chorki-belaid-qui-a-tue

بقلم غسّان بن خليفة،

قال الأستاذ علي كلثوم، عضو هيأة الدفاع والبحث عن الحقيقة في قضية اغتيال الشهيد شكري بلعيد، أنّ الهيأة تترقبّ ردّة فعل محكمة التعقيب، بعد أن تبنّت دائرة الاتهامّ بمحكمة الاستئناف بالعاصمة موقف القائمين بالحقّ الشخصي حيال الإخلالات التي شابت التحقيق في الجريمة. ووَرَد هذا التصريح ضمن مداخلة له خلال الندوة التي عقدتها الهيأة عشيّة الجمعة المنقضي بدار المحامي، في إطار إحياء الذكرى الثانية للاغتيال، وأشرف عليها الأستاذ محمد الفاضل محفوظ، عميد المحامين.

“القرار الايجابي” لدائرة الاتّهام

وأثنى كلثوم على القرار الإيجابي لدائرة الاتّهام التاسعة بمحكمة الاستئناف بالعاصمة، التي “تحسّست القضّية كقضيّة وطنيّة وقضيّة شعب كامل”، مشيدًا بقرارها مطالبة النيابة العمومية وأمرها قاضي التحقيق مراجعة الملفّ والاستجابة لجزء هامّ من طلبات القائمين بالحقّ الشخصي، أي عائلة الشهيد وهيأة الدفاع. وأردف موضحًا أنّ دائرة الاتّهام “تبّت موقفنا (…)، إذ اعتبرت هؤلاء الأشخاص متورّطين في أربعة مراحل على الأقلّ (…): التحضير والإعداد للاغتيال، والتنفيذ والإخفاء ومحاولة منع العقاب “. وهم : علي العريّض، وزير الداخلية الأسبق، لطفي بن جدّو وزير الداخلية السابق، وما لا يقلّ عن عشرة من كوادر الداخليّة ومن الممسكين بمفاصل قرارها، منهم السباعي ومصطفى بن عمر ووحيد التوجاني وعدنان سلامة ورياض غدير وغيرهم”، والذين أثبتت الهيأة تورّطهم بالدليل، حسب قوله. وتمنّى المحامي في ختام مداخلته، التي اختار لها عنوانًا: ’دائرة الاتهامّ كمحكمة تحقيق من الدرجة الثانية’، أن تسارع محكمة التعقيب بتحديد تاريخ للنظر في استئناف المتهّمين لقرار دائرة الاتّهام وأن “تتفطّن إلى أنّ القرارات الوقتية الصادرة عن دائرة الاتّهام غير قابلة للطعن طبقا للفصلين 120 و350 لمجلة الإجراءات الجزائية”، مسندًا كلامه بمثالين من فقه القضاء التونسي.

ودقّق الأستاذ نُعمان مْزيد، العضو بالهيأة، في حديثه لـ’نواة’ كلام زميله عن موقف دائرة الاتّهام. إذ أوضح أنّه “لم تُوجَّه التُهمة إلى حدّ الآن” إلى المظنون فيهم من طرف الهيأة، أيْ العريّض وبن جدّو والكوادر الأمنية التي تتّهمها الأخيرة بالتستّر على بعض الوثائق الهامّة في التحقيق. وعلى رأس هذه الوثائق التقرير البالستي الذي “بقي خمسة أشهر في خزينة وزارة الداخلية” دون إعلام قاضي التحقيق بتوفّره، وذلك رغم أنّ أحد أعضاء الوفد الذي أُرسل إلى لاهاي الهولنديّة، بتكليف من مدير الأمن العمومي السابق وحيد التوجاني، هو عضو بالإدارة الفرعيّة للقضايا الإجرامية التي أنابها القاضي. وهو ما اعتبره “إخفاءً للجريمة الإرهابية”، مردفًا أنّ الفصل 13 من قانون مكافحة الإرهاب لسنة 2003 يعتبر ذلك “مشاركة في هذه الجريمة”، إلاّ أنّ قاضي التحقيق اكتفى بالاستماع إلى المظنون فيهم “بصفة إجمالية”. والجديد في الأمر حسب مْزيد هو إنصاف دائرة الاتهام لهيئة الدفاع عن القائمين بالحقّ الشخصي واعتبارها “جدّية”. وهو ما سيفرض على قاضي التحقيق “إعادة النظر فيها من زاوية أخرى، من زاوية أنّها طلبات جدّية”، مذكّرًا بأنّه ملزمٌ قانونًا بذلك بالنظر إلى أنّ الدائرة  المذكورة “هي محكمة استئناف وأنّها تأمر ولا تكتفي بالطلب”. واعتبر أنّ الأمر الآن بيد محكمة التعقيب التي يُفترض أن تحدّد جلسة خلال أسابيع للنظر في طعون وجّهها المتّهمون، وكذلك النيابة العموميّة، في قرار دائرة الاتّهام. وتمنّى مْزيد أن تصل المحكمة إلى نفس الاستنتاج بوجود “إخلال في البحث عن الحقيقة”.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=Gb1slK7z9eY]

إخلالات قاضي التحقيق وتسييس القضيّة

وذكّر الأستاذ مزيد، قبل ذلك، بالإخلالات التي شابت مسار التحقيق في القضيّة في إطار مداخلة عنونها: ’دائرة الاتّهام في قضيّة اغتيال الشهيد وعلاقة النيابة العمومية بالتحقيق’. وسبقتها مداخلتيْن موجزتيْن لعضويْ هيئة الدفاع والحقيقة الأستاذة بسمة الخلفاوي، أرملة الشهيد شكري بلعيد، والأستاذ شوقي الطبيب، العميد السابق ورئيس الرابطة التونسية للمواطنة.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=vvAes6hyq-0]

واعتبر مزيد أنّ القضاء في تونس “كان قبل الثورة قضاء تعليمات ليتحوّل بعدها إلى قضاء ولاءات”. وبرهن على استنتاجه بعدد من الأمثلة من سلوك قاضي التحقيق في قضية اغتيال الشهيد بلعيد، فعاب عليه بالأساس إصداره إنابة للإدارة الفرعيّة للقضايا الاجراميّة، تحوّلت “عمليًا إلى تفويض عامّ للقيام بكلّ الأعمال”. إذ أنّ الأخيرة لم تلتزم حتّى بمراجعته عند الاقتضاء كما طلب إليها ذلك بنصّ الإنابة. واستخلص أنّ القاضي سعى بمحض إرادته لـ”الإلقاء بعبء البحث” على عاتق الإدارة المذكورة “بمنطق قضاء الولاء”.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=B0vmXdcKZ1w]

وإضافة إلى تهاون قاضي التحقيق، الذي “تخلّى طوعًا” عن صلاحياته بموجب الإنابة الشاملة التي أصدرها، فإنّ الأمر يعود بالأساس حسب مزيد إلى هيمنة وزير العدل السابق نور الدين البحيري، القيادي بحركة النهضة، على مسار التحقيق بالنظر للطبيعة السياسية للقضيّة. إذ ذكّر بأنّ الإنابة أدّت إلى عدم مراجعة الإدارة الفرعية لقاضي التحقيق، رغم معرفتها بالقانون، وتفضيلها مخاطبة وكيل الجمهوريّة (التابع إداريًا لوزير العدل) في أكثر من مناسبة. وضرَب عددًا من الأمثلة على ذلك من أبرزها، إضافة إلى مسألة التقرير البالستي، تشاور الإدارة الفرعيّة مع وكيل الجمهوريّة، عوضًا عن قاضي التحقيق، بخصوص الاحتفاظ أم لا بالمتهمّ محمّد أمين الڨاسمي، الذي نَقَل الڨضڨاضي بالدراجة النارية إثر ارتكاب الجريمة.

وأشار مزيد إلى أنّ القانون التونسي يسمح بأن يكون وكيل الجمهورية “خاضعًا ترتيبيًا” لوزير العدل، مذكّرًا برفض حركة النهضة منحه استقلاليته أثناء مناقشة صلاحيات السلطة القضائية بالمجلس التأسيسي. واستنتج بناء على ذلك أنّ المشهد يتمثّل في استيلاء، بإرادة قاضي التحقيق، “فرقة أبحاثٍ مُنابَة” على التحقيق. وأنّ الأخيرة “وجدت ذلك ايجابيًا، وذهبت أبعد فأصبح رئيسها المباشر وكيل الجمهوريّة، وربّما أيضا وزير الداخليّة”. وهو ما جعله يعتبر أنّ المشكلة لا تكمن فقط في وزارة العدل، بل وكذلك “في وزارة الداخليّة”.

منازل نهضويين على ذمّة الارهابيين؟

وبخصوص آخر مستجدّات القضيّة، حاولت ’نواة’ استيضاح المزيد من التفاصيل بخصوص ما صرّحت به الأستاذة بسمة الخلفاوي بالعدد الأخير من جريدة ’آخر خبر’، ومفاده أنّ “بعض المنازل التي استعملها الإرهابيون تعود إلى قيادات نهضويّة”. إلاّ أنّ الأستاذ مزيد اعتذر عن الإجابة، فيما قالت الأستاذة الخلفاوي أنّه كان من المفترض أن يقدمّ زملاءها بالهيأة تفاصيل عن الموضوع، لكنّهم لم يفعلوا، وأنّ غياب الأستاذ رضا الردّاوي أثّر على مضمون الندوة؛ مضيفة أنّها “لا تريد إعطاء توضيحات غير واضحة”.

الاستفادة من قضيّة اغتيال الحريري؟

سجّلت الندوة كذلك مشاركة الأستاذ فرانسوا رو، رئيس مكتب الدفاع بالمحكمة الدولية الخاصّة بلبنان، المكلّفة بكشف حقيقة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. تمحورت مداخلة رو، التي أتت في سياق التعبير عن “التضامن المعهود بين المحامين الفرنسيين مع زملائهم التونسيين”، بتعبير العميد محفوظ، حول المقارنة بين النظامين القضائيّين الأمريكي و”الجرماني-الروماني” المُتبّع أكثر في أوروبا، وخاصّة فرنسا. كما روى رو بعض تفاصيل عمل المحكمة الدوليّة بلبنان، كان من أبرزها أنّ الأخيرة أعطت لنفسها صلاحية توسيع التعريف الذي يعتمده القانون اللبناني لجريمة الإرهاب. إذ اعتبرت المحكمة السلاح الناري إحدى وسائل ارتكاب هذه الجريمة، رغم عدم تضمين التعريف اللبناني لها.

ولعلّ أهمّ ما ذكره رو كان تشديده على الطابع الخاصّ للمحكمة وسابقة محاكمتها غيابيًا لمتّهمين بالإرهاب، وأنّها أوّل محكمة دوليّة تصدر قراراتها بالعربيّة، وهو ما يستحقّ متابعة زملائه التونسيين، حسب تقديره. كما أشار المحامي الفرنسي إلى أنّه سلّم في مناسبة سابقة عميد المحامين سجّلاً تضمّن مداولات المحكمة المذكورة.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=P79Z2pl3F-Y]