بعد استنفاذ كلّ سبل الحوار، واستمرار الحكومة في تجاهل تحذيرات الفلاّحين، نفّذ مئات الفلاّحين والصيّادين ومربّي المواشي يوم 10 أفريل، وقفة احتجاجية أمام مجلس نوّاب الشعب بدعوة من الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري الذّي طلب من منظوريه في مختلف جهات البلاد الالتحاق بساحة باردو بعد أن ضاقوا حسب هذا البيان “بصمت السلط المعنية وعدم جديّتها” في التعاطي مع هذا الملّف. في هذا السياق، أكّد نور الدين بن عيّاد، نائب رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، من ساحة الاحتجاج : “هذه الوقفة ما هي إلاّ ردّة فعل على إمعان الحكومة في انتهاج سياسة اللامبالاة وصمّ الآذان عن تحذيرات الفلاّحين من تدهور وضعيّة القطاع الفلاحي وانعكاساته الاقتصاديّة والاجتماعيّة على هذه الفئة.” ليضيف؛ “بدل البحث عن حلول والإصغاء لمشاكل الفلاحين، تعمد الحكومة إلى الترفيع في أسعار المحروقات لتزيد من خنق المنتجين وتعميق معاناتهم من ارتفاع تكاليف الإنتاج.” أمّا عن المطالب التّي رفعها المشاركون في هذه الحركة الإحتجاجيّة، فيوضّح نائب رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري قائلا؛ “مطالبنا هي الهيكلة الشاملة للقطاع وتعديل السياسات الحكوميّة القائمة على الحلول الترقيعيّة لنقص الإنتاج بالهرولة إلى التوريد على حساب دعم الفلاّحين والصيّادين، إضافة إلى معارضتنا التّامة لاتّفاق التبادل الحرّ الشامل والمعمّق مع الإتحاد الأوروبي والذّي سيمثّل رصاصة الرحمة على المنظومة الوطنيّة للإنتاج الفلاحي المتهالكة أصلا”.

الفلاحة التونسيّة: العجز الغذائي يتفاقم والأراضي الزراعية تنحسر

على الرغم من الأرقام الإيجابيّة التّي نشرتها وزارة الفلاحة بخصوص ارتفاع الصادرات الفلاحيّة خلال سنة 2018، والتّي قلّصت نسبة عجز الميزان التجاري الغذائي إلى 9.3%، إلاّ أنّ هذه الإنتعاشة التجاريّة لا تعكس حقيقة واقع الفلاحة التونسيّة وعمق الخلل الهيكليّ الذّي تعاني منه منظومة الإنتاج. حيث تطوّرت الواردات الغذائيّة بين سنوات 2013 و2018 بنسبة 18.3% لتبلغ 5386.6 مليون دينار سنة 2018 بما يمثّل 9% من إجمالي واردات البلاد، تزامنا مع تواصل تدنّي سعر صرف الدينار التونسي الذّي فقد خلال نفس الفترة 24% من قيمته. تراجع قدرة الفلاحة التونسيّة على تلبية الحاجيات الغذائيّة المحليّة يتجلّى بشكل أوضح في تراجع إنتاج المواد الغذائيّة الأساسيّة وارتفاع نسق توريدها، على غرار القمح الصلب الذّي تقلّص إنتاجه بنسبة 15% والقمح اللين بنسبة 27% بين 2013 و2017، تزامنا مع تراجع إنتاج مشتقات الحليب على الصعيد الوطني بنسبة 15% سنة 2017 مقارنة بسنة 2014. هذا بالإضافة إلى تطوّر استيراد السكّر بنسبة 55.6% خلال السنوات الخمس الأخيرة. كما يشير بيان وزارة الفلاحة لسنة 2018 إلى ارتفاع  قيمة مشتريات اللحوم الحمراء بنسبة 123%.

الإحصائيّات الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء، تكشف ارتباط تراجع إنتاج المواد الغذائيّة الأساسيّة وخصوصا الحبوب، بإنحسار الأراضي المخصّصة للزراعات الكبرى بشتّى أنواعها خلال السنوات الخمس الأخيرة بنسبة 10.7%، لتنخفض على سبيل المثال المساحة المُخصّصة لزراعة القمح الصلب من 678 ألف هكتار سنة 2011 إلى 540 ألف هكتار نهاية سنة 2015. تراجع المساحات الزراعيّة لم يقتصر على حقول القمح والشعير، إذ انخفض إجمالي الأرض الزراعية من 97900.1 كم مربّع سنة 2012 إلى 97607 كم مربّع سنة 2015، في حين تشير نفس البيانات إلى تراجع المساحات المخصّصة للغراسات بنسبة 29.7% خلال نفس الفترة تقريبا، أي من 6671 هكتار سنة 2012 إلى4690 هكتار سنة 2016. في المقابل، توسّعت مساحة الأراضي البور من 814.3 هكتار سنة 2011 إلى 1270 هكتار سنة 2015 بمعدّل تطوّر ناهز 35.9%.

 

الترفيع في أسعار المحروقات: شبح إفلاس المنتجين وتفاقم الفقر الغذائي

مثّل القرار الحكومي الأخير بزيادة أسعار المحروقات، الشرارة التّي أعادت الفلاّحين والصيّادين إلى الشارع نظرا للارتدادات الكارثيّة المنتظرة من هذا الإجراء. فالمنتج الفلاحيّ “الذّي يحتضر خلال السنوات الأخيرة” بحسب تعبير الصيّاد عادل المكشّر الذّي جاء من مدينة الشابّة في ولاية المهديّة، للإحتجاج على الترفيع في سعر الوقود، لن يكون قادرا على مواصلة نشاطه وتحمّل ضغط تكاليف الإنتاج. ويوضّح هذا الأخير مستنكرا السياسات الحكوميّة لدعم الإنتاج الفلاحيّ قائلا؛ “بينما لا تتجاوز قيمة دعم الغازوال للصيّادين 40 ملّيما للتر الواحد تعمد الحكومة إلى الترفيع في سعره ب80 مليّما لنعود مرّة أخرى إلى نقطة الصفر”. رأي يسانده نور الدين بن عيّاد، نائب رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري الذّي اعتبر مراجعة أسعار المحروقات ضرورة ملحّة لإنقاذ القطاع الفلاحي، حيث يمثّل الوقود الذّي يستهلكه الفلاّحونّ والصيّادون 72% من تكاليف الإنتاج.

أهميّة مناب المحروقات في كلفة الإنتاج، والمنحى التصاعديّ الذّي اتّخذته أسعار هذه الموّاد منذ سنة 2011، راكم خسائر الفلاّحين الذّين ناهزت ديونهم 1200 مليون دينار سنة 2018. أزمة لن تنعكس فقط على أصحاب الأراضي ومراكب الصيد، أو على قطاع يشغّل أكثر من 16.8% من اليد العاملة النشيطة ويمثّل الدعامة الاقتصادية والاجتماعية ل35% من مجموع السكان، بل امتدت انعكاساتها لتشمل عموم التونسيّين نتيجة تواصل ارتفاع نسبة التضخّم من 6.4% سنة 2017 إلى 7.1% نهاية سنة 2018، وبالذّات أسعار المواد الغذائيّة التّي انتقلت فيها نسبة التضخّم بحسب البنك المركزي التونسي من 5.1% سنة 2017 إلى 8.8% خلال السنة الماضية. مؤشرات لا تنفصل عن إحصائيّات منظّمة التغذية والزراعة للأمم المتّحدة التّي تكشف أنّ عدد التونسيّين الذّي يعانون من نقص التغذية ارتفع من نصف مليون إلى 600 ألف شخص بين سنوات 2010 و2017 بما يمثّل 4.9% من إجماليّ السكّان.

قوانين داخليّة وإتفاقيات خارجيّة: إطلاق رصاصة الرحمة على القطاع الفلاحي

كانت اللافتات الرافضة لاتّفاق التبادل الحرّ الشامل والمعمّق مع الإتحاد الأوروبي حاضرة أمام مجلس نوّاب الشعب خلال الوقفة الإحتجاجيّة للفلاّحين. تحرّك استبق انطلاق الدورة الرابعة للمحادثات بين تونس والاتحاد الأوروبي بشأن هذه الاتفاقيّة في 29 أفريل والتّي ستتواصل إلى يوم 3 ماي 2019، نظرا لما يمثّله تحرير المبادلات التجاريّة الغذائيّة وفق هذا الاتفاق المنتظر من تهديد حقيقيّ لمنظومة الإنتاج الفلاحيّة الوطنيّة. حيث ما تزال الفلاحة التونسيّة غير قادرة على منافسة نظيرتها الأوروبيّة التّي يبلغ متوسط إنتاجيتها سبعة أضعاف متوسط إنتاجية الفلاحة الوطنيّة. وبحسب تصريح سابق لمصطفى الجويلي، الخبير الاقتصادي والمستشار لدى منظّمة الأغذية والزراعة للأمم المتحّدة لموقع نواة، “تحظى الفلاحة الأوروبية بدعم هائل بمقتضى السياسة الفلاحية المشتركة PAC التي تستحوذ على 40% من ميزانية الاتحاد الأوروبي. وقد خُصّصت لهذه السياسة 362,8 مليار أورو للفترة الممتدّة بين 2014- 2020. وهو ما لا يمكن لتونس أن تُؤمِّن مثله”. موقف يتّفق مع الورقة البحثيّة التّي قدمتها جمعية سوليدار تونس الإجتماعيّة والتّي أكّدت أنّ الفلاحة التونسية غير مستعدة لمواجهة المنافسة الأوروبيّة والتّي كانت ضحية سياسة تأطير الأسعار الفلاحية لفائدة تحرير الأسعار الصناعية. لتشدّد على أنّ فتح القطاع على المنافسة الأجنبية يتطلّب قبل كلّ شيء وضع سياسة تأهيل نوعي للمناطق الفلاحية، وتصفية مديونية الفلاحين والإشكالات العقارية، ومعالجة هشاشة البنية التحتية وفكّ عزلة المواصلات.

تزامنا مع تصاعد الإحتقان صلب مهنيي القطاع الفلاحي، تناقش لجنة الفلاحة والأمن الغذائي في مجلس نوّاب الشعب مشروع قانون حكومي يتعلق بتحفيز الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال والذّي يمكّن في فصله الخامس الشركات التونسيّة وإن كان حاملو أسهمها أجانبا من تملّك الأراضي الفلاحية. إضافة إلى المسألة السياديّة، فإنّ هذه النقطة تفتح المجال لتدفّق الإستثمارات الأجنبيّة على القطاع الفلاحيّ في منافسة غير متكافئة تماما مع الفلاّحين التونسيّين الغارقين في المشاكل السالف ذكرها. النتيجة الحتمية المنتظرة، ستكون مزيدا من تفقير المنتجين التونسيّين ودفعهم في نهاية المطاف إلى ترك أنشطتهم أو التخلّي عن أراضيهم لتلك الشركات التونسيّة في الظاهر والمملوكة في جانب منها لأصحاب رؤوس الأموال الأجنبيّة.

خلال نصف قرن، تقلّص نصيب الفلاحة من الناتج الوطنيّ الخام من 24.6% سنة 1968 إلى 8.8% سنة 2017 بحسب منظّمة الأغذية والزراعة للأمم المتحّدة. مسار ارتبط بسياسة رسمية قائمة على التهميش الممنهج للقطاع الفلاحيّ واستثناءه من برامج التأهيل وشحّ الدعم، مرورا بتضخّم تكاليف الإنتاج، وانتهاء بحزمة القوانين والاتفاقات التّي ستنهي ما تبقّى من مقوّمات السيادة الغذائيّة.