berbere-Parkinson-genetique-Professeur-Faycal-Hentati

بقلم نادية الهدّاوي، ترجمه إلى العربية محمد سميح الباجي عكاز

مع تغييبه من الأجندة السياسية، يشهد البحث العلمي في تونس تدهورا كبيرا. ففي الوقت الذي تتفاقم فيه مشكلة الجلطة الدماغيّة، لتتحوّل إلى معضلة في قطاع الصحّة العموميّة، تواصل الثورة الجينية مسيرتها. واتسعت هذه الفجوة لتفاقم من مشاكل الطب التونسي. في هذا السياق، كان لنواة لقاء مع الأستاذ فيصل الهنتاتي الحائز على جائزة الشيخ حمدان للعلوم الطبيّة، في المعهد الوطني منجي بن حميدة لطب الأعصاب، حيث باح لنا بالكثير من المعطيات والتفاصيل التي توضّح أسباب تأخّر القطاع الطبيّ في تونس، من جهة، والنتائج المشرّفة في ميدان علم الأعصاب، من جهة أخرى. هذا اللقاء الذّي تمّ في مختبر البيولوجيا العصبية الجزيئية وأمراض الأعصاب أين كشف لنا هذا الباحث المميز عن طموحه إلى تحقيق الجينوم التونسي ولما لا الجينوم العربي أيضا.

بمجرد الولوج إلى المستشفى، تبدو علامات الفوضى واضحة للعيان وكأن المكان تحول إلى ورشة بناء دائمة. وأول ما يلفت الانتباه هي تلك اللافتات الزرقاء البشعة التي كلّفت إدارة المستشفي حوالي 7000 آلاف دينار بينما تم إهمال البنية التحتية المتهاوية، ممّا ادى الى تراجع مستوى الخدمات المسداة للمرضى. أما في الردهة المؤدية إلى مختبر الكيمياء الحيوية، فقد تراكمت صناديق أرشيف مهملة، كما لمحنا جهاز تكييف هواء مثبتا على الأرض بقطعة طوب. في الجهة الأخرى، يوجد مختبر البيولوجيا العصبية الجزيئية وأمراض الأعصاب وقد تمّ تمييزه باللونين الأسود والبني.
[youtube https://www.youtube.com/watch?v=ZWK94uqJ6l4&w=640&h=360]

اكتشافات المؤسّس
من هنا انطلقت مغامرة طب الجهاز العصبي التونسية، عندما فتحت اكتشافات الأستاد المنجي بن حميدة آفاقا جديدة للعلاج، بعد أن رفضت، في البداية، من قبل المجلات العلميّة المختصّة. أول اكتشاف تونسيّ انتظر عقدا من الزمن حتّى يتم تأكيده والاعتراف به إثر عمليّة متابعة سريريّة مطوّلة.

في بلد ما زال يمارس فيه زواج الأقارب، حاول الدكتور بن حميدة أن يثبت أنّ مرض ضمورالعضلات في تونس يختلف عن نظيره في أوروبا الناتج عن العيوب الجينيّة. وقد عزّز هذا الأخير عيادته بدراسات عديدة حول الأمراض العصبية الوراثية، والتي تمكّن من إعادة تشكيل التاريخ العائلي الوراثي من خلال الممارسة الطبية اليومية.

بعد تسع سنوات من وفاة الرائد الأوّل لعلم الأعصاب في تونس، تحصّل السيّد فيصل الهنتاتي، الذّي كان واحدا من أفضل تلاميذه، على موافقة الحكومة الانتقاليّة لوضع اسم المنجي بن حميدة مؤسّس هذه الفكرة منذ سنة 1967 هذا المعهد الفريد من نوعه.
كان حلم المقيم السابق في Salpetriere أن ينشأ مستشفى ترتكز ممارسة الطبّ فيها على تقديم العناية الطبيّة للمرضى من جهة وتجنّب الإصابة ببعض الأمراض عن طريق الكشف المبكر عن الأمراض الوراثية من جهة أخرى. خلال حياته المهنيّة، كان لنتائج الأبحاث الصادرة عن المعهد دور أساسي في فهم معظم الأمراض الشائعة في مجالات ضمور العضلات، والترنح وأمراض الأطراف العصبيّة. وقد تم العثور حتي الآن على 15 نوعا من الجينات المسؤولة عن امراض عصبية تمس شريحة من الشعب التونسي من مختلف الأعمار على غرار امراض العضلات ومرض الترنح الذي يمس الأطفال والشباب ومرض «باركنسون» أو ما يعبر عنه بالشلل الرعاش .

المصاعب والتحديات التي تواجه علم الأعصاب في تونس

على الرغم من النتائج المشرّفة في ميدان علم الأعصاب في تونس، من حيث معايير التأثير والمساهمة في تطوير هذا التخصّص على الصعيد العالمي كما ورد في موقع إلكتروني متخصّص وموثوق والتي نعرضها في الرسم البياني اللاحق، إلاّ أنّ النتائج تظلّ دون الإمكانيات الحقيقيّة في مناخ “التلاعب والمؤامرات” التي يرسّخها نظام يضحي بالمهارات ويدعم الرداءة وعدم الحرفيّة.

web-of-science

ووفقا للأرقام التي أفصح عنها الأستاذ فيصل الهنتاتي، يغطي المعهد 100٪ في طوارئ الأمراض العصبية ، ونحو 85٪ من الإستشفاءات ذات الاختصاص، بالإضافة إلى 60٪ على الأقل في العيادات العصبيّة وأكثر من 95٪ من نشاط البحث في علم الأعصاب، ولكن أقل من 15٪ من أطباء الأعصاب في المستشفيات الجامعيّة يعملون في تونس العاصمة. كما أن المعهد تمكن، منذ سنة 2000، من إرساء وحدة فريدة من نوعها للكشف عن الجلطة الدماغية. ويتلقى المعهد يوميا ما بين 15 و 20 مريضا، بإمكانيات متواضعة وغير كافية لا تتجاوز 8 أسرّة و عاملين ضمن الطاقم الطبيّ

من المعلوم أن السكتة الدماغية يمكن علاجها خلال 4 ساعات بعد وقوع الحادث، ولكنّ سوء التنظيم والإخلالات الهيكليّة في القطاع الصحيّ أدّى إلى أن العديد من المرضى يفارقون الحياة نتيجة وصولهم في وقت متأخر. ويستطرد الدكتور الهنتاتي قائلا؛ “عدد الوحدات للكشف عن السكتة الدماغيّة تعكس مدى التقدّم في مجال علم الأعصاب لبلد ما. ونحن في تونس نملك وحدة واحدة ل 10 ألف نسمة، ليضيف محدّثنا؛ “هناك حالة تامة من التسيّب وغياب الرقابة والعقاب والمحاسبة في المؤسّسات الطبيّة العموميّة، ذلك لأنّ مديريها قدّ لم يتمّ تعيينهم على أساس الكفاءة العلمية وحسن الإدارة”.

علاوة على ذلك، فإنّ تطور الطب الحديث يواجه اليوم معضلة أخرى تكمن في هيمنة المخابر الكبرى في الدول الغربية في مجال التكنولوجيا الحيوية. إذ أنّ تسجيل براءات الاكتشافات لا يشكل تحديّا اجتماعيا واقتصاديا فحسب، ولكنه يشمل أيضا الجانب الأخلاقي والقانوني. ويجدر التذكير هنا بالإعلان الدولي بشأن البيانات الوراثية البشرية الذّي ينصّ في المادة 18 على ما يلي:

“ينبغي أن تقوم الدول وفقا لقانونها الداخلي والاتفاقيات الدولية، بتنظيم تداول البيانات الوراثية البشرية والبيانات المتعلّقة بالبروتينات البشرية والعينات البيولوجية عبر الحدود. بهدف تعزيز التعاون الدولي في المجالين الطبّي والعلمي وتأمين الوصول إلى هذه البيانات على نحو منصف. وينبغي أن يتوخّى هذا النظام ضمان قيام الطرف المتلقي لهذه البيانات بتأمين الحماية الكافية لها وفقا للمبادئ المبيّنة في هذا الإعلان.”

لكن المنظومة القانونية في تونس لا تحتوي على أية قوانين لحماية الموارد الوراثية وتمويل وتطوير البحوث الجينية، إذ حتّى هذه اللحظة “يعود القرار ورسم السياسات إلى المسؤولين المتعاقبين على الوزارة”، ويضيف السيّد الهنتاتي؛ “منذ وقت قريب، تمّ رفض مشروع تعاون مع مؤسسة فوكس للباركنسون من قبل الوزارة.”

الباركنسون “البربري”

تم اكتشاف مرض باركنسون تونسي منذ فترة قريبة من قبل فريق البروفيسور فيصل الهنتاتي، وذلك بفضل تقنية علم الوراثة العكسية. هذا الاكتشاف الذّي تمّ نشره في مجلة من أشهر المجلات الطبيّة “The lancet Neurology”، أماط اللثام عن دور طفرة جينية مسؤولة عن هذا المرض وذلك من خلال دراسة ومتابعة 96 عائلة تونسية. وقد أفضت النتائج إلى تصنيف المرض في أشكال عائلية بنسبة 10٪ في حين تمّ إدراج 90٪ من الحالات المتبقيّة ضمن أشكال مختلفة.

وقد اتضح فيما بعد أنّ الطفرة في جين LRRK2، أو الذي يصطلح على تسميته dardarine، كانت تعود لأسباب وراثيّة في 50٪ من حالات المرضى التونسيين من مرض باركنسون.
المفاجأة الكبرى التي اكتشفها الدكتور الهنتاتي هي أنّ مرض الباركنسون غير وراثيّ كما كانت تِؤكده البحوث السابقة. حيث لم يثبت تورّط الجين المذكور في المجتمعات الآسيوية والأوروبيّة والأمريكيّة سوى بنسبة تراوحت بين 0,1% و2%. ويرجّح محدّثنا أن يعود مرض الباركنسون التونسي إلى أسلافنا البربر منذ 2500 سنة أو3200 سنة.

يشير البحث الأخير لمعهد منجي بن حميدة لعلم الأعصاب أنّ هذا النموذج العائلي من مرض باركنسون تمّ تسجيله لدى يهود الاشكناز في أوروبا وروسيا. وقد تم تطوير اختبار تشخيصي للباركنسون في مختبر المعهد، وهو يمثّل بالفعل عاملا مهمّا لخفض الميزانيات الصحية لهذا المرض. ولم يتبقّى لفريق الدكتور الهنتاتي سوى العثور على علاج من خلال العمل مع مختبرات دول الشمال في انتظار أن يصبح علم الوراثة والأعصاب أولوية وطنية.

الأستاذ فيصل الهنتاتي

سيرة ذاتية الأستاذ فيصل الهنتاتي مدير قسم الأعصاب ومختبر بيولوجيا الأعصاب في معهد الوطني المنجي بن حميدة لعلم الأعصاب منذ عام 1995. وهو أستاذ علم الأعصاب في كلية الطب في تونس، منذ عام 1990. عمل مع فريقه لأكثر من 25 عاما في مجال الأمراض العصبية الوراثية الأكثر انتشارا في تونس وساهم في توصيف كيانات وراثية جديدة، وتحديد الجينات المسؤولة عن الكثير من الأمراض الوراثية الشائعة أو المحدودة في تونس. يتم تمويل ابحاثه عن طريق العديد من المنظمات الوطنية والدولية مثل الجمعية الأمريكية لعلاج ضمور العضلات (MDA)، والجمعية الفرنسية ضد الاعتلالات العضلية (AFM)، والمفوضية الأوروبية ومؤسسة مايكل جي فوكس (MJFF) لمرض باركنسون.
نشر الأستاذ فيصل الهنتاتي أكثر من 160 المقالات العلمية، وقد بلغ ترقيمه حسب مؤشر H ال44 (مؤشر يحاول قياس الإنتاجية العلمية وتأثيرها استنادا إلى مستوى الاقتباس من المنشورات) أما مؤشّر g (قياس الإنتاجية العلمية استنادا إلى سجل المنشورات) فقد أسند للأستاذ الهنتاتي ترقيم 88 (نوفمبر 2014). كما يشغل هذا الأخير العديد من المناصب، فهو عضو في هيئة تحرير عدد من المجلات العلمية، رئيس الجمعية التونسية لعلم الأعصاب وينشط صلب العديد من الجمعيات العلمية الأخرى. حصل على الجائزة الرئاسية الأولى للتكنولوجيا الحيوية (تونس) في عام 2002، وجائزة “Gaetano Conte” (إيطاليا) في عام 2001 وجائزة حمدان الطبية (دبي) في عام 2014.