Election-Consensus2

بقلم د. محمد المستيري كاتب وجامعي تونسي،

ونحن نؤسس لثقافة تعددية جديدة تقطع مع ثقافة الإستبداد التي لم ترحل برحيل أصنامه، لا بد أن نستشعر دور المثقف، المفكر والجامعي والكاتب والأديب والمبدع في مختلف المجالات، لتطوير مفهوم تمثيل الشعب وتنزيله في التجربة الانتخابية.

لا شك أن الدور الأساسي للمثقف في الفكر التقليدي السائد هو صناعة الثقافة في معاقلها التي يمكن أن تراقب بتصورها النقدي والإستشرافي للمجتمع العمل السياسي الذي يمتهنه البعض تحت مظلة الوطنية والمصلحة العامة ولكن ضمن دوافع خاصة عديدة إيديولوجية وطوباوية وتعصبية ونرجسية وبراغماتية وغيرها.

إن الديمقراطية الحديثة التمثيلية التي تدعي تمثيل الشعب، فقط عبر الأحزاب السياسية الممتهنة للسياسة، إنما تواجه بعاهة الطموح الذاتي الحزبي الذي لا يتوافق دائما مع المصلحة العامة في اختيار السياسات ومن ينفذها، ولا يرتقي أبدا إلى تصور المثقف للسياسة العادلة والمبدئية. بالإضافة إلى أن الثقافة غالبا ما تكون على هامش الإستراتيجيات الحزبية التي همها الفوز بأكبر المقاعد في المعركة الإنتخابية. إذا أضفنا إلى عاهة العقل السياسي في الديمقراطية التمثيلية واقع ثقافة الإستبداد في أوطاننا التي لا تزال تفتك بتجربة التحزب الجديدة، فلا نعجب من ضعف الأداء السياسي وتواصل منظومة الفساد رغم تواتر إعلان النوايا الطيبة “الثورجية”.

إن غياب المشروع الثقافي في المعركة السياسية يعود بالأساس إلى غياب المثقف، سواءا بإرادته أو بإرادة تحزبية ضيقة تربّت طويلا في ثقافة ضيق الأفق والحريات من أجل الحفاظ على مكاسب خاصة على حساب مصلحة الوطن التي تفرض ديمقراطية تشاركية تمثل الشعب بجميع أطيافه وطبقاته وتمنح للسياسة الميدانية عقلا وخلقا بفضل فاعلية المثقف السياسية.

لقد آن الأوان لأن تدخل الديمقراطية التشاركية مرحلة جديدة في تصورها للعلاقة مع المثقف من علاقة تشاورية إلى علاقة ندية وظيفية. لا يمكن أن نرتقي بالسياسة بطوابير من المثقفين الإستشاريين داخل الأحزاب أو الدولة الذين لا يحملون أية صفة تنفيذية. لا بد للمثقف أن يدافع عن مصيره السياسي ولا بد للثقافة أن تعود القلب النابض للمجتمع، وإلا فلن تحدث لعبة السياسة التحزبية أي تغيير جذري داخل مجتمعاتنا نحو تحرير إراداتها وطاقاتها الإبداعية والتنافسية. ستتكرر مشاهد الحوارات الوضيعة تحت قبة مجلس الشعب والقرارات المرتجلة والهدامة في صالونات القرار إن استمر اعتزال المثقف للسياسة أو عزله عنها.

المرحلة القادمة تفرض أن يشكل المثقفون جبهات انتخابية مستقلة ومختلفة في ألوانها ومشاريعها وتخصصاتها. إن على المثقف السياسي أن يخوض غمار الإنتخابات التشريعية والرئاسية بشكل مستقل عن الأجندات الحزبية الضيقة والمحدودة، وأن يصمد أمام إغراءات الممتهنين للسياسة الحزبية الذي اعتادوا التعامل مع صنف واحد من المثقفين، أصحاب الرأي الإستشاري لا أصحاب القرار والموقف، الذي لا يغير سواه مجرى التاريخ السياسي. وإن لم يول الناخب في الانتخابات الماضية اهتماما كبيرا للقائمات المستقلة، لرغبته في إسناد الثقة الكاملة لأحزاب كانت بالأمس مضطهدة، إلا أن ارتهان هذه التجربة السياسية الحزبية يفرض لا محالة مراجعة لمصداقية السياسة التحزبية ولمشروعية احتكار السياسة مفهوما وميدانا من الممتهنين لها داخل الفضاء الحزبي.

لقد كشفت التجربة المنقضية بما لا يدع مجالا للشك غياب التصورات السياسية البديلة والحوار السياسي العميق، ومن ثم العقل السياسي الذي لا يفرزه إلا أهله من أهل الفكر والثقافة.

دعوتي للمثقفين للمشاركة الفعلية في تشكيل قائمات مستقلة هي دعم لدورهم الأساسي النظري والتنظيري للسياسة، وتطوير للديمقراطية التشاركية في العالم المعاصر التي لا تزال تكتفي بالدور الاستشاري للمثقفين، من أجل أن يتحولوا إلى نبض المجتمع وعقله ورؤيته المستقبلية للسياسة، وأن يحدثوا توازنا بين السياسة التقليدية في خدمة الحزب والسياسة المستقبلية المستقلة في خدمة الفكرة.