parlement-tunisie-gouvernement-essid-vote

بقلم أحمد الرحموني، رئيس المرصد التونسي لاستقلال القضاء،

خطر ببالى وأنا مستغرق في قراءة تقرير لجنة التشريع العام حول مشروع القانون الأساسي المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء نوع من المسرح الشعبي الايطالي يسمى “كوميديا ديلارتي” يتولى فيه الممثل -الذي يظهر ملثما- ارتجال ملهاة متميزة إما بالسذاجة أو المكر أو البراعة . ولا أدري لماذا اعتقدت أن أحد هذه الأوصاف يمكن أن ينطبق على النقاشات التي دارت حول فصول المشروع المعروض على اللجنة أو بعض المسائل الواجب الحاقها به. وقد اكتشفت من خلال وقوفي على توجهات بعض الاعضاء “الملثمين” أن من أهدافهم الرئيسية تتبّع كل ماهو قضائي لأنه حسب رؤيتهم يكون في الغالب محل ارتياب ويجب لذلك التفكير في اقصائه -فهل تصدقون- وحتى لا أُتهم بالتهويل أعرض عليكم مثالين لهذا الإرتجال الناشئ إما عن سذاجة أو مكر أو براعة.

المثال الأول يتعلق بشروط الترشح للمجلس الأعلى للقضاء من قبل غير القضاة وبالذات ما يهم المحامين وقد تبين من نقاش أعضاء اللجنة اختلافهم حول تحديد مدة الأقدمية المستوجبة وقد انتهى الأمر إلى اتفاقهم على أقدمية في المهنة لا تقل عن 15 سنة. ويبدو الشأن إلى هذا الحد طبيعيا باستثناء ما اقترحه أحد الأعضاء -الذي بقي مجهولا- في باب الشروط الإضافية وهو ضرورة أن لايكون المحامي (وهو في العادة صنف واحد) قد مارس سابقا مهنة القضاء وذلك حتى يكون هناك تناسق مع الدستور لأن المستقلين هم من غير القضاة. ونحمد الله أن اللجنة بأغلبية أعضائها لم تتجه إلى التنصيص على هذا الشرط. ويظهر ان بعض أعضاء اللجنة من الأقلية يبحثون عن “محام أصيل” غير هجين لخشيتهم أن يحنّ المحامون-القضاة إلى أوضاعهم السابقة فيتحولون إلى قضاة غير مستقلين. ولا أدري إن كان لصاحب الإقتراح قائمة مستقلة للمحامين حسب أصولهم أو أن ما قاله يدخل في باب الإرتجال الكوميدي.

أما المثال الثاني فيتعلق بالطعن في القرارات الخاصة بالمسار المهني التي تصدرها المجالس القضائية (العدلي و الإداري و المالي) وقد برز من جملة الآراء المطروحة اتجاه يعتبر -ولا أدري كيف اهتدى إلى ذلك- أن تعهد المحكمة الإدارية بالنظر ابتدائيا و استئنافيا بالطعون المتعلقة بذلك يجعلنا (هكذا بالجمع) في دائرة مغلقة وتفسير ذلك أن المجلس الأعلى للقضاء في ثلثيه قضاة يبت في المسار المهني و الطعن يكون امام هيئة قضائية من قضاة و بالتالي يتجه التفكير في لجنة مستقلة تنظر في الطعون أو أن يتم تطعيم التركيبة القضائية في المحكمة الإدارية بعضوين من المستقلين يعينهم المجلس الأعلى للقضاء من غير الأعضاء المشاركين. ونحمد الله ثانية على أن النقاش -حسبما ورد بالتقرير- قد أفضى إلى “عدم الذهاب في تطعيم التركيبة القضائية” التي ستنظر في الطعون بعضوين من غير القضاة و بقاء التركيبة قضائية صرفة. وتورد اللجنة من بين الأسباب التي منعتها من المضي في هذا الطريق أن «لاخوف من المحكمة الادارية التي اتخذت دوما قرارات مشرفة قيل الثورة».

ولكم أن تتوقفوا عند هذا المثال و تتشوفوا إلى معرفة ماذا كان يدور -حقيقة- بذهن صاحب هذا الرأي وهل أن رأيه ناشئ عن سذاجة أو مكر أو براعة أو شيئ آخر علينا اكتشافه. فطبقا لصياغة الفكرة الواردة بالتقرير فعلى الأعضاء من غير القضاة بالمجلس الأعلى للقضاء أن يخافوا من أن القرارات التي شاركوا في إصدارها سيتولى البت في الطعون الموجهة ضدها قضاة -وكأن المحاكم يمكن أن تتشكل من غيرهم- وهو ما يبرر التفكير في إحداث هيئة غير قضائية أو تطعيم المحكمة الإدارية بمستقلين لأن القضاة بحكم نظرهم في ملفات القضاة هم غير مستقلين. وهنا أتساءل هل يمكن أن ينتهي الإرتجال إلى طرح أفكار من هذا القبيل تجسم خلطا فادحا مع غياب أي إدراك لدور الأعضاء من غير القضاة فضلا عن انتفاء أي تمثل لمعنى المؤسسات أو الثقة المفترضة في القضاء من جانب نواب الشعب.