bourguiba_habib

بقلم محمد الجمل،

طلع علينا منذ أسبوعين امام الايمة و شيخ الشيوخ راشد الغنوشي المرشح لخلافة القرضاوي بتصريح لاحدى وسائل الاعلام يدعي فيه أن حكم بورقيبة لم يكن مختلفا عن دولة الاستعمار، دون أن يوضح لتفادي الالتباس، أن هذا الأمر يتعلق بالحد من الحريات الشخصية فقط. والملاحظ أنه رغم تصريحه للاذاعة الوطنية في 17 أفريل 2015 من أن موقفه ازاء بورقيبة “أصبح أكثر واقعية” لم يتحل الشيخ الوقور الى حد الآن بالشجاعة الكافية و النزاهة الفكرية اللازمة للاعتراف بما قام به نظام بورقيبة في شتى المجالات. هل يعلم “شيخنا” أن عدد المتمدرسين التونسيين في عهد الاستعمار كان ضئيلا جدا و أن سياسة تحديد النسل لم تكن تذكر و أن الشباب التونسي كان مجبرا على التجنيد للمشاركة في الحروب في المستعمرات أو دفع غرامة باهضة، و أن يوم تجنيد الشباب كان يوما مشؤوما يسوده حزن عميق في العائلات نظرا لاحتمال عدم رجوع الشاب حيا الى منزل أبويه أو تسلم هؤلاء خبر موت ابنهم في ميدان القتال، وأن ، و أن… لقد استمعت يوما في احدى القنوات الإذاعية الى ما صرح به أحد قادة حركة النهضة من أن ما أنجزه بورقيبة كان بامكان أي رئيس آخر أن ينجزه و ليس لبورقيبة أي فضل يذكر.

هناك حقائق موضوعية لا يمكن للمرء أن يتجاهلها مهما كان اختلافه السياسي مع منافسه السياسي ويجب عليه ذكرها مع السلبيات اذا تحلى بالنزاهة الفكرية. ففي ميدان تحديد النسل مثلا أذكر “الشيخ الوقور” أن في سنة 1960 كان لسوريا و تونس نفس عدد السكان تقريبا (4،6 مليون لسوريا و 4،2 لتونس) (،32) و اليوم أصبح عدد السوريين يناهز 23 مليون نسمة في حين أن عددنا الآن لا يصل الى النصف.

مثال آخر يتمثل في مقارنة نتيجة سياسة نشر التعليم في تونس و في بلد مشابه كالمغرب مثلا الذي حصل على استقلاله في نفس السنة التي حصلنا عليه ( أي 1956). اذا بحثنا في هذه الموضوع نجد أن نسبة الأمية في هذا البلد الشقيق تساوي 32،9 بالمائة سنة 2011 في حين أنها قريبة من 20 بالماءة في بلدنا، و ذلك حسب الدراسات التي قامت بها جامعة شاربروك في كندا (3،4). كما أن هدا البلد الذي يحتوي على 32 مليون نسمة له 420 الف طالب جامعي أي بمعدل 13 طالبا لكل 1000 مواطن في حين أن لدينا ما يقرب من 300 ألف طالبا أي بمعدل يناهز 27 طالبا لكل الف مواطن.

و أخيرا تذكرت ما كانت تردده علي والدتي رحمها الله من أن جدي من أبي اضطر الى بيع عديد الهكتارات من أراضيه المغروسة زيتونا و دفع ثمنها الى السلطات الاستعمارية لكي يعفي أولاده الخمسة من التجنيد في صفوف جيش الاحتلال الذي كان يقاتل آنذاك في المستعمرات مثل الجزائر و الهند الصينية. لو لم يبع هذه الأراضي الشاسعة لكنت الآن ثريا.

بقي أن أذكر “شيخنا” أنه لو لم تكن سياسة تعميم التعليم التي توخاها بورقيبة و حرص على نشرها حتى في القرى النائية، لكان الجهل متفشيا أكثر مما هو عليه الآن. خصوصا في الريف أين فتح فيه الشيخ الكريم عينيه على العالم لأول مرة.

وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير) البقرة : 237 (صدق الله العظيم)