قبل ثلاث سنوات انطلقت أطوار قضية ما يُعرف بالتآمر على أمن الدولة، اعتُقل عدد من الشخصيات السياسية ورجال الأعمال من بينهم عبد الحميد الجلاصي. بعد مرور شهور على القضية في طورها التحقيقي وبعد ختم الأبحاث والإحالة على دائرة الاتهام مرورا بالحكم الابتدائي والاستئنافي، وما رافق ذلك من خروقات لحقوق المتهمين وحق الدفاع، لم يتبين الرأي العام والشارع السياسي حقيقة التآمر والأركان التي قامت عليها القضية والتي أفرزت احكاما سجنية مشددة. قضية لم تكف عن إثارة الجدل أثبتت وقائعها صحة ما ردده فريق الدفاع في اعتبار ملفها فارغا دون أي دليل جدي على فعل التآمر.

ضحية أخرى لمحاكمة سياسية بأدوات قضائية

في نوفمبر 2025، أقرت الدائرة المتخصصة في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف بتونس العاصمة بإدانة أغلب المتهمين، فيما يعرف بقضية التآمر، بإصدار أحكام مشددة تراوحت بين 5 سنوات و45 سنة سجنا، وصلت هذه الاحكام الى 20 عاما في حق عصام الشابي وغازي الشواشي وشيماء عيسى ورضا بالحاج وجوهر بن مبارك، كان نصيب الجلاصي منها 10 سنوات مع عقوبة إضافية بخمس سنوات مراقبة إدارية.

يعتبر سمير ديلو، محامي الدفاع عن عبد الحميد الجلاصي، أن كل أطوار قضية التآمر تؤكد الجانب الكيدي للملف وعدم وجود أي قرينة أو دليل يدين المتهمين في القضية خاصة وأن كل ما تم التوصل اليه من خلال نتائج الاختبار الرسمي هو مشاورات بين شخصيات سياسية بهدف إطلاق مبادرة سياسية لمعارضة منظومة الحكم حسب قوله. ويؤكد ديلو أن:

عبد الحميد الجلاصي لم يكن موجودا اصلا في هذه المبادرة وكل ما هو موجود في ملفه أشياء تدعو للضحك منها لقاءه بأشخاص ذوي الجنسية التركية في مركز دراسات وكل ما تم العثور عليه في هاتفه هو مراسلات مع باحثين ونشطاء من دول عربية واسلامية ونشطاء فلسطينيين وليس هناك أي شيء له علاقة من قريب أو من بعيد بالتآمر.

أفريل 2019 زغوان – عبد الحميد الجلاصي في اجتماع حزبي لحركة للنهضة بولاية زغوان – صفحة عبد الحميد الجلاصي على فيسبوك

لا يمكن الحديث عن قضية التآمر التي حوكم فيها عبد الحميد الجلاصي دون الرجوع إلى ما رافق القضية من جدل أثارته ”القرارات القضائية“ على غرار قرار منع التداول الذي أصدره قاضي التحقيق بُعيد فتح الأبحاث وإصدار بطاقات الإيداع بالسجن في حق المتهمين. بعد هذا القرار تبنت المحكمة قرار المحاكمة عن بعد وهو إجراء تم اعتماده في ظروف جائحة كورونا وتم تكييفه على هذه القضية وغيرها من القضايا التي عُرضت على الدائرة الجنائية كخطر أمني يحول دون مثول المتهمين حضوريا ومباشرة أمام هيئة المحكمة. كما أن القضية برمتها اعتمدت على شهادة أشخاص مجهولي الهوية لم يُفصح عنهم طيلة أطوار القضية، وهو ما دفع بفريق الدفاع إلى التشكيك في مصداقية هذه الشهادة واعتمادها مصدرا وحيدا تم بمقتضاه مباشرة الأبحاث في إحدى أهم القضايا السياسية في تاريخ البلاد.

بالنسبة لسمير ديلو فإن محاكمة عبد الحميد الجلاصي وباقي المتهمين مثلت دوسا ممنهجا لشروط أي محاكمة، موضحا:

 لم نكن نتحدث عن شروط المحاكمة العادلة، بل عن شروط المحاكمة فقط من قضاة ونيابة وجلسات علنية ولسان دفاع يرافع عن المتهمين الذين يمثلون حضوريا ومباشرة أمام هيئة المحكمة، وكل هذه الشروط ضُربت دون استثناء من خلال تغيير رؤساء الدائرة الخامسة المتخصصة في قضايا الإرهاب عدة مرات في بضعة أشهر وهي سابقة في تاريخ القضاء وهذا يعني أنه قد تم اختيار القضاة للبت في هذه القضية بطريقة معينة. بالإضافة إلى التعتيم ومنع حضور الصحافة والمواطنين واعتماد مرسوم صدر في ظروف الكوفيد لتبرير المحاكمة عن بعد وهو تأسيس قانوني غير سليم خاصة وأن المحاكمة عن بعد لوجود خطر معين يستوجب موافقة المتهم قبل كل شيء. هذا بالإضافة إلى التضييق على الدفاع في زياراتهم لمنوبيهم وإبعاد عدد من المتهمين إلى سجون بعيدة والحال أن المتهمين عادة ما يُودعون في سجون داخل نطاق الدائرة التي يُحاكمون فيها.

أكثر ما أثار الجدل في هذه القضية هو اعتمادها على شهادة أشخاص حُجبت هوياتهم وعوضت برموز مثل ”اكس اكس اكس“، وبالنسبة للسان الدفاع فإنه من حيث الأصل قد تم الاعتماد على شهادة شاهد محجوب الهوية نقلا عن شاهد آخر محجوب الهوية نقلا عن شاهدة محجوبة الهوية، في حين أن تعريف الشاهد يجب أن يكون شاهدا على واقعة معينة لا ناقلا لها عن طريق آخرين. كما تؤكد هيئة الدفاع في قضية التآمر أن الشاهد الرئيسي موجود في السجن منذ سنوات قبل أن تُثار قضية التآمر أصلا. أي أننا اليوم إزاء قضية تُحاكم فيها أبرز الوجوه السياسية في البلاد وصدرت فيها أحكام مشددة بالسجن، وهي أساسا تعتمد على شهادات غير موثوقة ولم تكشف الأحكام النهائية إلى حد الآن تفاصيل المؤامرة وأركانها باستثناء لقاءات ومراسلات ومبادرات بين شخصيات سياسية ورجال أعمال.

عودة إلى محنة السجن

ليست هذه المرة الأولى التي يُسجن فيها عبد الحميد الجلاصي صاحب ال 66 عاما على خلفية نشاطه السياسي، الذي بدأ منذ التحاقه بالمدرسة الوطنية للمهندسين بڨابس سنة 1979 حيث انخرط في صفوف الاتجاه الإسلامي ونشط في صفوف الطلبة الإسلاميين وعايش الحراك الطلابي مع بداية الثمانينيات حيث اعتُقل أول مرة سنة 1985، التحق بعد ذلك بالتنظيم وأشرف على الجهاز الإداري للنهضة أثناء المواجهة مع سلطة بورقيبة، حيث أعيد اعتقاله ليفرج عنه إثر انقلاب زين العابدين بن علي واستيلائه على الحكم في 87. انتُخب بالمكتب التنفيذي لحركة النهضة وأشرف على جهازها الداخلي إلى حين اعتقاله مع مئات النهضويين سنة 1991 حيث قضى 16 عاما في سجون بن علي بعد حكم من القضاء العسكري فيما يُعرف بقضية براكة الساحل. أُطلق سراح الجلاصي في أكتوبر 2007 بموجب عفو رئاسي. بعد ثورة 2011، تولى مسؤولية إعادة بناء التنظيم في حركة النهضة وأشرف على هياكلها وحملاتها الانتخابية الأولى والثانية قبل أن يُعين منسقا عاما للحركة ونائبا لرئيسها.

غادر النهضة نهائيا في 2020 بعد خلاف حاد مع رئيسها راشد الغنوشي انتهى باستقالة عبد الحميد الجلاصي وقيادات نهضوية بارزة على غرار سمير ديلو وعبد اللطيف المكي.

تعتبر زوجته منية ابراهيم أنه ”يدفع ثمن أفكاره ومواقفه السياسية من النظام وهذا يعطينا قوة وحافزا للاستمرار والمقاومة والدفاع عنه وتبليغ صوته. وهو يدفع أيضا ضريبة سياسته في الانفتاح على مختلف الأطراف السياسية والتيارات الفكرية واعلم جيدا ان له القدرة والطاقة على البناء مع كل الأطراف. هو معتقل لأجل مواقفه من السلطة وايضا من أجل مساعيه نحو بناء بديل سياسي ورغبته في الانفتاح على المشهد السياسي“.

14 فيفري 2026 تونس – مسيرة مطالبة بوقف تآمر السلطة على المعارضة تظهر صورة الجلاصي وباقي المعتقلين السياسيين فيما يعرف بقضية التآمر – صور نواة. ملاك بن دخيل

على المستوى الإنساني تقول منية ابراهيم إن العودة إلى السجن دائما ما تكون صعبة ويصعب التأقلم معها ومع ما يرافقها من زيارات أسبوعية وإعداد القفة وطوابير الانتظار والاكتظاظ، خاصة وأن كل هذا يحدث بعد ثورة الحرية والكرامة التي افتكها الشعب التونسي وليست منة من أحد حسب قولها. وتضيف:

نحن اليوم عائلة مشتتة بين ابنتي التي تدرس في الخارج وزوجي في السجن وانا اعيش وحيدة في بيتي، ابنتي وُلدت وعبد الحميد في السجن ولم تلمس والدها إلا في سن السادسة عشر بعد الإفراج عنه في 2007 ولم تعش علاقة البنت بأبيها كبقية بنات جيلها وها هي اليوم تُحرم منه مرة أخرى. إن أقسى عقوبة على الإنسان هي سلب الحرية ولا يمكن أن يشعر بها حقيقة إلا من عاشها، ومع سلب الحرية هناك سلب للمواطنة والكرامة وحرمان من الحقوق الأساسية وسوء المعاملة.

يشترك عبد الحميد الجلاصي مع المتهمين في قضية التآمر بأنهم كانوا شهودا حقيقيين على محاكمة سياسية دشّنت بداية حقبة العبث السياسي التي عادت بالبلاد إلى سنوات الظلم والاستبداد، وخاصة العودة إلى اعتماد تهمة التآمر لتصفية أي فعل معارض للسلطة أو تصفية حسابات سياسية، وهي عادة قديمة للسلطة في تونس رافقت كل حكامها المستبدين.

وكأننا أمام نسخ جديدة من الهواتف الذكية، فقضية التآمر هذه ليست الوحيدة المنشورة أمام القضاء فلدينا اليوم قضية التآمر 1 والتآمر 2 والتآمر 3. آخر المتآمرين غادر السجن بعد إيقاف دام ثلاث سنوات وحمله أبناء جهته على الأعناق في استقبال شعبي حافل شارك فيه أهالي مدينة الزهراء، فهل كان هو المتآمر أم أن أهالي الزهراء يستقبلون متآمرا استقبال الأبطال؟ أم أن كل هذه القضايا والتعسف والايقافات وضرب شروط المحاكمة العادلة لا تعدو كونها آلية من آليات الحكم الحالي للبقاء في السلطة وضرب المعارضين والخصوم خارج منطق العدالة ومصادرة حق الناس في التعبير والتنظم.