راضية حداد

غريب أمر هذا التاريخ الذي يلغي نضال النساء ليُعلي من قيمة نضال الرجال. نعم لقد ساهم الرجال في تحرير تونس من الاستعمار ولكن للنساء حضور كذلك في هذه المسيرة الكفاحية. لربما تساءلت عزيزي القارئ، عن السبب الحقيقي وراء إخفاء أسمائهن من صفحات التاريخ، فعادة كل الأزقة و الأنهج وكتب التاريخ تحمل أسماء المناضلين من الرجال. وأنا اليوم مثلك أقف مذهولة أمام أسماء أهملها هذا التاريخ، أسماء نساء أُريقت دمائهن دفاعا عن الوطن.

لا نلوم الأجيال الحالية و القادمة لجهلم لإسم أو اثنين من المقاومات، فالتاريخ الذي يدرس لهم يكاد لا يحمل اسم أي منهن و الشوارع لا تتحدث إلا عن بعض الوجوه المعروفة تاريخيا. قليلة هي المقالات التي تحدثت عنهن ، المناضلات اللواتي تمردن على السائد و أطلقن عنان الثورة بداخلهن و اليوم لا يسعني في هذه السطور إلا أن أحاول إعادة الاعتبار لهن و للمعاناة المنجرة عن معانتهن.

بشيرة بن مراد

هي واحدة من المناضلات النسويات اللائي برزن في تاريخ تونس. نهلت بشيرة بن مراد من علوم الدين والفقه والتفسير، وتمكنت من اللغة العربية وأتقنتها. وكان ولعها بالشعر العربي كبيرا فخطّت أناملها مقالات وخواطر زخرت بجزالتها اللفظية ورؤيتها التقدمية وأفكارها الثائرة عن السائد. و قد جاءت البعض من مقالاتها بأسماء مستعارة. وكانت تسعى من خلالها إلى السمو بمكانة المرأة في المجتمع التونسي مؤكدة في الآن ذاته على ضرورة تحرير المرأة من القيود التي تكبلها.

أسست بشيرة بن مراد كل من الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي والحركة النسائية التونسية وذلك للنهوض بوضع المرأة و تعزيز حضورها في المجال السياسي، فعززت من الحضور النسائي في قيادة الاتحاد. كانت بشيرة من مؤسسي صحيفة تونس الفتاة وعملت جاهدة على  توفير المنح الدراسية للطلاب واهتمت بتعليم البنات ومنحهن الفرص المناسبة.

ويرى كثيرون أن خطابها بمعهد كارنو عام 1955، الذي نادت فيه بالمساواة بين الرجل والمرأة، هو السبب في إبعادها عن الساحة السياسية، الأمر الذي  جعل بورقيبة يقوم بإنشاء اتحاد نسائي جديد، وأخضع بشيرة بن مراد لما يشبه الإقامة الجبرية في منزلها بمنطقة حمام الأنف، شرق العاصمة تونس، لما يقارب الـواحد والثلاثين سنة حتى وفاتها في الرابع من ماي سنة 1993.

راضية حداد

انتخبت لثلاث دورات بمجلس الأمة، برزت على الساحة الوطنية قبل الاستقلال، إذ نشطت في الاتحاد النسائي الإسلامي التونسي وساندت الحركة الكشفية من خلال رئاستها جمعية “حبيبات الكشافة”. وقامت في بداية الخمسينات بدور كبير في مؤازرة عائلات المساجين السياسيين من الوطنيين التونسيين وتولت رئاسة الاتحاد القومي النسائي التونسي. سياسيا، نشطت في كل من الحزب الحر الدستوري الجديد والحزب الاشتراكي الدستوري.

كانت ضحية للتضييقات والملاحقات على إثر نشاطها المكثف، فكتبت في مذكراتها باللغة الفرنسية أنها “كانت ملاحقة أينما حلت” و قد نشرت هذه المذكرة من خلال المعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية ومركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة (الكريديف)  سنة 1993، حتىّ انّ ابنتها نائلة الحداد تقول في تقديمها لهذه المذكرات إنها مُنعت من النشر .  وسنة 1973 رُفعت الحصانة البرلمانية عن الحدّاد وغادرت المجلس بعد فصلها من كل أنشطة الحزب الاشتراكي. وتتالت إثر ذلك الملاحقات القضائية حتىّ أنها اتهمت بـ”الإثراء غير المشروع”.

فاطمة بوبكر

ولدت المناضلة فاطمة بوبكر سنة 1919 في منطقة برقو، وهي أخت المقاوم عبد الوهاب بوبكر. كانت تطبخ الأكل للفلاقة وتغسل ثيابهم ثمّ تسلّمه لزوجها بلقاسم بوحجر البرقاوي ليوصلها إليهم في الجبال كما كانت تخفي أحد المقاومين وتدبر له ثيابا من أزياء المنطقة للتمويه أثناء تنقلاته. تعرّضت لأبشع أنواع الاعتداءات من قبل الجيش المحتل حيث قام باغتصابها أمام مرأى من الأطفال الباكين هي وضرتها صغيّرة بنت علي وذلك خلال حملة الانتقام لمقتل الجنديين اللذين وجدت جثتاهما في كيسين بالجبال. لبست الحداد وخلعت الحليّ وطلت وجهها بالرماد أثناء معركة برقو وحكم عليها بثلاثة أشهر سجنا لمسك أسلحة مخفية في قفّة تحت الخضار.

رفيعة برناز

واحدة من كبار وجوه المقاومة وساهمت رفقة زكية باي في الأعمال الخيرية، وانضمت للمقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي وأخفت وأوصلت الأسلحة للمقاومين.  وقع القبض عليها من قبل الشرطة وزجت في السجن لمدة سنتين، حاولت جاهدة الصمود والانتصار لمبادئها في نضالها من أجل تحرير الوطن، ولكن في بعض الروايات والقراءات التاريخية. يذكر البعض أن بورقيبة قد تنكر لها نظرا لكونها صديقة زكية باي، وقام بطردها من منزلها.

شريفة فياش

شاركت في مظاهرات التاسع من أفريل 1939 ثم روّجت بطاقات الحزب  وحضرت الاجتماعات وتنقلت لبعض المدن منها باجة أين ساهمت  في  المظاهرات. دعت شريفة فياش لمشاركة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية. وفي سنة 1958، أصيبت  برصاصة اخترقت خدها الأيمن تسببت في سقوط جميع أسنانها. وفي نفس السنة، وقع انتخابها في المكتب التنفيذي للاتحاد النسائي، فركزت عديد الفروع النسائية.

أم السعد يحيا

أصيلة قرية المطوية في ولاية قابس انخرطت في الحركة الوطنية و جعلت من منزلها الكائن بنهج سيدي العطاوي بجهة باب سويقة مركزا للنضال وملجأً للثوار والفلاڨة ومخزنا للأسلحة والبيانات والمتفجرات ومقرا للاجتماعات العلنية والسرية . وكان مخبأ آمنا لجأ اليه الزعيم بورقيبة إبّان الحركة الوطنية.

ختاما

إن تغييب الوطنيات اللائي ناضلن ضد المستعمر الفرنسي من كتب التاريخ والبرامج الدراسية في المدارس والجامعات لا يمكن أن يمحو نضالاتهن ودورهن الفعال في إخراج المحتل من بلادنا وحصول تونس على استقلالها. أردنا من خلال هذه الورقة تكريم هؤلاء النسوة والاعتراف بما قدموه من تضحيات ونضالات لصالح الحركة الوطنية والحركة النسوية التونسية على حد سواء.