gov-tunisie-elections-legislatives-2014

تصوير كالوم فرنسيس، نواة



بقلم ناظم حنين،

أسدل الستار على إنتخابات مجلس نواب الشعب يوم 30 أكتوبر 2014 ، بعد عمليّة إنتخابية و بالرغم ما شابها من إخلالات و نواقص جزئية تعتبر ناجحة و عبّر من خلالها التونسييون عن موقفهم السياسي من الوضع العام في البلاد و من تجربة حكم الترويكا المؤقتة و المجلس الوطني التأسيسي. و قد أعطت نتائج الإنتخابات حركة نداء تونس 85 مقعدًا مكّنها من تصّدر المشهد الإنتخابي، تليها حركة النهضة ب69 مقعدًا ثم الإتحاد الوطني الحرب17، ثم الجبهة الشعبية ب16، بقية المقاعد آلت بنسب متقاربة لأفاق تونس(8) و التيار الديمقراطي(5) و حركة الشعب(3) و المؤتمر(4) و مجموعة من المستقلّين. في حين تحصل كل من الجمهوري و التكتل و الجبهة الوطنية للإنقاذ و الديمقراطيين الإشتراكيين على مقعد واحد لكل منهم.



إنهيار كارثي للأحزاب المعارضة زمن بن علي

المتمعن في نتائج الإنتخابات لا يمكن أن يفوته ملاحظة النتائج الهزيلة التي مُنيت بها أحزاب الجمهوري (الديمقراطي التقدمي سابقًا) و المسار (التجديد سابقًا) بالإضافة إلى التكتل و المؤتمر، و إذ يمكن إعتبار سبب إنهيار المؤتمر و التكتل هو تجربة الحكم الأخيرة و خيانتهم لأمانة ناخبيهم بالإضافة إلى أداء حكومي سيئ تجلّى في تفاقم كل مشاكل البلاد الإقتصادية و الإجتماعية و تنامي الإرهاب و العنف، فإن إنهيار أحزاب الجمهوري و المسار يعود لأسباب أخرى، لعّل أهمها تذبذب المواقف السياسية و التحالفات التكتيكية بالنسبة للجمهوري و التموقع السياسي خلف نداء تونس بالنسبة للمسار، الشيئ الذي حرمه من التمايز عن غيره بالإضافة إلى أخطاء أخرى في الإتصال و الدعاية (تبنّي إسم الإتحاد من أجل تونس قبل شهر من الإنتخابات الخ …)



تراجع حركة النهضة

حصول حركة النهضة على المرتبة الثانية كان متوّقعًا نظرًا لفشلها الذريع في قيادة حكومة الترويكا و إرتباطها في ذهن التونسيين بظهور الإرهاب و العنف و تدهور الوضع الإقتصادي و الإجتماعي و محاولات أخونة الدولة و المجتمع إضافةً إلى تخبّطها السياسي و خسارتها لجزء من قاعدتها الراديكالية نتيجة وقوفها ضد قانون الإقصاء و تبّنيها لخطاب ثنائي يوهم بالمدنية و الديمقراطية و لا يتناغم مع أطروحاتها الفكرية و بنيتها الإيديولوجية.

كل هذا جعل من حركة النهضة تتراجع شعبيًّا و إنتخابيًا، و لكن إعتبارها إنهزمت يبقى أمرًا مطروحًا للنقاش إذ بالرغم من كل أخطائها عرفت، عبر سياسة إتصاليّة ناجعة و بناء تنظيمي محكم، كيف تحافظ على موقع متقّدم في الساحة السياسية (69 نائبًا) يمكّنها من لعب الأدوار الأولى في الحكم أو في المعارضة.



صعود نداء تونس

كل إستطلاعات الرأي كان تفيد بأن نداء تونس سيكون القوة الأولى في البلاد و هو ما تجّسد فعلاً عبر صناديق الإقتراع، و يعود هذا الصعود الصاروخي لحزب لم يتجاوز عمره السنتين لسخط التونسيين على تجربة حكم الترويكا و تغوّل حركة النهضة و بحثهم عن حزب قويّ تقوده شخصية كاريزماتية يعيد التوازن للساحة السياسية في تونس و هو ما وجدوه في حزب نداء تونس و الباجي قايد السبسي الذي إرتبط إسمه بنجاح الفترة الإنتقالية الأولى و الذي عرف كيف يصنع لنفسه و لحزبه صورة منقذ التونسيين من براثن الظلامية و الإسلام السياسي.



لامفاجاة الإتحاد الوطني الحر و سليم الرياحي

سليم الرياحي ، رجل أعمال ذو ثروة مجهولة المصادر ، عرف في زمن قصير كيف يصنع لنفسه موقعًا سياسيًا و ذلك عبر توظيف ثروته في قطاعين ذوي قدرة كبيرة على التأثير و التعبئة ألا و هما الرياضة عبر ترأسه للنادي الإفريقي قرابة المليون مشجع في كامل تراب الجمهورية) و شرائه لقناة التونسية (من القنوات التي تحقق أعلى نسب مشاهدة) و هو ما مكّنه من أدوات جماهيرية للتأثير على قطاع هام من الشباب و المهمشّين ذوي الوعي البسيط و الثقافة السياسية المحدودة.

الجبهة الشعبية : حضور ميداني و رمزية الشهيدين

تعتبر نتائج الجبهة الشعبية في هذه الإنتخابات التشريعية إنتصارًا في حد ذاته لليسار التونسي الذي عرف بعد 23 أكتوبر 2011 كيف يتوّحد و يحيّد خلافاته التفصيلية و يصنع لنفسه جبهةً قدّمت خلال السنتين الأخيرتين عطاءًا سياسياً و إعلاميًّا غزيرين و متميّزين عن ما تقّدمه حركة النهضة و نداء تونس بالإضافة إلى إغتيال إثنان من رموزها، شكري بلعيد و محمد البراهمي، و هو ما خلق لها تعاطفًا شعبيًّا واسعًا لدى جزء هام من المجتمع و مكّنها من إمكانيات كبرى للإنتشار الميداني والجماهيري، إقتطفت من خلاله نسبة لا يستهان بها من الأصوات و المقاعد.



إذا أضفنا لهذا الكتل الأربعة، نوّاب افاق تونس و المبادرة الدستورية و المؤتمر و التيار الديمقراطي و المستقلين، نرى بأن المشهد النيابي، ما بعد الإنتخابات، يبدو معقّدًا إلى أبعد الحدود و هو ما سيلقي بظلاله على التحالفات الحكومية.

3 سيناريوهات للحكم

بعد حلوله في المركز الأول إنتخابيًا ستُعطى لنداء تونس مسؤولية تشكيل الحكومة التي ستدير دوالب الدولة في الخمس سنوات القادمة، و هو ما يضعه أمام 3 خيارات رئيسية :



● عزل النهضة في المعارضة و المضي في تشكيل حكومة ذات طابع مدني ديمقراطي بالتشارك مع الجبهة الشعبية و افاق و المبادرة و ربّما الإتحاد الوطني الحر ستكون أولوياتها أساسًا مقاومة الإرهاب و ما ورائه من نسيج جمعياتي و دعوي بالإضافة إلى الإعتناء بالوضع الإقتصادي و الإجتماعي و البيئي الخ …
هذه الإمكانية تبقى رهينة مدى قبول الجبهة الشعبية المشاركة في هذه الحكومة، كما تجدر الإشارة إلى أنّها حسابيًا تُبقي على الثلث المعطّل في يد حركة النهضة و حلفائها و هو ما قد يعرقل مهامها.



● إشراك النهضة في الحكم إلى جانب أفاق و المبادرة و الوطني الحر، هذا الخيار سيمكّن نداء تونس من أغلبية مريحة في البرلمان ل”يفعل ما يشاء” لكنه في المقابل سيكون ذي تأثير مباشر على قاعدته الإنتخابية المعادية لفكرة التحالف مع حركة النهضة، أو بالأحرى تبييض وجهها و إعادة إدماجها في الحكم و ما قد يكون وراء ذلك من إتفاقات طبيعية “تحت الطاولة ” لحكومات المحاصصة و تقاسم كعكة السلطة.

● السيناريو الثالث أو الملاذ الأخير و هو خيار حكومة الوحدة الوطنية التي ترأسها شخصية مستقلّة، و هو ما سيعيدنا إلى المربّع الأول، أي ما قبل الإنتخابات.



لا شكّ بأن إنتخابات 26 أكتوبر 2014 أنهت فترة الإنتقال الديمقراطي العويصة و التي شهدت عديد التقلّبات. و لكن المشهد الإنتخابي الحالي و ما سينّجر عنه من تحالفات و تكتيكات ينبئ هو كذلك بأن بداية فترة المؤسسات الدائمة لن تكون بالإستقرار السياسي المُنتظر و قد تشهد أيضًا مازقا سياسيّا و ها قد بدأنا نلمس ذلك بإستئناف الحوار الوطني.