SONY DSC

Photo Sami Ben gharbia

تكاد تونس تنهي عامها الثالث منذ أن شهدت ما يسمى بـ “ثورة 17 ديسمبر- 14 جانفي 2011”. ثورة يبدو أنّ إشعاعها لم يطل القطاع الثقافي الذي بقي على حاله مؤسسات وبرمجةً. فعلى مرّ ثلاث سنوات لم تختلف آليات عمل وزارة الثقافة ولم نرى محاولة جدية للنهوض بهذا القطاع الذي لحقه التخريب في عهد بن علي. ولم نسمع بوزير جاء بتصوّر يحدث تغييرا جذريا في المؤسسة التي من المفترض أن تعنى بالعمل الثقافي في تونس وتسهر على إشعاعه الداخلي والخارجي.

وبقطع النظر عن الحراك الذي شهدته الساحة الثقافية التونسية والذي كان مردّه بروز حركات فنية كثيرة أساسها كان شباب تونس المبدع فإنّ “دار لقمان بقيت على حالها”.

للبحث عن حلول نوعية لتطوير العمل الثقافي في تونس وجعل وزارة الثقافة المسؤول الأول عن حضارة بلاد بأكملها اتصلت “نواة” بالسيد بشير بن سلامة الكاتب والوزير السابق للشؤون الثقافية في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة والذي كان من النخبة التي أشرفت على بعث عديد المؤسسات الثقافية كبيت الحكمة والمعهد العالي للتنشيط الثقافي في تونس بعد الاستقلال وأفادنا بما يلي:

وزارة الثقافة حافظت على نفس آليات عمل نظام 7 نوفمبر

في بداية حديثنا مع الأستاذ بشير بن سلامة لم يفته التعريج قليلا على ما آلت إليه الثقافة في عهد بن علي. فحسب رأيه نظام 7 نوفمبر أجرم في حق العمل الثقافي في تونس وقام بهدم مؤسساته إضافة إلى تهميش الفنانين والمبدعين إلاّ من أعلن ولاءه للقصر ودخل “بيت الطاعة” . كانت الثقافة في عهد الرئيس السابق مجرّد ديكور لتلميع صورته لذلك لا تفوت مناسبة دون الإشادة بدوره في دعم الثقافة. ويرى الأستاذ بشير بن سلامة أنه بعد الثورة لم يتغير واقع العمل الثقافي كثيرا، فوزارة الثقافة حافظت على نفس نمط العمل داخل مؤسساتها وإداراتها إضافة إلى إبقائها على نفس التصور الذي تشوبه عديد الإخلالات. لذلك يعتقد الأستاذ البشير أنّه لا بد من انطلاقة جديدة وتصور جديد للعمل الثقافي في تونس حتى تستردّ الثقافة اشعاعها الذي شهدته خاصة بعد الاستقلال وتتلافى الحكومة ما أقدم عليه بن علي سابقا.

حلول عملية للنهوض بقطاع الثقافة

حدّثنا الأستاذ بشير بن سلامة عن المشروع الثقافي الذي يمكن أن يخرج بتونس من الأزمة الثقافية التي تعيشها. هذا المشروع الذي يرتكز بالأساس على مؤسسات مضبوطة والتي أفرغت من محتواها وأصبحت مجرّد ديكور إلى يومنا هذا. ويظم هذا المشروع النقاط التالية:

– العمل على إحياء صندوق التنمية وهو إحدى هذه المؤسسات التي وُجدت من قبل وجُعلت لشراء الانتاج والأعمال الابداعية، وكان لهذا الصندوق دور كبير في منح فرص للعديد من الفنانين للتعريف بانتاجاتهم إضافة إلى تشجيعهم على الابداع بمنحهم مبالغ مالية محترمة حتى يتسنى لهم المضيّ قدما في عملهم. يرى الأستاذ البشير أنّ إيجاد صيغة ما لإعادة هذا الصندوق ضرورة لتحسين واقع المبدعين وحثهم على الابتكار
– على وزارة الثقافة العودة إلى الاشراف على دور نشر حكومية مثل الدار التونسية للنشر والتي أُغلقت في عهد بن علي والتي ساهمت في فترة ما في إشعاع الكتاب التونسي في تونس والعالم. دور النشر هي الرافد الأول للكتاب والمبدعين في المجال الأدبي والذين يخطون بأقلامهم ملامح تونس الفكر والأدب والفن.

– تأسست في فترة بورقيبة لجنة مسرح تقوم بشراء النصوص المسرحية من المبدعين لتشكّل رصيدا تضعه على ذمة المسرحيين والمخرجين دون مقابل مادي يذكر. هذه السياسة ساهمت هي الأخرى في تألق الانتاج المسرحي التونسي. اليوم لا نشهد لمثل هذه المبادرة وجود وإعادة تفعيلها هي الأخرى حدث من شأنه النهوض بهذا القطاع وتشجيع العمل المسرحي.

– لاحظ الأستاذ بشير أنّ دور الثقافة قد سقطت في التحزّب وأكد أنه عليها الخروج من العمل السياسي والعمل الحزبي لأنها فضاء مخصص أساسا للعمل الثقافي وموجّه لكل التونسيين باختلاف انتماءاتهم السياسية.

– إن تونس لا يمكن أن تكون قوة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية هامة وليس لها إلا العمل الثقافي وعلى حكومتها أن تسعى إلى بث إشعاعها الثقافي وذلك من خلال تفعيل الأمر الذي يقرّ بتعيين ملحق ثقافي في كل دولة يكون تحت مسؤولية السفير لكنه يعود بالنظر إلى وزارة الثقافة. وتكون مهمة هذا الملحق العمل على ربط علاقات مع المراكز الثقافية في الدولة المتواجد على أرضها والتعريف بالإنتاج الثقافي التونسي والحرص على تنظيم تظاهرات ثقافية لمبدعين تونسيين بالخارج. ويجب أن يكون هذا الملحق ذا خبرة كبيرة في مجال العمل الثقافي والفني وأن يلتزم الحياد في مهنته.

– إنّ المعهد العالي للتنشيط الثقافي والشبابي هو المعهد الوحيد الذي يسهر على تخرّج منشطين في العمل الثقافي وهو المزوّد الأول لدور الثقافة بالامكانيات البشرية التي تسهر على تنفيذ مخططات الدولة الثقافية. هذا المعهد يعاني اليوم من خلل في التكوين وجب تداركه حيث يتبع المشرفون عليه سياسة تعليمية لا تخوّل للطلبة الحصول على تكوين عال وخبرة ميدانية كبيرة. لذلك وجب العمل على إعادة ضبط برنامج تكويني يتماشى مع حاجيات تونس اليوم على الصعيد الثقافي ويضمن تمكين مشروع المنشطين من زاد معرفي يخول لهم القيام بمهمتهم على أحسن وجه.

ختم الأستاذ البشير بن سلامة حواره معنا بأنّ كل هذه المقترحات وغيرها التي يجود بها من حين إلى آخر بعض الغيورين على العمل الثقافي بتونس لا يمكن لها أن تترجم إلى واقع ملموس دون إرادة سياسية تسعى إلى ترسيخ مبادئ العمل الثقافي وخاصة في الجهات التي مازالت هي الأخرى من آخر اهتمامات الدولة من حيث التمويل والرعاية وللأسف مازالت هذه الإرادة السياسية معدومة إلى يومنا هذا.