daech

عصام الدين الراجحي – ناشط بالمجتمع المدني،

يجمع الكثير من المفكرين أننا نعيش أحد فصول الفوضى الخلاقة أحد أهم المفاتيح التي أنتجها العقل الاستراتيجي الغربي في التعامل مع قضايا الوطن العربي، فالذين يظنون أن ما صنعته أميركا بالعراق من احتلال وبث للفوضى و الصراعات المذهبية وما جرى في السودان من تقسيم، له دوافع وأسباب مصطنعة، وما يجري في سوريا واليمن وليبيا وعموم المنطقة العربية من أحداث مأساوية وفوضى، أمر مفاجئ جاء وليد الأحداث التي أنتجته. ولكن الحقيقة الكبرى هي أن ما يحدث الآن هو تحقيق وتنفيذ للمخطط الاستعماري الذي خططته وصاغته وأعلنته الصهيونية والصليبية العالمية، لتفتيت الوطن العربي والعالم الإسلامي من خلال سياسات واستراتيجيات ومشاريع باتت مكشوفة للعالم وان تغيرت بنودها وتوقيتات طرحها. فهي تستهدف القضاء على الأمة وتجزئة الوطن والاستحواذ على ثرواته ومقدراته والتحكم فيه حاضرا ومستقبلا وتحويله إلى فسيفساء ورقية يكون فيها الكيان الغاصب السيد المطاع، واستهداف مستقبل مواطنيها وحضارتهم وخاصة الشباب الذين هم عماد الأمة وصانعو قوتها وحضارتها، والذين يتعرضون إلى محاولات عمليات غسل دماغ خطيرة بهدف تغيير قاعاتهم وخداعهم وتضليلهم عمادها التطرف، وبأشكاله الشتى، وهو غير محصور في التطرف الديني وحده، بل يأخذ مناحي عديدة، فالتطرف ببسيط العبارة هو العدول عن طريق الوسطية والاعتدال في شؤون التدين والثقافة والعلاقات الاجتماعية والرؤية السياسية.

إن الخطورة التي يمثلها المتطرفون، ليس بسبب أنهم متطرفون وإنما لأنهم لا يحتملون الاختلاف. الشر ليس فيما يقولون حول قضيتهم، وإنما الخطر يتمثل فيما يقولون عن المخالفين لهم.

فلسفة المتطرف

يعتقد المتطرف أنه يمتلك الحقيقة المطلقة. لديه تصميم صارم على صحة أفكاره. يذهب إلى حد الاستشهاد للدفاع عن موقفه. يعتقد أن وجوده وماهيته يمكن أن يهددهما أي شك في صحتها. من يتفق مع موقفه مصيب، ومن يختلف معه مخطئ هالك. يَنتج هذا الموقف من عدم الشعور بالأمن.- الإنسان الذي يشعر بالأمن والأمان لا يمكن أن يكون متطرفا- ويلجأ دائما إلى قمع الآخرين وشيطنة المختلفين معه. يستخدم لغة عنيفة منحطة للهجوم على من يخالفونه لدرجة التكفير أو التخوين. تشتمل الشيطنة على لعن الطرف الآخر بدلا من تناول القضايا بموضوعية. يتهمه بسوء دوافعه، ودناءة خصائصه، وفساد قيمه، وسوء جماعته، بل وانحراف أسرته. يلوم المختلفين معه على أنهم سبب جميع مصائب الدنيا. يحاول بهذه الشيطنة وتلك اللغة أن يؤمن نفسه باستجداء الموافقة من الآخرين، وتكوين جماعة حوله يطمئن بها وإليها. ولا يستطيع المتطرف أن ينظر إلى الآخر على أنه إنسان مثله له نفس الحاجات والرغبات والآمال.

في معظم الأحيان يلجأ للتعميم الكاسح دون برهان ويخلط بين التشابه والتماثل. يدعي أنه إذا تشابه آخر مع آخر في شيء فلابد إذن أن يكون مثله تماما في كل شيء. فيميل إلى الكيل بمكيالين. يقبل قيمه وادعاءه دون برهان من جانبه، بينما يطلب من الآخرين برهانا لقيمهم وادعاءاتهم. يدافع عن نفسه وعن موقفه لظروف خاصة مثل تعرضه للظلم سابقا، أو لأنه يمثل دينا أو أيديولوجية عظمى ..

دواعش عصرنا

بدأت الظاهرة الجهادية في السبعينيات تواجه الأنظمة التي تسميها “العدو القريب” وتصفها بـ “الكافرة والمرتدة”، ثم انطلقت حركة الجهاد العالمي أو جهاد النكاية “إيلام العدو البعيد أينما كان ” بما يسمى ظاهرة “الجهاد التضامني “، فأنشأت القاعدة وتفرعت في الأمصار ومنها تفرعت في بلاد الحرمين و اليمن و الرافدين و أنصار الشريعة و الكتائب الجهادية في شمال افريقيا و بوكو حرام بوسط إفريقيا فداعش أخيرا بسوريا و العراق وليبيا …

إن هذه الجماعات الإرهابية تعمل وفق أجندة في الغالب معلومة وواضحة المعالم، لها رسالة ولها هدف تسعى لتحقيقه، وتحرص على ألا تشوه سمعتها بما لا يعود عليها بالفائدة، فهي تفجّر وتقتل وتغتال .. و انطلاقاً من التفسيرات الخاطئة والمقولات الضالة تعتقد أن لها حق الوصاية على الناس أجمعين، في محيطهم الضيق كما في المجتمع العالمي بأسره، بحكم الأفضلية أو بوحي من الله عز وجل، وأن لها بناء على ذلك حق فرض ما يعتقدون على ممثلي الجاهلية حسب زعمهم مستبيحين أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم…. تنظر إلى العالم كله نظرة الخوارج إلى جمهور المسلمين على أساس أنهم حطب جهنم، دماؤهم وأعراضهم وأموالهم هدر مباح. إن هذا الربط بين المفهوم وبين أصول التشريع الإسلامي ربط هزيل ومائع، لأنه يسقط من حسبانه أهم خاصية من خصائص هذه الشريعة السمحة؛ ألا وهي المرونة والتطور في ظلال القيم الإلهية الثابتة، هذه الخاصية التي سمحت بشكل واقعي ظاهر أن يكون الإسلام هي شرعة الله الصالحة لكل زمان ومكان .

هذا التيار أغلق على نفسه أبواب الحياة والفكر وعكف على الانعطاف على الذات، ورأى في الاخر المخالف شراً محضاً وفساداً مطلقاً، وجُنّدَ سلبياً لمواجهة العالم كله بدءاً من حكوماته، والقيادات المتنورة، وانتهاء بكل رموز الحضارة والحرية .

قطعا إن الإرهاب أُلصق بالإسلام غصبا وحيلة في حين أنه الدين الحق. وما وجود هذه الفئات التكفيرية والجماعات الإرهابية إلاّ نتاج مخططات وأجندات تستغل المغفلين والمتطرفين الموجودين في كل مكان.. فإرهابيو اليوم كانوا مجاهدي الأمس مولتهم المخابرات الأميركية وإدارة رونالد ريغان و السعودية للحرب على الاتحاد السوفييتي في أفغانستان بالثمانينات تحت مسمى “مقاتلي الحرية !” ولا يحتاج المرء للبحث كثيرا ليجدهم ويستطيع الاختيار منهم واستخدامهم وعند الضرورة قتلهم أيضاً وكل شيء يفعله أولئك المتطرفين يظنون أنه ما يريده الله في أرضه.

في الواقع إن أي تنظيم في العالم من أي نوع يتم اختراقه بواسطة عملاء للمخابرات الغربية والعربية والموساد، هؤلاء العملاء يخترقون هذه التنظيمات من الداخل و يستميلون أعضاء الجماعة اليهم ويغيرون من أهداف هذه التنظيمات فمن يريد أن تنهار تونس بفعل الفوضى والفساد و التدني الإقتصادي (نتائج حتمية بُعيد ثورة) أضاف إليهما الإرهاب بدعم تتالي عملياته ضد الجيش والشرطة والسياسيين والمواطنين و تسهيل عملياته بعد أن وفر له البعض أموالا خرجت من دول عربية و أوروبية لتمويل هذه الجماعات كى يكونوا خنجرا فى ظهر أوطانهم . بل هناك من يتحدث عن تحالف كامل المعالم بين مخابرات أجنبية و خلايا جبل الشعانبي والحدود الجزائرية والليبية . ولكن ما لا شك فيه أن بعض المتنفذين في الدولة وفر إلى لمثل هذه الجماعات الغطاء الذي يجعلها تنشط على هذا النحو …. لغاية في نفس يعقوب ..

إن تصعيد التيارات الإرهابية بدعم غربي هدفه إضعاف الإسلام، فاليوم مقارنة بما قبل صعود التيارات الإسلامية للسلطة تغير حال المسلمين كثيراً وما كان يُرفض بالأمس خوفاً على الدين ودفاعاً عنه صار مقبول اليوم خوفاً من الإرهاب وفراراً منه… !!!! أما إن كان إيمانك ضعيفا فللأسف ستصيبك هزة عميقة في دينك وستعيد حساباتك ومعتقداتك وربما تخرج بكل أسف من الإسلام (وقد زادت نسبة الملحدين في العالم العربي بسبب فتاوي القتل والتكفير والغزو لسبي النساء والأموال!) ومن يعلم دين الله حقاً يعلم أن هذا ليس منه في شيء. فإذا كان هذا هو شعور المسلمين فكيف بالمسيحيين وأصحاب المعتقدات الأخرى! هل سيدخل أحد في الإسلام عندما تكون هذه صورته! وعندما يكون أهل الإسلام يقتلون أنفسهم ويقتلون بعضهم البعض في عقر دارهم بل ويخربون ويفجرون مساكنهم وبيوتهم ومساجدهم، فما حمل هؤلاء على القتل والغدر والاغتيالات والتفجيرات هو الجرأة على التكفير التي جرتهم للتورط في سفك الدماء واستحلال ما حرم الله .

إيقاظ الوعي ؟

إن التطرف ظاهرة عالمية تمس كثيراً من الحضارات والمجتمعات، ولذلك فقصرها على العالم الإسلامي فقط هو إما جهل بالواقع العالمي المركّب، وإما عمل مقصود يأتي في سياق هجمة حقيقية على الإسلام.ولهذا فإن التطرف ظاهرة ” طبيعية “، لا بمعنى أنها مقبولة، بل بمعنى أنها موجودة في كل العصور والأمم، فهي ملازمة للإنسان، وإن كانت تضعف أو تحتدّ، بحسب ظروف كثيرة، لذلك لا يمكن علاج هذه المشكلة بالأسلوب الأمني، بل لابد من رؤية وقائية شاملة وإصلاح عام يراعي مختلف أسباب نشوء التطرف، فالوعي الغائب يحتاج إلى من يوقظه عند البعض خصوصاً أنصاف العلماء ومدعي الفقه و التربية و الثقافة، فالكثير من الشباب إن لم يسمع الكلمة القاطعة في حق هؤلاء فإنه سيكون في حالة من التردد والحيرة التي ربما تقوده إلى الفتنة في دينه وربما قذفه في أتون مسرح الجريمة من حيث لا يشعر.

إن منهاج التعليم والتربية الإسلامية و المدنية عموماً بحاجة إلى إصلاح وتجديد، فالمؤسسات التعليمية شريك أساسي في القضاء على التطرف بوضع مناهج تعليمية تنمي المواهب و الفنون و الفكر و الإعتدال و الثقافة، حتى نربي جيل جديد معتدل الفكر ومتزن يسمع ويقبل ويحاور، وهناك جانب اخر لا يقل أهمية وهو المعلم الذي يجب تأهيله ومروره بالعديد من الإختبارات النفسية على يد خبراء في جميع المجالات للتأكد من أنه قادر أن يربي جيل جيد سوي صالح للوطن بالإضافة للدور المهم للمؤسسات الثقافية و الفنية من سينما ومسرح من خلال الأعمال الفنية و الندوات التي تشكل جزء كبير من الوعي و الثقافة عند الشباب و الأندية الرياضية و الإجتماعية وباقي المجتمع المدني لأنه القاطرة الأساسية في التنمية و التوعية.

كما أننا في حاجة ملحة الى تغيير نوعي في بنية الخطاب الإسلامي وإعادة صياغة أطروحاته، وتجديد تقنياته ووسائله وتطوير قدرات حاملي هذا الخطاب ومنتجيه، حتى يلبي احتياجات الشعوب المسلمة في ظل الظروف المعيشة الراهنة، بحيث يواجه التحديات التي تواجهها في سياق حركة المجتمع الذاتية، التي تتفاعل مع ما يجري حولها في العالم وفق معطيات عصر الاتصال والثورة العلمية الرقمية.

فطرح رؤىً جديدةً لصياغة خطاب إسلامي يقدر تأثير معطيات العصر، وتطور العلاقات وأنماط التعاطي مع المعرفة وتطورها، من التلقي إلى التفاعل، ومن أحادية المنبر الى تعددية الشبكة، ومن المطلقات إلى رفاهية اختيار اليقين المعرفي، خطاب لا يقتصر على معيار الصح والخطأ، وإنما يضيف إليه معايير تتعلق بالأنسب وما ينفع الناس و يلبي احتياجات شعوب عبرت عن رفضها الاستبداد السياسي والتخلف الاقتصادي والجمود الفكري الذي فرض عليها لعقود طويلة، فالعديد من الفتاوى صدرت في فترات من التاريخ تبدلت ظروفها كاملة، وتغيرت أطرها ومبرراتها ولابد من النظر إليها بوعي واستخلاص دلالاتها على ضوء الظروف الجديدة وضمن توجيهات الكتاب والسنّة. كما أن تخريج أجيال من حملة الشهادات الجامعية بثقافات منغلقة غائبة عن حركة التاريخ، غير واعية للعالم الذي تعيش فيه، يعتبر جهداً خاطئاً لابد من تقويمه حتى يسير في السبيل الذي ينسجم مع نظرة الإسلام في الكون والحياة، ومقاصد الشريعة السمحة، ببناء الأمة الماجدة، وعالم يسوده الإخاء والمحبة في ظلال كتاب الله وسنّة رسوله العظيم.