لا يعكس هذا التفوق تجذرا اجتماعيا قويا للحزبين الحاكمين بقدر ما هو انعكاس لهيمنة سياسية على السوق الانتخابية، نظرا لقدرة حليفي السلطة على التحكم في المسار الانتخابي برمته، سواء عبر فرض الموعد الانتخابي الحالي الذي جاء على أنقاض مواعيد سابقة لم تكن ملائمة للجاهزية السياسية والانتخابية لحزبي الحكم، أو عبر تعطيل سد الشغور صلب الهيئة المستقلة للانتخابات الذي خضع لإرادة الأغلبية البرلمانية المُمَثلة بحركة النهضة ونداء تونس. بالتوازي مع هذا يشكّل التموقع داخل مؤسسات الحكم المركزية والجهوية جزءا من ميزان القوة الانتخابي لأنه يوفر قدرة حصرية على التحكم في المصالح الاجتماعية ويسمح بالاستفادة من الإمكانات التنظيمية الفعالة للدولة، وهي إمكانات يصعب على الأحزاب امتلاكها مهما طوّرت دينامياتها التنظيمية، ومن داخل هذا المنطق شكّل نداء تونس التنسيقية المشرفة على الانتخابات البلدية بـ12 عضو من الحكومة، بينهم وزراء وكتاب دولة، وبمشاركة أربعة مستشارين لدى رئاسة الجمهورية.

أما على مستوى الفعالية الحزبية فيبدو أن حركة النهضة استفادت من قاعدتها الاجتماعية الكلاسيكية –التي تربطها صلات عقائدية بالحركة- مُضاف إلى ذلك تزويدها بخطاب سياسي دعائي يزعم الانفتاح على بقية الشرائح الاجتماعية. أما نداء تونس فقد اشتغل على تفعيل الروابط بالقاعدة النشيطة المُبعثرة لحزب التجمع المنحل واستمالة جزء منها عبر استقدام قيادات من نظام بن علي وتكليفهم بمهام حزبية أو حكومية. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه القاعدة ظلت موضع منافسة انتخابية بين العديد من الأحزاب منذ سنة 2011.