تولي منصب الرئيس بأي ثمن وبرنامجه الإقتصادي و السياسي ليس غامضا وإنما هو نفس برنامج النهضة و قد مارسه خلال فترة حكمه حيث تسببت القروض التي أخذها من مجموعة الثماني في تعميق المديونية كما تميزت ردة فعله تجاه الاحتجاجات الاجتماعية بالقمع وسوء التصرف إلى الحد الذي جعلنا نشاهد العروشية تطفو على السطح بدعم و تشجيع من الباجي نفسه. في هذا المناخ المشحون بأعداء الثورة و المتربصين بها، لا سبيل للقوميين إلا أن ينضموا إلى القطب الوحيد الذي يطرح بديلا حقيقيا للنيوليبرالية و يدعم تحسين وضع الطبقة الوسطى التي تمثل عصب النسيج الإجتماعي و التي إذا إنهارت إنهار أي نظام وأي مشروع سياسي، و ستدخل البلاد في فوضى عارمة و في حالة إفلاس قد يؤدي إلى حرب أهلية. فلا خيار لمستقبل تونس سوى الجبهة الشعبية و لا ضير في أن يتراجع المشروع القومي الكبير من أجل مصلحة تونس أما التشبث بالشعارات الفضفاضة و الرنانة وراء أجندة تخدم الإسلاميين لا القوميين فهذا لا سبيل إليه. إن الجبهة الشعبية هي المستقبل و كل من عاداها فهو معاد للثورة وأما عن الزعامة فليس محمد البراهمي من يبحث عنها بل مصلحة تونس قبل كل شيء.