etat-urgence-tunisie

بقلم منصور السويبقي(*)

– لماذا كل هذا اللغو و هذه الحمى التي اصابت بعض الاحزاب السياسية المحسوبة على “المعارضة” و المقصود بذلك هو الاعتراض على كل شيئ و في كل الاحوال و لأتفه الاسباب حول موضوع اعلان حالة الطوارئ؟

– و لماذا كل هذا النفاق السياسي المفضوح من قبل هذه الاطراف التي باسم الحريات تزعم و ان حالة الطوارئ تقوض منظومة الحريات و تقيد الاحتجاجات الاجتماعية؟

– و هل ما عشناه منذ نهاية الانتخابات التشريعية و الرئاسية نهاية 2014 من ارهاسات و من شد الى الاسفل و حرق لمراكز السيادة و تعطيل لسير المرفق العمومية الحيوية و لقطع الطرق و منع الناس من حق العمل و تعطيل المؤسسات الصناعية و الاقتصادية من القيام بواجباتها و تهديد الاساتذة و المعلمين لرموز الدولة و الامتناع عن التدريس و اصلاح الامتحانات بشكل همجي غير مسبوق يعتبر احتجاجا اجتماعيا او عنجفية و عنوان كبير من عناوين التخلف؟

– و هل النية المبية التي تهدف اساسا الى مزيد اضعاف الدولة و اسقاط الاقتصاد و التهجم على المسؤولين بلغة سوقية جارحة الى حد كبير تعتبر من قبيل الحريات المتحدث عنها ام بمثابة قطعان من الذهاب المتوحشة التي تعتبر الدولة مجرد غنيمة قابلة للافتراس؟

– ثم لماذا لـم يثـر الاعلان عن حالة الطوارئ التي اعلن عنها الرئيس السابق محمد منصف المرزوقي و قد دام حوالي 24 شهرا دون ان يعلل هذا الاخير ذلك الاعلان و تقبله الجميع بما في ذلك المعارضة انذاك دون ادنى احتجاج؟

– هل ان ذلك يعني ان ما اعلنه المرزوقي حقا و اما اعلنه الباجي قائد السبسي حرام لانه صادر عن رئيس جمهورية منتخبا انتخابا لا غبار عليه من قبل الشعب و ليس بمجرد اماءة في نطاق تقاسم تونس الوليمة بين النهضة ورفاق دربها؟

– ثم متى كانت القرارات السيادية ذات الصلة بالامن القومي و حماية التونسيين من الارهاب الذي هللت له الاحزاب ذات المرجعيات الاسلامية على حد تعبيرهم يجب ان يكون محل توافق بين جميع الفرقاء ؟ هل نحن مازلنا في طور الحكومات المؤقتة حتى بعد استكمال الدستور و بعد الانتخابات التشريعية و الرئاسية لخمسة سنوات لنخرج من المؤجل الى الاستقرار السياسي ام ان هناك من المعارضة من مازال يحلم بالحكم المؤقت؟

ان الاعلان الذي اصدره رئيس الجمهورية باعتباره القائد الاعلى للقوات المسلحة البرية و البحرية و الجوية قد جاء متطابقا تماما مع احكام الفصل 80 من الدستور الجديد الذي ينص على انه :

” لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن او امن البلاد او استقلالها يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة ان يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية و ذلك بعد استشارة رئيس الحكومة و رئيس مجلس نواب الشعب و اعلام رئيس المحكمة الدستورية ( ان وجدت من عدمها) و يعلن عن التدابير في بيان الى الشعب
و يجب ان تهدف هذه التدابير الى تامين عودة السير العادي لدواليب الدولة في اقرب الاجال و يعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة و في هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة
وبعد مضي ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير و في كل وقت بعد ذلك يعهد الى المحكمة الدستورية (ان وجدت ايضا من عدمها) بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب او ثلاثين من اعضائه البت في استمرار الحلة الاستثنائية من عدمه و تصرح المحكمة بقرارها علانية في اجل اقصاه خمسة عشر يوما.
و ينهى العمل بتلك التدابير بزوال اسبابها و يوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك الى الشعب.”

و حيث يتضح هكذا جليا وان قرار اعلان حالة الطوارئ هو قرار سيادي بالمفهوم الدستوري للكلمة و يختص به رئيس الجمهورية دون سواه و ما استشارة رئيسي الحكومة و مجلس نواب الشعب إلا مجرد اشعار و اعلام علني للشعب و ممثليه و رئاسة الحكومة و ليس لهما الحق في التصدي لذلك و بالتالي فان محاولة استدعاء بعض اعضاء الحكومة او رئيس الحكومة لاستجوابه من قبل النواب تعد خرقا لاحكا م الدستور و خاصة الفصل 80 منه الذي يعطي لرئيس الجمهورية تلك الصلاحيات الدستورية هذا من ناحية اولى – و من ثانية فان الاعلان عن حالة الطوارئ ليست بدعة في النظام السياسي التونسي القديم او الجديد حتى و لئن ارتبط ببعض المحطات التاريخية سيئة الذكر مثل الاضراب العام يوم 26 جانفي 1978 فالرئيس المرزوقي و بالتالي الترويكا كانت هي الاولى من اعلن حالة التواري و ارسل جنودنا و رجال الامن للمشانق و المجازر لان ذلك الاعلان هو اعلان على الورق بعد ان منع رجال الامن من القيام بالايقافات الازمة ضد الجماعات المنضوية تحت لحاف النهضة ممن شهروا السلاح و وجهوه ضد بلادهم و ضد ابناء هذا الشعب فكانت الاغتيالات السياسية و الهجوم على المقرات الرسمية لممثلي البعثات الدبلوماسية التي كانت و لا تزال تحت حماية الدولة التونسية على المستوى الخارجي وفق ما تنص عليه المعاهدات الدولية و الديبلوماسية كحماية الاجانب بحكم التزامات الجمهورية التونسية.

و حيث و من جهة اخرى فيما يتعلق بالقانون الدستوري المقارن لا بد من الاشارة الى الفصل 16 من دستور 4 اكتوبر 1958 او ما سمي انذاك بالسلطات الاستثنائية الي نص عليها الدستور الفرنسي الانف الذكر و التي تخول لرئيس الجمهورية اتخاذ نفس التدابير لحماية لبلاد على النحو التالي :

Art. 16.- Lorsque les institutions de la République, l’indépendance de la Nation, l’intégrité de son territoire ou l’exécution de ses engagements internationaux sont menacés d’une manière grave et immédiate et que le fonctionnement régulier des pouvoirs publics constitutionnels est interrompu, le président de la République prend les mesures exigées par ces circonstances, après consultation officielle du Premier ministre, des Présidents des Assemblées ainsi que du Conseil constitutionnel.
Il en informe la Nation par un message.
Ces mesures doivent être inspirées par la volonté d’assurer aux pouvoirs publics constitutionnels, dans les moindres délais, les moyens d’accomplir leur mission.

و عليه فان الكلمات التي جاء بها الفصل 80 من الدستور التونسي الجديد هي نفسها تقريبا التي نلاحظ وجودها في الفصل 16 من الدستور الفرنسي – لذلك فان قضية حماية الانظمة السياسية و مؤسسات الدولة كانت حتى في العصور القديمة من اهتمامات الامير حسريا و هي من المسائل الموضوعية التي يختص بها السلطان دون غيره و لو لم يكن الامر كذلك لسقطت اغلبية دول العالم في مستنقعات النزاعات الاهلية و المناوشات الحزبية التي كثيرا ما تفضي الى الفوضى و الديماغوجية.

اننا اذا كنا صادقين مع انفسنا و نحترم مبادئ الديمقراطية ودولة المؤسسات ونقبل بالعيش المشترك على بساط هذه الرقعة من جلد الثور التي اسست لامبراطورية قرطاج هذه الامبراطرية العظيمة التي كانت جيوشها و سفنها البحرية تسيطر على ثلثي البحر الابيض المتوسط و على امكنة عديدة في امريكا الاطينية و غيرها الى تاريخ اسقاطها من قبل روما التي جندت لكل ذلك ألاف المرتزقة من الزنوج و الليبيين لتهديم قرطاج و سرقة جميع معا لمها التاريخية و الفكرية و العلمية و الحضارية و الفلاحية – فانه يجب علينا اليوم اعتبار قيام الدولة و مؤسساتها و نظامها الجمهوري و حق شعبها في العيش الكريم بأمان مثل سائر بقية الشعوب المتقدمة من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها و ان من شهر سلاحه ضد الدولة شعبا و مؤسساتا او ضد اقتصاده او مصالحها الداخلية و الخارجية يجب ان يطبق عليه القانون لأنه من اصول دولة القانون ان لا تنصب نفسها فوقه بل عليها و في كل الاحوال الالتزام به و تطبيقه بشكل انساني دون غبن او اسراف و وفق ما تقتضيه المعايير الدولية.

منصور السويبقي
دكتور في القانون العام و التحليل السياسي- محام لدى التعقيب