dialyse-cnam-rise-tunisie

بقلم هندة الشناوي، ترجمة محمد سميح الباجي عكاز، تصوير مالك عبد الرحمان.

في خضّم لعبة ليّ الأذرع بين المصحّات الخاصّة التي تسعى لزيادة تعريفة عمليّة تصفية الدمّ بدأ من الأوّل من جانفي 2015، وبين الصندوق الوطنيّ للتأمين على المرض الذّي يرفض بدوره تغطية الفارق الناتج عن الزيادة، يجد مرضى قصور الكلى أنفسهم ضحايا هذا الخلاف الذّي لن تطال نتيجته سوى هؤلاء.

في الثامن عشر من شهر ديسمبر الجاري، وفي جوّ مشحون، تظاهر المئات من مرضى قصور الكلى في المقرّ المركزيّ للصندوق الوطني للتأمين على المرض احتجاجا على توقّف المفاوضات بين السلطات و نقابة المصحّات الخاصّة، مهدّدين بالتصعيد واتخاذ مواقف أكثر تشددا في حال عدم توصّل الطرفان إل حلّ ينقذ حياة الآلاف من مرضى الكلى الذّين وجدوا أنفسهم وقود هذا الصراع.

الأزمة لا تتعلّق بعشرات الحالات، بل بستّة آلاف مريض من جميع الشرائح العمريّة الذّين يضطرّهم المرض إلى قضاء 5 ساعات في اليوم معلّقين بآلة تصفية الدمّ التي تترك على أجسادهم جروحا بليغة وآثارا نفسيّة تتراوح بين اليأس والخوف من مستقبل مجهول.

حياتنا مرتبطة بحصص تصفية الدمّ، وعليه يجب أن تغطّي الدولة نفقات علاجنا فحالتنا الماديّة لا تسمح بتحمّل مصاريف العلاج وحصص التصفيّة الدوريّة. معظم المرضى هم من الفقراء المحرومين من العمل أو الدراسة ومن العيش بشكل طبيعيّ وسط مجتمعهم، فهم يقضون حياتهم داخل المستشفيات. إذا ما تمّ إقرار هذه الزيادة فقد حكموا علينا بالإعدام والنتائج ستكون كارثيّة.

بهذه الكلمات استقبلنا أوّل المحتجّين داخل مقرّ الصندوق الوطني للتأمين على المرض وعضو الجمعيّة التونسية لمرضى الكلى.

و قد عادت الأزمة لتتصدّر المشهد حين أصدرت الغرفة النقابيّة لمصحّات تصفية الدم بيانا أعلنت فيه نيّتها الترفيع في تعريفة حصّة تصفية الدم إلى 120 دينارا. ولكنّ الخلاف بين الصندوق الوطني للتأمين على المرض والغرفة النقابيّة لمصحّات تصفية الدم تعود إلى سنين مضت. وفي هذا السياق، كان لنواة لقاءا مع الدكتور طارق النيفر رئيس الغرفة النقابيّة لمصحّات تصفية الدمّ، حيث استقبلنا في مكتبه بمصحّة “التضامن” التي تستقبل منذ سنوات ما يقارب 120 مريضا. وحاول خلال حديثه إلينا توضيح حيثيّات الأزمة قائلا:

لقد وقّعنا منذ سنة 2006 محضر اتّفاق مع الصندوق الوطني للتأمين على المرض، ولكنّه لم يدخل أبدا حيّز التنفيذ بعد توقّف المفاوضات عند الفصل 17 الخاصّ بتحديد سعر حصّة تصفية الدمّ. ومن المعلوم أنّ هذا الصندوق يتحمّل كامل مصاريف علاج مرضى قصور الكلى، ولكنّ لا بدّ من الأخذ بعين الإعتبار أنّ التسعيرة الحاليّة لم تتمّ مراجعتها منذ سنة 1977 رغم تفاقم نسبة التضخّم خصوصا في السنوات الثلاث الماضية بالإضافة إلى ارتفاع الأجور ومختلف التكاليف الأخرى المرتبطة بحصص تصفية الدم. وقد حاولنا تجاوز هذا الإشكال وقمنا سنة 2010 بإعداد دراسة تثبت ضرورة مراجعة تسعيرة حصّة تصفية الدم، ولكنّ الصندوق الوطني للتأمين على المرض وسلطة الإشراف طالبتنا بإعادة الدراسة وإدماج الوزارات الأخرى ذات الصلة كوزارة الشؤون الإجتماعيّة إضافة إلى شريكينا الأساسين الذين سبق ذكرهما. وقد أقرّت هذه الأخيرة زيادة سعر الحصّة إلى 100 دينار و800 ملّيم. ولكن ومنذ استئناف المفاوضات وحتّى الرابع عشر من شهر جوان الفارط، لم يحصل أيّ تقدّم بخصوص التسعيرة الجديدة وتوقّف الصندوق الوطني للتأمين على المرض عن إجابتنا رغم مراسلاتنا العديدة.

الدكتور طارق النيفر رئيس الغرفة النقابيّة الوطنيّة لمصحّات تصفية الدم.

في إطار ضمان حقّ الردّ للطرف المقابل، توجّه فريق نواة لمحاورة السيّد يونس بن نجمة مدير الصندوق الوطني لتأمين على المرض الذّي نفى تماما توقّف المفاوضات. ليضيف قائلا:

لقد تفاجأنا من الإجراء الأحاديّ للغرفة النقابيّة الوطنيّة لمصحّات تصفية الدم. ومن رأيي أنّه لا يجوز التلاعب بحياة المرضى وسلامتهم في سبيل تحقيق مطالب معيّنة. صحّة مرضانا وسلامتهم هي أولويّتنا الأساسيّة، ونحن نقوم بمهامنا في تغطية نفقات العلاج حسب التسعيرة المتفّق عليها، وما إن يتمّ استئناف المفاوضات وإقرار تسعيرة جديدة من قبل الوزارة فسنعمل على تغطيتها بالتأكيد.

بهذه الكلمات أنهى المسؤول الأوّل عن الصندوق الوطني للتأمين على المرض اللقاء مؤكّدا أنّ الأزمة ستحلّ عاجلا.

بعد أن تنصّل مدير الصندوق الوطني للتأمين على المرض من مسؤوليّة الصندوق، ملقيا الكرة في ملعب وزارة الصحّة، فضّلت هذه الأخيرة الصمت وتجاهل طلباتنا المتكرّرة للتوضيح والردّ على تصريحات الأطراف المعنيّة بالأزمة طمئنة الرأي العامّ، في حين اكتفت المكلّفة بالإعلام في وزارة الشؤون الإجتماعيّة السيدة مريم حسين بالتعليق مؤكّدة على استمرار المفاوضات وقرب التوصّل إلى حلّ.

وسط هذه الحلقة المفرغة وتراشق التهم والتنصّل من المسؤوليّة، لم يجد أصحاب مصحّات تصفية الدم من وسيلة سوى مزيد الضغط على الأطراف المعنيّة. ويشرح الدكتور النيفر أسباب التصعيد قائلا:

لقد استنزفنا مواردنا نتيجة الإرتفاع المشّط للأسعار، كما أنّنا لم نعد قادرين على الحفاظ على طواقمنا الطبيّة التي تعاني من تدنّي أجورها، وحاولنا قدر المستطاع تجنيب المرضى حالة الهلع والخوف من الصدام مع الصندوق الوطنيّ للتأمين على المرض، ولكن وفي المقابل تواصل تجاهل وتعنّت الوزارات المعنيّة لمطالبنا المشروعة. إثر الدراسة الأخيرة التي برهنت على ضرورة زيادة تسعيرة حصّة تصفية الدمّ، أعلمنا الصندوق الوطني للتأمين على المرض أنّه غير قادر على تغطية الفارق وشرع في طرح حلول وبدائل بعيدة عن الواقع ومستحيلة التنفيذ.

ويستطرد مدير الغرفة النقابيّة لمصحّات تصفية الدم وهو دامع العينين: « لقد عملنا طيلة ثلاثين سنة دون توقّف على تلبية احتياجات المرضى والإعتناء بهم وزاولنا مهامنا في أصعب الظروف الأمنية ورغم كلّ العوائق ولم تكن لدينا أيّ طلبات طيلة هذه المدّة. ولتتأكّدو من كلامنا بإمكانكم أن تتحدّثوا إلى المرضى وتسمعو منهم عن أداءنا طيلة الفترة الماضية. ولكن ما نخشاه اليوم هو أن تغلق هذه المصحّات نتيجة تفاقم عجزها عن تغطية مصاريفها ومواصلة عمليّات تصفية الدم لمرضاها.»

يجد الآلاف من مرضى قصور الكلى اليوم أنفسهم بين المطرقة والسندان في خضمّ أزمة لا يبدو حلّها قريبا بالنظر إلى الوضع الإقتصاديّ المتدهور في البلاد ككلّ وفي ظلّ توجّه الدولة إلى التخفيض في دعم القطاع الصحيّ، ليكون الفقراء وأصحاب المداخيل الضعيفة أوّل الضحايا وأكبر المتضرّرين من ارتدادات الأزمة الإقتصاديّة.