مقبرة الإسبان الجمهوريين التي اندثرت، كما انتهت إلى ذلك الدراسات المهمة والقليلة حول الشتات الجمهوري في تونس وفي شمال إفريقيا بشكل عام، لم تندثر. إنها مخفية في قلب المدينة بعناية وجلال. استوعبها التعمير المتسارع دون محوها. كأنه يحتضنها.

 

 

آثار اللاجئين الإسبان التي انتفت، مازال بعضها قائما؛ منزل لم يلمسه تغيير منذ ستين عاما. مثل محطة القطار ومصنع الأشغال العامة. الإرث الإسباني الجمهوري في القصرين وفي تونس عامة مازال حاضرا. مثل تراث حي. نلمس أثره دون أن نراه. أو بالأحرى دون أن نبذل الجهد اللازم لذلك.

بين ذاكرة الطفل وفضول الباحث في التاريخ

أطفال يلعبون تحت شمس ساطعة، أكبرهم يقترح عليهم مغامرة. حب الاكتشاف يغلب حساب العواقب. شارع أو اثنان ثم زقاق صغير في نهايته بوابة تفتح على مجهول. يصلون الزقاق وقد خارت جسارتهم. يصطفون تحت ظل شجرة نحيفة. تقدم أوسطهم خطوات حتى رآها. أو رأى جزء منها. صوت جهوري يصرخ “برا روّح” (ارحل) فهربوا دون التفات أو رد نفس.

ومضة في شريط الذاكرة.

رجعت بعد ثلاثين سنة في إطار تصوير فيلم وثائقي ضمن مشروع بحثي بعنوان “الشباب العربي كفاعل سياسي”؛ معي مارك المودوفار واندرو روزاس[1]. مخرجا الفيلم. غادرنا صباح السبت 23 جوان 2018 باتجاه القصرين. دخلنا وسط المدينة قبل ساعة من موعدنا وجلسنا في المقهى المتفق عليه (مقهى الركن الأخضر). لم أكن أعرف موقع المقهى حتى بلغناه؛ في مفترق “حي الزهور”. بدا لي مكانا مألوفا واستغرقتني الصور القليلة التي تحفظها ذاكرتي فوجدتها منطقية كأنها ترشدني إلى علامات. اعتصرت معلوماتي واستطلعت المكان وانتبهت إلى حل اللغز؛ إنها هي، لقد وجدتها، مخفية وسط زقاق. تحيط بها أسوار.

سألت مرافقيّ إن كانا راغبين في اكتشاف “مقبرة جمهورية” على مسافة عشرات الأمتار من المقهى فانتابهما اندهاش عميق. مقبرة جمهورية في القصرين؟ صامدة بعد كل هذه العقود؟ لم تتناولها الكتب ولا الصحف ولم يبحث عنها الأقارب؟ لا أحد يصدق ذلك. لا في تونس ولا في إسبانيا.