المقالات المنشورة بهذا القسم تعبّر عن رأي كاتبها فقط و لا تعبّر بالضرورة عن رأي نواة

في العام الرابع من الثورة التونسية، صدر أول فيلم روائي طويل للمخرجة ليلى بوزيد، بعنوان ”على حلّة عيني“. الفيلم الذي قَدَّم نفسه كمديح لشباب تونس، صار تجسيداً لنهضتين. الأولى نهضة الأمّة، والثانية نهضة تعبيرها السينمائي، الذي استعاد على ما يبدو، صوت (وحقيقة) شعب طال خذلانه. احتُفي آنذاك بسينما عادت إلى الواقع، تنطق بلغة الحاضر، دون مجاز ولا مواربة. أخيراً آن الأوان ليُسدي الفن والسينما التونسيين، كخادمين مُخلصَيْن للدكتاتورية، دَيْنهما تجاه مجتمع حنطَّاه لعقودٍ داخل تابوت الترفيه والمحظورات. خَلَى زمان الرقص في كهوف المغتربين. اضمحلَّت الصور النمطية البالية للجنس المكبوت، للاغتصاب، للبؤس، للمنفى، ومنذ 11 سبتمبر، للإسلاموية.

في حال تزامن نشر هذا النص مع صدور ثالث فيلم لليلى بوزيد وعرضه في مهرجان ”البرلينالي“، فهذا ليس البتَّة ردَّة فعل على الحدث. نحن، بيَّة المظفر وخليل الخلصي نفكر سوياً في هذا العمل التحليلي، النقدي والسياسي منذ أول لقاءٍ لنا ربيع 2024. تعلق الأمر في البداية بمواصلة تأمُّلات خليل حول فيلم ”بنات ألفة“ لكوثر بن هنية[1]. بعدها، وهو الدافع الأهم، احتجت أنا، بيَّة، التي لعبتُ الدور الرئيسي في فيلم ”على حلّة عيني“ وعمري 19 سنة، لصياغة مساري التأمُّلي منذ صدور الفيلم عام 2015. تطَّلب الأمر سنوات ومنافي (جُلُّها باطنية)، وإلى استشعار التجربة السينمائية كمخرجة ومبرمجة أفلام لانتزاع القيود التي كَبَّلت جسدي بنظامٍ فنّيٍ، أخلاقيٍ وسياسيٍ، اتّخذه الفيلم كمُرتكز.

قبل كل شيء، أريد أن أوضِّح أن كل ما بدا على الشاشة هو بملء إرادتي: قدَّمت موافقتي وشاركت بكل قناعة وفخر. كنت مركز فعاليات تصويرٍ دامت شهراً كاملاً، وسافرت إلى كافة أنحاء العالم لتقديم الفيلم في مهرجانات عدّة، وحضرت لقاءات ونقاشات…إلخ. أدركت مع الوقت أن الموافقة لا تُحصِّن من التواطؤ، خاصة إن اندرجت هاته الأخيرة في إطار عملٍ نجهل دواليبه. لهذا يهمُّني اليوم التأمُّل في هذه التجربة لا كَ ”تصرفٍ طائشٍ فترة المراهقة“ بل كمنطقةٍ ضبابيةٍ يمكن للمشاركة الطوعية فيها، وإن كانت عن حسن نيَّة، أن تجعل من أيٍ منَّا وسيطاً لعُنف رمزيٍ وسياسيٍ أشمل.

أَردْتُ وخليل، التأسيس لقراءة ظرفية ومناهضة للاستعمار لهذا الفيلم الذي فرَض نفسه كحدث وطني، مُمْسكين بزمام حبكته الثورية التي هي ضالَّة وجوده. سنوضِّح فيما يلي أنَّ الأمر يتعلق بمصادرة رمزية يقوم بها نوع معين من السينما التونسية من خلال خضوعه المادي، الوجودي، المعنوي والسيكولوجي لاقتصاد ”نيو كولونيالي“.

لقد بدا لنا من الضروري تفكيك الرهانات التي أدَّت إلى صدور فيلم كهذا. فقد قام هذا الفيلم، بالنسبة لنا، بتَدشين موجةً جديدة من الأفلام الروائية لمخرجين تونسيين عابرين للقوميات. أفلام تَتبنّى نزعة واقعية، وتشترك في منظومة واحدة للتَّمويل والإنتاج المشترك والتوزيع. منظومة تبَلورت في إطار نظرة بيضاء مُستَبطِنة، تُعيد في صيغ جديدة، إنتاج الإرث الاستشراقي، أي الإمبريالي، كونها حَبيسة سوق العَوْلمة الدولية (أي الغربية). نذهب إلى أن العديد من الإشكالات النقدية التي سيجري عرضها في الصفحات التالية تنطبق على قسمٍ كبير من هذه السينما.

موجة جديدة واقع-استشراقية.

لتَقعِيد السياق، دعونا نذكر أنه منذ 2011 ولفترة من الزمن، تلاقت أنظار العالم أجمع في تونس، كتَلاقي أعين علماءٍ حول حوض طُفيليات. في ”مخبر الديمقراطية“ هذا، كان الشعب في تحوُّل مستمر بملامسة الهواء ”الطلق“. إعلام، منظمات دولية، مفكرون وفنانون يأتون لقياس تأثير الأكسدة الموفقة، بينما يزداد شحوب ”الربيع العربي“ في البلدان المجاورة: مصر، ليبيا، سوريا. صارت أطروحة الاستثناء التونسي حقيقة. أعيد رمي كُروط الاستشراق وأوقظ الشغف تُجاه شعب يُنظَر له لغاية تلك اللحظة كَعديم عظمة وفائدة.

وسط هذا الحماس لتونسٍ تواكب العصر، أتمَّت ليلى بوزيد الحديثة التخرج من مدرسة السينما بباريس Fémis فيلمها ”على حلّة عيني“. ومنه، انتفاضة غير مسبوقة + أول فيلم طويل للمخرجة الشابة + فيلم يدَّعي الأسبقية في ”تسمية“ الدكتاتورية بإسمها = ضمان طبيعته الاستثنائية وبوادر نشأة موجة سينما جديدة في البلد. سُوِّق ”على حلّة عيني“ كفيلم نُضج وتشَّكُل هوية. قصّة شبه تأسيسية لفتاة في مطلع العمر، فرح، (من تمثيلي)، التي تَنْظَّم لفرقة موسيقى ”روك“ في صيف 2010 -شهور قليلة قبل اندلاع الثورة- لتؤدي أغاني ”ناقدة“ للسلطة والبيئة الاجتماعية السياسية السائدة في البلاد. صحوة فرح السياسية تزامنت مع خوضها أول المغامرات العاطفية مع برهان، عضو في نفس الفرقة. هكذا تَلِج يوم حصولها على شهادة التعليم الثانوي، إلى عمر جديد تنطلق منه رحلة اكتمالها كإمرأة: تُثبت ذاتها كفرد (أين يمكن للنقَّاد وللجمهور الغربي تناول قصة تحرُّر مجتمع تقليدي- سنتطَّرق لذلك فيما بعد). تتشابك جميع مستويات التحرر: السياسي، الفني، الجنسي. تتمَّرد فرح على جميع الأصعدة؛ فتهجر أمها التي تتجلى من خلالها مخالب الأبوية (والدكتاتورية) في حين تصير مستهدفة من قبل أجهزة البوليس السياسي. يزداد التوتر تدريجيا لغاية اختطاف المتمرِّدة. ثم تُعرض هذه الأخيرة على التحقيق، وتتعرَّض للتعذيب السيكولوجي والاعتداء الجنسي من طرف أعوان الأمن (وهذا كله في مشهد طويل غير منقطع (Plan Séquence يتخلله عنف مجاني، تَنضَح منه لهفةٌ للإثبات الفني). وللإجهاز على تحطيم فرح، تقوم الشرطة ببثِّ شريط صوتي لبرهان، يعترف فيه أنه لعب دور المناضل فقط ليجلب الفتاة العذراء إلى فراشه. فتكتشف هذه الأخيرة أنها موضع خيانة مزدوجة، سياسية وعاطفية، تنطوي فيها الذكورية على الاستبداد.

من هذا المنظور، يضمحل نقد الدكتاتورية داخل ملحمة التحرُّر هذه (حتى يُخيَّل أن الخلفية السياسية لم تكن سوى ذريعة). الحُجج التسويقية للفيلم تُمَوْضِع القصَّة في مرحلة ما قبل الثورة. الفكرة بسيطة في مضمونها: الثورة كانت تُحاك داخل الحانات الراقصة في العاصمة قبل أن يضرم ابن الشعب النار في نفسه. رغماً عنه، يتبنى الفيلم ممارسة سلطوية، مع كل السذاجة التي يتَّسِم بها وسطٌ فنّي مقتنع مبدئياً ببراءته. في عمًى تام لميكانيزمات الهيمنة والافتراس التي هو في تواطؤ معها.

يبدو أن السينما وبشكل حصري، نجحت في التفاوض على مكانة استثنائية بين طرفين، من جهة الفكرة الجمالية التي تُعتبر شبه مقدَّسة، ومن جهة ثانية المهمَّة المزعومة للسينما: تصوير العالم من منظور مُتميِّز، لا ينبغي إلا للفن. هكذا استولت سينما المؤلف في تونس على المجتمع مطالبة بالواقعية ومدَّعية الحقيقة، متبنِّيةً بذلك، ليس فقط التّطلعات الغربية لاستهلاك مشاهد أكثر واقعية من الواقع لدول المشرق، بل حتى الاتهامات الموجهة لذات الدول، مما يُكرِّس فكرة تخلُّفها.

من هذا الموقع المرموق المزدوج، تستمدُّ السينما هالة من الموضوعية الشبه علمية: يقين مزعوم بقدرتها على كشف حقيقة المجتمعات الشرقية بدون منازع؛ عرض مجموعة الأجساد هاته التي يستوجب دوماً نزع الغطاء عنها، بالمعنى المادي (الهوس بالعراء) والمعنى المجازي (إزالة الستار عن المحظورات). من نفس المُنطلق أفصحت ليلى بوزيد عن رؤيتها الشخصية للسينما قائلةً أنَّ ”السينما، لا تُشكل بالنسبة لها منبراً للوعظ، بل فضاء يسمح بالتقاط حقيقة ما يحدث داخل المجتمع[2]“.

تُلبس هذه المقاربة مخططاً قديما حُلَّةً جديدة، مُورِّثَة إياه هَوسَها بالمنظور الاستشراقي، ألا وهو منطق ”المَشرَبية“[3] : أن يعرض الشرق نفسه على الأنظار لإشباع فضول الغرب. فَخَلف ذريعة الواقعية، تعيد هذه الأفلام تفعيل مبدأ نزع الحجاب: على الأجساد (الأنثوية) والمجتمعات (السلطوية) عرض ما ترفض عرضه والانصياع لعَصرَنة حُرَّة ومُحرِّرة.

يُجدر بالذكر أن ”على حلّة عيني“ يَدَّعي الحِياد عن تقليد استشراقي مَشوب بنزعة فلكلورية، والذي شَكَّل بصمة جيل كامل من المخرجين، بدءًا من والد المخرجة نفسه، نوري بوزيد، إلى فريد بوغدير إلى مفيدة تلاتلي. تُفسِّر المخرجة ذلك بنفسها، وإن كان بعبارات مختلفة، في حوارٍ لها مع قناة ARTE، خصَّصته هذه الأخيرة لسيرة عملها بمناسبة مرور خمسة عشر عاماً على ”الربيع العربي“ وعشر سنوات على صدور الفيلم. يتعلق الأمر بالنسبة للمُخرجة ببَسط رؤيتها خارج أسوار القصبة – المدينة العتيقة التي يتوقف فيها الزمن تحت سلطة التقاليد والفلكلور والمحظورات. كما لو أن تغيير مكان التصوير يقتضي ضمان تحديث المواضيع المتطرق إليها وترسيخ القصة في الحاضر: شبابٌ تونسيٌ يسعى للانعتاق من قبضة سلطوية مزدوجة، سلطة الدولة وسلطة الأبوية – كَون هذه الأخيرة مُجرد صراع أجيال بالنسبة للمخرجة. حتى وإن دارت أحداث الفيلم خارج أسوار المدينة، لم يمتنع التقرير التلفزي من بث التعليق التالي[4] : ”في هذا العالم المُنغلق، أين صُمِم كل شيءٍ للحجب عن الأنظار، فتاة شابة، فرح، تثير الانتباه“.

وعليه، أصبح من الضروري تفكيك جملة الحتميات هذه التي تؤدي بسينما ما بعد استعمارية[5]، إلى إسقاط اغترابها على المجتمع الذي تتناوله وتدَّعي تمثيله.

البرجوازية في خدمة النظرة البيضاء

تُمكِّننا الدراسات النظرية والنقد السينمائي من إبراز وهم الشفافية في الفن السابع، حيث تتسلل ذاتية المخرج إلى منظومة عمل غير واعية بتأثيرها، في حين تعيد هذه الأخيرة إنتاج موازين قوى ذات طابع اجتماعي بامتياز. نميل إلى نسيان أن أي عمل سينمائي هو في البداية عبارة عن نظرة -a gaze- ومنه فعلى غرار الفنان، تقوم بنية اجتماعية كاملة بتَأمُّل العالم من منظورها الخاص وتعيد ترتيبه وفق قوانينها. في هذا الصدد، يجدر على سبيل المثال ذكر مفهوم النظرة الذكورية -male gaze-، التي تُشَيِّء أجساد النساء خاصة في المشاهد الحميمية. وكذلك النظرة الاستعمارية -colonial gaze- والنظرة البيضاء -white gaze- وتُعنَى كلتاهما ببُنًى فكرية تتعدَّى المجال السينمائي. كل هذه المفاهيم تسعى لكشف ديناميكية القوة والاغتراب المتأصِّلة في آليات التمثيل. كما تشير إلى منظومات يَرثِها الفنانون والمفكرون ويعيدون إنتاجها غالباً بشكل غير واعي، بغض النَّظر عن إحداثياتهم الجغرافية، سواءً كانوا في الشمال أم في الجنوب أم بينهما. فالصورة التي يصنعها فنان لِشَعب أو جزء من شعب، هي أكثر من مجرد انعكاس لِذاتيَّته – ذاتية أبداً لم تكن خالصة، حرَّة ومستقلة، بل أسطورة يستمد منها الفنان سلطة وشرعية وعرفانا. إن التمثيل رؤية مُحدَثة متجذِّرة بشكل مادي داخل علاقات القوى. ومنه تصبح أداة هيمنة يتناقلها الفنان.

يتعلق الأمر هنا بالأطروحة والعمل الرائد الذي أنجزه المنظِّر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد في كتابه ”الاستشراق“ قبل نصف قرن من الزمن: الطريقة التي بنى الغرب بها الشرق في منظومة صُوَر وبها اختَلقَ لنفسه موضوع هيمنة. إنَّ الحقبة الإمبريالية التي نعيش فيها، تدفعنا لاعتبار إمكانية استمرار هاته الآلية بمساهمة أهل الجنوب نفسهم. لكونها ساكنة في وجدانهم، مغذَّاة بكراهية الذات. الأمر إذن لا يُخْتصر في الطريقة التي احتضن بها أهل الجنوب الصور النمطية التي شيَّأتهم تاريخياً واختطفت هويتهم. بل تقطُن النظرة البيضاء في أعماق الفرد المُهيْمَن عليه. والاستشراق الذاتي يتَّجه لتلك النظرة التي تُجسِّد هذا الفرد، بالأخص داخل بيئة تبعيةٍ اقتصادية كالتي تتَّسم بها السينما التونسية: عالقة داخل منطق المنافسة، المهرجانات والربحية، وجودها مرهون بمُمَولي الشمال.

إضافةً إلى ذلك: هذا الاستشراق المُبطَّن لا يستدعي مسؤولية المجتمع في طريقة تقديم نفسه لذاته وللآخر. فما للمجتمع من وجود سوى على شاشة عرضٍ تَصطَنعها البرجوازية لنفسها، كوصِّية على سلطة التمثيل. شاشة تعرضها في المقام الأول للنظرة الخارجية، الغربية. البرجوازية ليست فقط اقتصادية، فنية أو ثقافية. ماهيتها في الحَقّ الذي تمنح نفسها إياه في تمثيل وسَلعَنة مجتمع تعتبره امتدادا لها في حين هي مُهيمنة عليه. فالمسألة ليست مجرد نظرة برجوازية بل نظرة برجوازية نيوكولونيالية كما هو مندرج في اقتصاد النظرة البيضاء.

”على حلّة عيني“ هو صورة لما تتخيله المخرجة – ومساعدتها في كتابة السيناريو، ماري صوفي شامبون- عن نفسيهما وعما تتصوران أنه المجتمع التونسي، أكثر من كونه صورة لذات المجتمع. وهاته الصورة المعكوسة لا تتحقق دون عنف ممارس على مجتمع بأكمله، أسير داخل مرآة النرجسية. فالمُخرجة لا تنزل بمفردها للشارع: يرافقها موكب من العنف الذي يُحدِّد بشكل مادي وحميمي فنَّها والاقتصاد، لا سيما النفسي الذي يدعمه، بالرغم من زعمها عرض مِرآة تجسيد صادقة للمجتمع التونسي: ”خلال فترة إنتاج الفيلم، أدرَكتُ أن هذا الشباب يفتَقر إلى تمثيل يليق به. كنت على يقين أنِّي أُمثل شباب بلدي تونس“ تُصرِّح بوزيد في تقرير قناة ARTE المذكور أعلاه. بالرغم من وجود فرق شاسع بين التمثيل والاغتراب، نفس الفرق الذي يُميِّز الوجه عن القناع. بهذه الطريقة اُحيل ”الشباب“ إلى دور هامشي حتى وإن تعلق الأمر بتاريخه ومستقبله.

فيلم واحد، بلدين واستيلاء رمزي مزدوج

تُفصح الخُطَّة المعتمدة لتسويق الفيلم حين صدوره عن الكثير. فقد صدر ”على حلّة عيني“ أولاً في فرنسا يوم 23 ديسمبر 2015 ثم في تونس يوم 15 جانفي 2016.

تمكَّن الموزع الفرنسي من حَشر فيلم آتي من إحدى مستعمراته القديمة وَسط فعاليات احتفالات رأس السنة، بين STAR WARS VII: Le Réveil de la force وSNOOPY ET LES PEANUTS. حتى أنه أراد أن يكتب على وسائل الدعاية عبارة ”جوهرة من الشرق لأعياد رأس السنة“، اقتراح رَفضَته المخرجة نفسها. رغم هذا الرفض بقي المُسوِّق على نفس المخيال: ”أنشودة للحرية وللشباب التونسي“. وهو شعار اعتمدته الصحافة، خاصة جريدة TELERAMA، الذي وصفت فرح/بيَّة ب”ربيعٍ عربيٍ لوحدها“. وهكذا، ما إن انتفض بلد لكرامة عيشه حتى وجد نفسه مُوجهاً لحضيرة الاستشراق. بِلَفتة واحدة يُختزل في صورة نمطية مصير البلد السياسي (”جوهرة شرقية“ مصقولة من بُرجوازيته) وأداء ممثلة (ربيعية، عربية، مُتغرِّبة). وجد الفيلم وشخصيته الرئيسية نفسيهما ملفوفان بعناية تحت شجرة ميلاد الغرب. ما قيمة انتفاضة المقهورين إذن، عَدا إشباع رغبة الناظرين إليهم؟ يُعاد تَشفِير العالم العربي مرة أخرى داخل برنامج الوهم المبتكر في الشمال.

في عهد بن علي، كانت الصناعة والبنية التحتية السينمائية التونسية في إحتضار: اقتصرت الإصدارات على العاصمة ومدينتين رئيسيتين، وذلك في عروض مُرتَجلة داخل دور الثقافة وبشكل متقطع في الأسابيع التي تَلِي صُدور الأفلام. فيما يخص ”على حلّة عيني“، اعتمد الموزع التونسي استراتيجية مختلفة: صدر الفيلم في اليوم الذي تلى عيد الثورة والذي هو يوم عطلة في كامل أنحاء الجمهورية وقُدِّم على أساس فيلم جيل جديد وفيلم ثورة. خَلف هذه الرمزية، تَتموَّه القرصنة السياسية (والاقتصادية) في ثوب احتفال. فخارج المراكز الحضرية التي تحوي معظم قاعات العرض، وُظِّفَت دور الثقافة الموزعة على التراب الوطني حتى لا يُغفَل على أحد يوم الإصدار الأول. بمعنى أخر، البدء بالمَنسيِّين.

في حين أن هذا الشباب، المحبوس بِقفلَين داخل رقعة جغرافية دون مخرج، هو ذاته الذي ”أهدى“ للبرجوازية حريتها الجديدة. برجوازية اختارت أن تُحوِّل هذا السرد القادم من الشارع وتَهِبه من جديد إلى الشارع: أخذُ الغضب، الكفاح والتضحية النابعة من رَحِمه وإعادة حقنها، مهضومة، وبيعها كسلعة ثقافية ذات قيمة مضافة، صالحة للتصدير ومجدية اقتصاديا. طبعاً، يمكن اعتبار فيلم كهذا غير معني البتَّة بالطبقات الشعبية وبثورتها إلا أن انتهازية شركات الإنتاج والتوزيع (على الأرجح دون وعي، كونها بنيوية) تُبيِّن لنا عكس ذلك، فالأمر يرقى إلى مستوى المصادرة. إضافةً إلى تَعميقه للفجوة الاجتماعية من خلال المحافظة على موازين القوة وآليات الافتراس: رأس مال البرجوازية هو الشعب.

ملصق الفيلم DR / Propaganda Production / Blue Monday Productions

أركيولوجيا المحو

كيف لهذا ”الشعب المُفتَقد“ -لاستعارة عبارة دولوز-، أن يتَعرف على نفسه في هذا الفيلم؟ أولاً في شارة البداية، وعلى أنغام موسيقى إيقاعية تليق أكثر بفيلم إثارة، نرى فرح ورفقائها جالسين داخل قطار الضاحية (TGM). في حين يُعيق شباب الأحياء الشعبية، العاطلون، أبواب القطار بأجسادهم، مُداعبين الخطر، لا شيء يُخشى فلا شيء يُخسَر، مُتأمِّلين الليل المُنشرح أمامهم كأفق مظلم، بين أمل وقُنوط. وما أدرانا؟ مهمتنا الوحيدة كَبُرجوازيين هي أن نُسقط عليهم استِعلاءنا. من الوهلة الأولى، يُبرِّئ هذا المشهد المخرجة من دينها تُجاه أولئك الذين يتخِّذهم الفيلم، في نهاية المطاف كذريعة. يشتغل هذا المحو كترخيص: يسمح لها بِبَسط سلطتها الفنيّة. في باقي الفيلم، لا تظهر هذه الشخصيات المُنبعثة من هاته الطبقة الاجتماعية سوى بصورة هامشية ونمطية، لا سيما في مشاهد عابرة ذو دلالة رمزية: حين تؤدي الفرقة الموسيقية في إحدى الحانات (Le Boeuf sur le toit للعارفين) أغنية ناقِدة (بشكل مُبهم ومجازي) للوضع الاجتماعي والاقتصادي للبلاد، نلمح خلف الجمهور عاملة نظافة مُحجبة تتمايل على إيقاع الأغنية مرتدية بدلة بيضاء. لا تتعدى اللقطة ثانيتين. هاهي، وحدها، عن بعد. تدل مثل هذه المواقف على عنفٍ طبقيٍ بالغ. طبقة كادحة مهمتها الوحيدة الاعتناء بديكور البرجوازية المرحة، علاوةً على تصادم في المبادئ لا يسعها سوى تحمُّله. لا يكتفي الفيلم فقط بتطبيع هذا النوع من المشاهد بل يُظهر بشكل واضح ما تريد المخرجة ايصاله: كل الطبقات الاجتماعية تتشارك نفس التطلعات للحرية. إلا أنه، وبمعزل عن قصدية المخرجة، تسود قراءة رمزية مريرة: ”الشعب“ المحكوم عليه أبداً بالخدمة، ينتظر في صبر داخل كواليس البرجوازية، حتى تُنير له هاته الأخيرة مسلك النجاة. أن تُملي عليه، حرفياً، الإيقاع.

ثَمَّة مشهد رمزي أخر، حين يتجه والد فرح، عضو النقابة إلى منجم في ڤفصة. يجدر بالذكر أن هذه المناطق بالذات هي التي شهدت ولادة حركات تنديد جماعي، أبرزها احتجاجات الحوض المنجمي عام 2008. هذا المشهد المُصَوَر في حُلّة مُصفَّرة، مستحضراً أبعد ما في السينما الاستشراقية، يُنَّشط المخيال المغَّبِر لشعوب جافة كصحرائها، في حين أن هذه الجغرافيا هي الأقرب للأحداث السياسية التي يزعم الفيلم تناولها.

ما إن اقترب الأب من مدخل المنجم حتى هجم عليه فوج من العمال، ساخطين. مطالبهم غير مسموعة لدرجة أن السَطرجة تخلَّت عن ترجمتها. حشد لا يُميَّز منه لون ولا صوت. فلا يُسمَح للغضب بكلمة فصيحة ومنظَّمة سياسياً. وينجح حشد الهمجيين في طرد الأب ذو الشوارب. هكذا يُنَّكل بأفواج العمال الذين تركوا وراءهم تاريخاً حافلاً من النضال والذين هم مصدر الحركات الاحتجاجية التي قادت إلى الثورة. لا سيما التحركات التي بدأت في الجنوب الشرقي في بن قردان في أغسطس 2010 ثم في المناطق الفلاحية في سيدي بوزيد في ديسمبر 2010 وتَلتها القصرين وسط البلاد في جانفي 2011. فبِجَرَّة يَد لا تزيد عن دقيقة من فيلم يدوم أكثر من ساعة ونصف، تُفوِّت المخرجة على نفسها قراءة تاريخية وسوسيولوجية، هي المنبع الذي يَرتَوي منه عملها الفني.

يوضِّح المخرج والكاتب إسماعيل في الفقرة المُعنونَة ”المراجعة التاريخية“ في مقاله المنشور سنة صدور الفيلم[6]، أنَّ ”على حلّة عيني“ يقوم بتغيير القصة: هذه الانزلاقة تُعيد ضبط موازين القوى، أين يُعاد صياغة الثورة المُنتزَعة من الطبقات الشعبية والمناطق المهمَّشة على أساس كفاح رمزي لنُخبة بوهيمية. فبِلعبها دور الضحيَّة، تُنَصِّب البرجوازية الفنيّة نفسها كبطل بديل، ماحيةً الفاعلين الحقيقيين في القصة.

ثم يأتي دور شخصية أحلام (نجوى المثلوثي)، خادمة بيت عند فرح وأمها (غالية بن علي). في الحقيقة لا أحلام لهذه الشخصية على غرار اسمها، سوى الولع الذي سجنها فيه الفيلم. قد بَيَّن الناقد السينمائي سليم بن شيخ بشكل واضح سادية هذا التصنيف الذي يُحيل هذه العاملة ”الحالمة“ إلى سعادة مجازية[7]: كونها سوداء البشرة، تتوهم هذه الأخيرة قصة حب عبر الهاتف مع شاب يدعى خلودة، مُدَّعية أنها شقراء- علاقة لن ترى يوماً النور، مُكتفية بهذا الوهم عن بعد. في البيت تشرب الخادمة الجعة التي تجلبها لها فرح من العالم الخارجي، كما يؤتى بصور تذكارية لسجين خلال زيارة خاصة. في ”العالم الخارجي“ ذاته التقت ليلى بوزيد بنجوى مثلوثي، خلال بروفات في منزل عائلة بيّة أين تقوم بنفس المهنة. مُنبهرة بالتآلف بين المرأتين، عرضت المخرجة على نجوى الدور، بالرغم من أنه كُتِب في الأساس لإمرأة غير سوداء. إن هذا التعليم العرقي للممثلة، يتيح قراءة فَصل عنصري حقيقي، لا الفيلم ولا ”العالم الخارجي“ يستَطيعان استيعاب مفاهيمه الكامنة. هكذا يُحكَم على أحلام بالعبودية والخمول، بهذا التمييز العرقي وبالدور الذي يحبسها فيه السيناريو: رهينة الخدمة المنزلية، تارة تطردها والدة فرح حين تَتستَّر على مغامرات المراهقة وتارة تُعيد توظيفها شرط تتبع تحركات هذه الأخيرة. من المفارقة أنَّه على لسان هذه الشخصية العديمة الفاعلية تصدر أشدّ الانتقادات للنظام الاستبدادي إلا أنها تقع في خانة الطُرفة ما إن تلفظ: تبوح أحلام بفشل مشروع أخوها لتربية الأبقار الذي استَثمرت فيه جُلَّ مُدخراتها، بسبب هيمنة ليلى الطرابلسي، السيدة الأولى آنذاك على القطاع. ”وخلودة؟“ تُقاطعها فرح، مُغيِّرَة الموضوع، ومُذيبة الكلمة السياسية الملموسة الوحيدة في الفيلم داخل كأس الهوس الأزلي للمخرجة، ألا وهو الشهوة.

يجدر بالذكر أن ”على حلّة عيني“ كان سينتهي بمشهد ثورة حسب النسخ الأولى للسيناريو. أما النسخة الأخيرة فتُظهر فرح، مكسورة العزيمة من قبل أجهزة الأمن، أمام أمها (تصالح الجيلان) وهي تحاول إيجاد صوتها المفقود. هذا ما يُدرِج الفيلم بشكل واضح في سجل الحميمي والشخصي، محيداً إياه عن الفعل السياسي الذي يزعم اختياره كموضوع سينمائي.

التأييد العربي للنسوية البيضاء الليبرالية

المستوى التالي من التحليل الذي نطرحه يتعلق بالبعد النسوي، وضمنياً التحضُري الذي يُبنى عليه الفيلم. دعونا نستعرض سريعاً ملخصات الفيلم المتعددة والتي تُصًّوِب نحو طريقة مُعينة لتَلقيه. تقول ويكيبيديا: ”في تونس، بضعة أشهر قبل الثورة، فرح، فتاة في الثامنة عشر من العمر، من الشباب التونسي المُخمَلي، تتلهَّف الحياة بكل جوارحها، في سهرات شرب ورقص مع أصدقائها“. تقترح Allociné تعديلاً على ذلك: فرح ”تنبض بالحياة، تثمل، تقع في حب مدينتها السامرة ضد إرادة أمها حياة، التي تعرف تونس ومحظوراتها جُلَّ المعرفة[8]“. يقترح محرك البحث ”جوجل“ بدوره أن فرح ”تحتفل في المقاهي، تشرب الخمر والسجائر، وتقع في الحب وفي شغف الموسيقى“، قبل إضافة: ”مغنية في فرقة روك عربي، تُدين بكلمات ملتزمة خيبة أمل الشباب والبؤس الذي يُخيِّم على البلاد، مُثيرةً استياء الذكور والمحافظين ولافتة انتباه السلطة.“ إلى غاية تقرير ARTE الذي سبق ذكره: ”في الليالي الساهرة، ترقص فرح ولا تتردد في تحدي أنظار الرجال الذين يرونها كسلعة.“ كل المقادير السابق ذكرها تُكَّوِن وصفة ناجحة. قبل كل شيء، إن تم التركيز على فرحٍ تثمل وتُدَّخن وتحتفل وتغرق في الحب والرغبة، فهو لإبراز تناقض واستثنائية هذا السلوك في مجتمع مُسلم، على غرار المجتمع التونسي، الذي تعتبره النظرة البيضاء كوحدة متجانسة اجتماعيا وثقافياً -”تونس ومحظوراتها“ لجاك مندلباوم من جريدة LE MONDE، يشير إلى خصوصية ”سينما عربية، ومغاربية“ -دون تمييز حقيقي بينهما- تسعى بكلِّ ما أوتيَت من قوة ”لاختبار حريَّة واغتراب مجتمع، معياره الوحيد المكانة المُعطاة للمرأة[9]“.

يُلتَمس من هذا الطرح، أن التمرُّد، أو على الأقل ما يُقدَّم على أنه كذلك، هو المصير الحتمي لكل مجتمع يتطلع ”للانعتاق“، بغض النظر عن الصراعات الطبقية والاضطهاد المُمنهج للنساء. فيَبرُزُ النموذج الغربي كخيار صالح أوحد، مختزلاً الأمر في مجرد قطيعة مع محظورات، تراها النظرة البيضاء الازدرائية كتعبيرٍ عن الإسلام: الخمر والجنس. تُصاغ فكرة تحرُّر النساء من البداية كمعارضة للإسلام. وإن أضحى هذا التمرُّد رمزاً على التقدم، فلأنه يجعل من جسد المرأة العربية والمسلمة حلبة صراع بين رؤيتين مختلفتين للعالم. هذا لأن الخمر والجنس مرتبطان بطهارة جسد الفرد (فرح المتمثلة في بيَّة) ومنه جسد الجماعة (الدين، الأمة)، استهلاكهم يُعَد إذن خيانة: إفساد المجموعة عن طريق التحرر الفردي حسب مفاهيم التقدمية الغربية.

من هنا يأتي مشهد ”الطبَرنَة“ الشهير والمُلزِم. في هذه الحانة الشعبية التي يُهيمن عليها الرجال، تُغني فرح -بِسيجارة وبيرة في يدها- صُحبة عجوز من أوفياء المكان، فنان وحكيم ملعون. بالنسبة لسليم بن شيخ، عنصر ”الطبَرنَة“ واحد من نمطيات السينما التونسية المهووسة بالماضي، أين تُشكل مثل هذه الفضاءات ”رمز التمرد الوهمي بامتياز[10]“. تُصوَر ”الطبَرنَة“ في المنظور التقليدي كفُقاعة تَكشِف فيها الأجساد عن ملامحها. بناءً على هذه الأفكار، يقتضي بهذا الفضاء أن يكون ملجأً للمرأة العربية، احتماءً من مجتمع موحد في عدائه. غير أن فرح تقع في الفخ حين تغني مع الفنان العجوز أغنية ”مناهضة“ للنظام. فتُصبح هدفاً للسلطات وما سيؤخذ ضدَّها ليس الاحتجاج السياسي بل ترددها على حانات الرجال. هذه هي الحجَّة التي يستخدمها الشرطي ورفيق والدة فرح السابق، لإقناع الأم بمراقبة ابنتها. تُخلَط الأبوية بالرقابة مع تواطؤ الأم (غالية بن علي)، لبناء النصب الذي يُضَحَّى عليه بالمرأة العربية البرجوازية أولاً. إنه لمن البديهي أن الدكتاتورية والأبوية تُشكلان منظومة مشتركة. إلا أن حصر نقد الدكتاتورية في صورة إمرأة عربية، تسكر وتُدخِّن وتَزني وتسخر من الرجال، يُعد إعادة كتابة للثورة التونسية -الأتية من الشارع- وفقاً لرغبة تحرُّر ليبرالية. ومنه لم يعد التمرُّد الذي حرَّر البلد من الاستبداد، ردَّة فعل على واقع سياسي، اجتماعي واقتصادي مُعين -واقع بالكاد يُلَّمَح له في أغاني فرح- بل رغبة في الامتثال للتقدمية الغربية. للانصياع إلى الغرب. باختصار، اتخاذ الرجل الأبيض كنموذج.

الرجل العربي، عدوٌ مشترك

”الطبَرنَة“، مهما أَمعَنَّا في تَوهُمها، لا تَمنح الحرية للمرأة بل تسلُبها اياها. فَبمُحاولة قلب عنصر ”الطبَرنَة“ هذا على السينما التونسية، تُرجِع المخرجة صورة المرأة العربية إلى مكانتها المعهودة، إلى التاريخ الطويل والحافل للاستشراق، المُستَبطن في هذه الحالة. إن الانتقادات الفرنسية للفيلم زاخرة -فلا تبخل سيلفي نويل من BLOG DU CINEMA على سبيل المثال، في إظهار استِعلائها: ”نظرة الرجال القاسية والمقلقة للنساء، وجهود هؤلاء لعدم لفت الانتباه، يُظهر لنا الأشواط الطويلة التي لا يزال على النسوية قطعها في هذا البلد.[11]“ هاهو العدو: الرجل العربي. هؤلاء ”الرجال المحافظين“ الذين يشير إليهم السيناريو. في الفيلم ندرة الرجال المُنفَكِّين من قبضة الذكورية السامة تُختصر في شخصيتين، من جهة، أب عاجز لا يقوى على احتواء ابنته، ومن جهة ثانية، عجوز ”الطبرنة“ الذي بصُحبته تغني هاته الأخيرة. أي من جهة، الأب اللطيف والشبه غائب ومن جهة أخرى المهمش اجتماعيا. يتأرجح نموذج الرجل العربي المقبول بين العجز والإقصاء. بمعنى آخر، عندما يشعر الرجل العربي بالتهديد -سواءً كان زبوناً للحانة أو رفيق فرح، أو المجهول الذي تغني بصحبته أو حتى ضابط الشرطة- لا خيار له إلا أن يرُّد بالمثل. حتى وإن تعلق الأمر هنا بسلوك ذكوري وأبوي نموذجي، فإن تصنيف كل الذكوريات العربية بهذا الشكل المُمَنهج لا يسعه سوى أن يكون اختزال، صورة نمطية وأخطر من ذلك، استهداف: الرجل العربي هو العدو الذي تصنعه التقدمية الليبرالية للتعبير عن نفسها. حصر الحركة النسوية ضمن إحداثيات الليبرالية، والتي غالباً ما يشوبها عداء للإسلام، يُبقِي المرأة العربية -أو الوهم الذي يُصَورها عليه الفيلم- رهينة صراع حضاري ذي عنف لا مثيل له. في هذا التمزق بين تقليد وحداثة، إن لم تقو المرأة العربية على الخيانة فهي بالضرورة خاضعة لمُضطهِد.

في مشهد محوري آخر، تُحدِق فرح في جسد ذكر وتُحيله لاستهلاك الجمهور. في الواقع، تُهديه حرفياً للأنظار في مشهد يُفترض أن يكون غير مسبوق في السينما التونسية، فضلاً عن بُعده الاستفزازي لجميع الأنفس المحافظة: على السرير، في لحظة حميمية مع حبيبها يُخيَّل أنها تلت ليلة جنس، تنزع فرح اللحاف لتكتشف عضو برهان. نلمحه لمُهلة عن بعد وهو شبه مسترخي. ”هذه المرة الأولى التي أرى فيها رجلاً عاريا“ تُبرر فرح. في الحوار مع ARTE توضح المخرجة رغبتها في كسر إحدى الصور النمطية المتجذرة في السينما التونسية دون أن تجعل منها قضية: العذرية. علاوةً عن ذلك، يزعم هذا الفعل الذي يعتبر نسوياً، تطبيق سلطة كشف الأجساد، المخصصة عادةً للرجال، على الجسد الذكوري نفسه: في الحقيقة، كَوَرثةٌ للتقليد الاستشراقي، جعل المُخرجون التونسيُّون من تعرية المرأة رمزاً للفن السابع في مرحلة ما قبل الثورة. إلا أن القطيعة هنا لا تَتَحقق سوى في منطق استمرارية: بعد ازاحته وإعادة تركيبه داخل احداثيات النسوية الليبرالية البدائية، يحافظ رهان العذرية في هذه الحالة على منطِقه الإستعماري. فيطال محظور عذرية النساء جنس الذكر العربي. ننتقل من الجسد الخاضع إلى الجسد الذي يجب اخضاعه: الفحولة الشرقية وقابليتها للعنف. يسعى فعل كشف المستور، المنخرط في منظومة النظرة البيضاء لترويض جسد الذكر العربي. وعند إسناد المهمة إلى سلطة المرأة، يضُّر هذا الفعل بفحولة الرجل العربي، المتهم دوماً بالخيانة: سينتهي الأمر ببرهان إلى خذلان فرح بسلسلة من التصرفات ذو ذكورية مفرطة.

ثنائي الفيلم Sébastien Goepfert / Propaganda Production / Blue Monday Productions

في نهاية المطاف، يُعرَّف الفرد العربي الذكر أساساً بفحولته وبطبيعته السلبية، ألا وهي الخيانة. بكلمة واحدة: بهمجيته. في الحقيقة يُزيَّن جسد برهان لإعادة إنتاج صورة نمطية حميمية بالية: رجل الجنوب ذو القوام الطويل، البشرة السمراء، الشعر الكثيف والمجعد، في حين توحي ثيابه بجسد مفتول. إضفاء الطابع الجنسي على جسد الذكر العربي لا ينبع من نزعة انتقامية نسوية صادقة، بل يهدف إخضاعه لنظام هيمنة ثقافية وحضارية. تعرية مادية (قضيبه) ورمزية (خيانته المزعومة) تجعل جسده سهلاً للقراءة حسب منطق النظرة الاستعمارية. أما المرأة العربية، فيظل محكوماً عليها بمواجهة وحشية نظيرها الذكر الغير قابل للترويض.

في حوار ARTE، تقول بوزيد أنها أرادت إظهار ”كَم هو عَصِّي على الرجال أن يعيشوا قصص حبهم“. خلف هذا الموقف المُتخذ من منظور نسوي، تعيد المخرجة رغماً عنها إنتاج منطق هيمنة تحضُرية على طول الخط – فَحتى وإن استوجب أخذ هذه المسألة بعين الاعتبار فإن ذلك ينبغي خارج اقتصاد النظرة البيضاء.

المرآة الفرنسية للتقدُمية التونسية: من فرح إلى أحمد، استمرارية النَّظرة الما بعد استعمارية

لا طالما تم تقديم البرجوازية التونسية على أساس ”التلميذة النجيبة“ للتقدُمية؛ حيث حرصت الدولة التونسية منذ عهد بورقيبة على نسج خيوط الاستثناء العربي المفترض لتقديمه كإنجاز إلى أوروبا السيِّدة. بعيداً كل البعد عن قطيعة كليَّة، أرست البورقيبية أسس استمرارية كولونيالية حقيقية، أين تَمَّ بكل بساطة تأميم هياكل الهيمنة. من هذا المنطلق يمكن الاستعانة بتحليل فرانس فنون لدور ”البرجوازيات الوطنية“ مطلع الإستقلال: لا تتحول هذه الطبقة إلى ”برجوازية بناءَّة“ بل تصبح حسب قوله برجوازية ”ناسخة“، أي مجرد حلقات وصل للاستعمار الجديد. بالنسبة لِفانون، كل ما تفعله هذه الطبقة هو لعب دور المستعمر السابق، خادمة المصالح الغربية مع الإبقاء على الشعب في تبعية سياسية.

بوصفها نسخة محَسَّنَة لطبقة مهاجرة تعتبر أكثر تخلفاً، تُصبح البرجوازية التونسية إذن، أداة للمُفاضلة والتنافس بين عروبتين.

بناءً على هذا السياق، نصوغ الفرضية التالية: نظراً لجنسية شركة الإنتاج (فرنسية) والجمهور المخاطب في نهاية المطاف (فرنسي)، لا نستبعد أن الاهتمام الذي حَظي به الفيلم داخل مجتمع فرنسي مُبرمَج على العنصرية -وخاصة العداء للإسلام- يرجع إلى مقارنة مع الجالية المسلمة في فرنسا. في حين تشير ملخصات الفيلم ونقاده المتعددون إلى النزعة المحافظة في بلد مثل تونس يفترض أن يكون له سيادة، تشير أصابع الاتهام في الوسط الفرنسي من جهته إلى الإسلام بالتحديد.

من هذا المنظور، تُوَظَّف البرجوازية التونسية كنموذج تعويضي: يُلوَح بصورتها لضَرب ”أعداء الداخل“. فرح التي تُدخِّن وتشرب السلتيا (البيرة المحلية) في حانة تعِّج بالرجال؛ فرح التي ترقص وكأسها في يدها مع رجال لا يُفكرون سوى في جسدها؛ فرح وهي تنزع اللِحاف عن جسد حبيبها لإبصار قضيبه، وهي الصورة المقابلة للفتاة ”الفرانكو مغاربية (BEURETTE) المكبوتة“. يُلوَح بمُجتمع تونسي استوعب على ما يبدو وعد التقدمية، أمام أنف جالية فرنسية مسلمة، تُعَّد مشكلة في الأساس. نَبغض فئة لنَرغب في فئة ثانية: عرب فرنسا الذين ينخرون الكمال التحضُري من الداخل، في مواجهة عرب الخارج، الذين يواصلون المهمة التحضُرية على حافة الإمبراطورية.

هذه بالتحديد هي الديناميكية التي يُمدِّدُها ثاني فيلم طويل لليلى بوزيد، ”مجنون فرح“ 2021. فرح نفسها، من تمثيل زبيدة بالحاج عمر هذه المرة، تصل إلى فرنسا لدراسة الأدب المقارن. يجذب سحرها، مرونتها و ”اعتدالها بين تقليد وحداثة“، -دلالة على تَجذُّر مُتوَهَم- أحمد (سامي اوطالبالي)، شاب من أحياء المهاجرين، منغلق، لا جذور له، لا يفقه من العربية كلمة ولا من الإسلام سوى صيغة بالية ومحدودة. تُنير فرح دربه بفَتح آفاقه على الجنس والشعر والغزل، رمز العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية. تعيد إرسائه في تربة أكثر نقاهة وقابلية للتقدم (لكونها وهم). بالنسبة للمخرجة، يفترض بهذه الحركة التحررية التي تقوم بها المرأة تجاه الرجل، أن تقلب موازين الاستشراق باستبدال صورة المرأة المضطهدة بأيقونة المرأة المنفتحة والعاِلمة، التي بمقدورها أن تقود الرجل إلى إعادة اكتشاف ثقافته الأصلية من منظار الرغبة والشعر.

تقول عواطف حنان في نقد[12] ملفت للانتباه لفيلم مجنون فرح، أنَّ أطروحة الفيلم الخفية تتمثل فيما يلي: تحرُّر جسد الأنثى يكون بالضرورة عبر تحرير الرجل الأصلي (Indigène). ترويض الرجل لتحرير المرأة وبنفس الفعل تحرير فرنسا من الإسلام. فبَينما فشلت مهمة ترويض الرجل العربي الذي هو شرط ثورة الأنثى في ”على حلّة عيني“، تنجح في الفيلم الثاني الذي تم تصويره في فرنسا: تتمكن فرح من إرجاع الذكر العربي إلى عالميته. فكما لو يفقد عربي فرنسا عروبته -ومعها الإسلام الذي يناشد به.

إنه لمن الصور النمطية الاستشراقية القديمة اعتبار الحماسة الإسلامية مجرد زيف يجب التخلص منه، وأن الدين الصحيح هو العلمانية الكونية، وريثة المسيحية.

العودة إلى ”الأنا“ الجسدية

لو عدنا لضمير المفرد، فإنه يسهل علي القول، أنا بيَّة المظفر، أنني احتجت لما يقارب عشر سنوات لأُدرك أنِّي كنت في نُشوز تام عن ذاتي. أنَّ جسدي أفلت مني في شكل صورة. مُعلقاً على شاشات العرض في شتَّى أنحاء العالم، لغاية الاحتفالات الأخيرة بعيد ميلاد إصدار الفيلم واندلاع الثورة. دون توقف، يعيد خيال جسدي أداء الوظيفة الذي استُدعي من أجلها والذي سَاهَمتُ فيها: إحساسٌ بالذنب لأخذ مكان لم يكن قط لي، مقام تَعسَّر علي استيعاب أنه ليس للبرجوازية الفنية المُغرَبة التي ترعرعت وسطها، بل للذين صنعوا الثورة، والذين ليسوا مجموعة متجانسة، حتى ولو تشاركوا العيش في المناطق التي همشتها وافقرتها سياسات النظام.

بالرغم من الإرادة الصادقة للمخرجة، تم اختياري أثر ”كاستينغ عفوي“ لما أُمَّثله كشخص وليس لخبرتي كممثلة والتي لا امتلكها: كنت في نظر المخرجة تجسيداً حقيقياً للثورة، تجربة لم تخُضها هذه الأخيرة كونها استقرت في فرنسا قبل اندلاعها بسنوات. عِشتُ الثورة التونسية من احداثيات طبقتي الاجتماعية والذي تضعني بالضرورة في منزلة ثانوية، بما أن النخبة التي أنتمي إليها تواطأت على مَرّ السنين مع الأنظمة المستبدة بعد الاستقلال وكوفئت بامتيازات عدّة. من المؤكد أن الفكرة ليست في تعميم هذه الاعتبارات بل في تمييز موازين القوى التي تُحدّد موقع فعاليتنا ومسؤولية سرد حدث سياسي بصدق. في الواقع، هذا يظهر أن اختيار المخرجة لم يكن سوى إسقاط لفكرة مسبقة عن حقيقة البلد وشبابه المنتفض.

إلا أن التاريخ وجسدي يقولون غير ذلك. فبِتوظيف جسدي كعيِّنة من هذا الشباب الذي ليس له وجود سوى في مخيال المخرجة، يُمحَى الفاعلون والفاعلات الرئيسيات للتاريخ، أو في أحسن الأحوال يُهمَّشون، تُقلَّص أهميتهم ويُركنون إلى الخلف. وجد الفيلم والصناعة السينمائية التي تدعمه عبر جسدي طريقاً لسَلعنَة الشعب التونسي والثورة ومصيرها.

في الفيلم، ارتديت ملابسي الخاصة، مجوهراتي، قَصَّة شعري. بعض أماكن التصوير كانت لعائلتي. كنت أغنِّي كما أغنِّي سائر الأيام. بذلت جهداً في إعادة كتابة بعض الحوارات مع المخرجة لأُضفِي عليها نفساً يعكس طبيعتي. وصار كل شيء بسلاسة. لم يُسِء معاملتي أحدٌ أو يجبرني على فعل شيء. شاركت في كل الاختيارات الجمالية بمَحض إرادتي. أدركت مع مرور الزمن والمسافة أن هذه العناية المُرَّكزة هي المدخل الرئيسي لأجهزة الافتراس، وبصورة أعَّم لنظام الهيمنة، الذي كنت فيه والمخرجة مغرَّبات، كلٌّ على طريقته.

تمَّت تهيئة وتكييف جسدي لتسهيل عملية قرأته، فاستغلاله ومن ثم التحكم فيه. استجاب هذا الأخير بامتياز لتطلعات المُشاهد الغربي الذي يتوهم النموذج التونسي: مزيج مزعوم من الشرق والحداثة. إسقاط مزدوج مغذًّى برغبة في الترويض، تُسَّلِم شعباً بأسره لنظرة وشاهية الرجل الأبيض. نوع من ”العربوفاجيا الغربية (Arabo-phagie)“. في الفترة الأخيرة، وأنا خائضة في هذه التأملات، تذكرت موقفاً صار قبل بدء التصوير: طُلب مني ارتداء حشوات اصطناعية تحت ملابسي ليبدو ثدياي أكبر حجماً ويطابقان الصورة النمطية للقوام التونسي المُمتلئ.

فرح هي أنا. ليست قرينتي بالمعنى الحرفي، إلا انني حين أشاهد الفيلم اليوم، لا أرى أداء ولا دور، بل التقاط لشكل من أشكال البراءة التي ربما كنت اتسِّمُ بها، غير واعية أن آلية الفيلم تُهَذِّب كل الزوايا وتَبتر كل إمكانية سياسية، أنا اليوم حريصة على استرجاعها.

عقب انتهاء التصوير وحين انتقلت للعيش في فرنسا، في القوة الاستعمارية السابقة والتي تظَّل السلطة الثقافية والاقتصادية لبلادي، اكتشفت أن هذه النسخة المزيَّفة من ذاتي موجودة في مكان أخر، وتُوظَّف لخدمة سرديات في تعارض تامٍ مع قناعاتي. فاضت الصورة التي فبركها الفيلم على حياتي. كنت اُستُدعَى لوسائل الإعلام لا لإعطائي منصة حقيقية بل لأعيد إنتاج سردية الفيلم -احتلَّت الشخصية الخيالية مكاني.

بعد ترشيحي مبدئياً لجائزة أفضل ممثلة واعدة في السيزار، اقتربت مني وكالة فرنسية كبرى وعرض علَّي أدوار عدة، منها امرأة مُنقبة، متزوجة قصراً، فرانكو مغاربية مكبوتة في طريق الانعتاق، حتى جاسوسة للموساد تحت غطاء عاملة جنس في السعودية. أخبرتني مديرة أعمالي بلطف انني لو قدَّمت بعض ”التنازلات“ في البداية فسأنعم بعدها برفاهية اختيار أدوار أكثر انسجاما مع قناعاتي. كان الناس يتعرفون علي في شوارع باريس بقصة شعري، يعترضون طريقي ليمدحوا شجاعتي في ”تحدي المجتمع بأكمله“، ضانّين أنِّي مغربية الجنسية، دون تمييز تونس من المغرب ومستحضرين ذكرياتهم في CLUB MED مطلع الألفية.

فرح في الحقيقة هي إحدى تجليات الصورة النمطية العنصرية والمعادية للمرأة، منسوخة إلى ما لا نهاية من قبل المَكَنة الاستشراقية والمعادية للإسلام، والتي تسعى لإحكام قبضتها على السرديات والذوات المستضعفة. فالهيمَنة على الأجساد تقتضي تنعيم كل ما فيه خشونة خارج المُتَوهم ومحو أي تفصيل يجعل منها ذواتا سياسية.

لا انتظر خلاصاً من الشعور الذي ينتابني بخيانة الثورة. أرجو فقط أن يلقى هذا الخطاب خطابات أخرى موجودة وإن لم تُعمَّم بعد. لأن هذا الفيلم علاوة عن كونه أُنتج لجمهور أبيض، قام بإهداء هذا الأخير تبريراً مثالياً لنظرته: استشراق جديد يطالب به المعنيون نفسهم. فرض الفيلم نفسه كذاكرة رسمية لحدث زعم تمثيله، في بلد اتخذه كديكور. وهذا هو العنف الحقيقي: أن تتعرف على نفسك وتعيش من خلال ما يريده الآخر لك، وهو أن تُسلَب من ذاتك. إن تفكيك هذه المعضلة والسير نحو إمكانية فن مُتحرر من الاغتراب، يقتضي تسمية واستيعاب الأليات التي نحن عالقون وعلاقات فيها جميعاً وفي بعض الأحيان متواطئون ومتواطئات معها. وأن نستعيد علاقتنا بأجسادنا حسب اعتبارات سياقِنا.

هناك أمر بات واضحاً الآن: أضعت جسدي وأنا في التاسعة عشر من عمري، لهَوسي بالتقدُمية آنذاك. شعوري أنَّ الثورة أرجعتني لواقع بلادي ولنفسي -شعور هيَّأَت له احداثياتي الطبقية: أَّنَ تونس، بمجرد تحررها من بن علي، ستتجه نحو مستقبلها المُعطَّل، كأمَّة حديثة. تم سلبي جسدي لأني تبنَّيت دون مساءلة، المنطق الليبرالي والرأسمالي لمفهوم الفرد والنضال النسوي – الذي يعتبر الجسد ملكية خاصة ومنه اعتبرته ملكي-. فيما أن هذا الجسد ليست وحدة متوفرة في سوق التحرُّر الفردي. إن الانعتاق داخل هذا الإطار يشترط الخيانة: لكي تكون إنساناً حراً، يجب الانضمام لصف ”الحضارة“ وترك صف ذويك. المغزى إذن في تعطيل عملية التجنيد هذه والتفكير في التحرُّر وفق معايير أخرى وحسب نموذج جديد يُبنَى على ركام التناقضات الأخلاقية التي تَجرُّنا إليها العنصرية[13].

أود أن أقول أن جسدي ملكي بقدر ماهو ملكٌ للثورة، الماضية والقادمة: لما يثور فينا دوماً ودون انقطاع. هذا ما يعنيه بالنسبة لي أن أعيد تأهيل جسدي: أن استعيد علاقتي به بما تمليه عَليَّ اعتبارات سياقي.

في الختام، أدرك بطبيعة الحال أن الوعي الفردي وحده لا يكفي وأنه يجب أن ينضوي ضمن برنامج سياسي واضح: هذا ما يجب تحقيقه، من جهتنا، على مستوى الفنون والثقافة باعتبارها أدوات القوة الناعمة وآليات تأثير أيديولوجي. يقول فانون ”على كُلِّ جيل، في غموضٍ نسبي، اكتشاف مهمته، فإما أن يُنجزها وإما أن يخونها“. بالنسبة لتونس، يبدو لنا إيجاد سبل استقلالنا الاقتصادي أمراً عاجلاً. ومن يقول استقلال ذاتي يعني الخروج من شبكات التمويل الدولية وابتكار أشكال جمالية جديدة ومنه تفادي القبضة الاستشراقية. وينبغي على الكُل الاستناد إلى منظور مناهض للاستعمار منبثق من الجنوب نفسه: للأسف، لم يستطع المغرب الكبير بعد، الإتيان بنَفَسٍ تحرريٍ جديد في مواجهة الإمبريالية الجديدة. في حين تَوسَّع حقل الكفاحات المناهضة للاستعمار في فرنسا، وهو السياق الذي يخاطبه الفيلم، وقد أَسهَمَت بشكل واضح في إيجاد إطار مفاهيمي لمسألة السلب التي يتناولها النص وبشكل عام للإبداع والنقد.

إن مصائر عرب الضفتين ”المهاجرون“ و-”السكان الأصليين“ مرتبط أساساً بالقضية الاستعمارية، فحتى وإن اختلفت رهاناتِهم، آن الأوان لتَشتَبك مصائرهم في تفكيك هذه الاستعمارية.


[1] خليل الخلصي، «بنات ألفة» لكوثر بن هنية: «فنّ أم افتراس؟»، Le Temps News، نُشر على الإنترنت في 8 فبراير 2024

[2] ترجمتنا الخاصة: بين الجذور والاختيارات الجريئة… «بيت الحسّ» في قلب النقاش ببرلين، Fasllah

[3] المشربية، في العمارة العربية، هو هيكلٌ مُشَبَّك يتيح للمرء أن يرى من دون أن يُرى.

[4]   La jeunesse tunisienne sous l’œil de Leyla Bouzid. ARTE

[5] لا يُقصد بهذا المصطلح سينما ما بعد الاستقلال، بل سينما تستمرّ من خلالها الآليات الاستعمارية.

[6] إسماعيل، «عن بعض الأفلام التونسية: انتصارات الهيمنة»، نواة، نُشر على الإنترنت في 17 فبراير 2016

[7] سليم بن شيخ، «من تحرّر إلى آخر؟ تأملات في الوضعية الفنية للسينما التونسية، على ضوء التوجهات الكبرى في تاريخها»، أطروحة دكتوراه نوقشت في 8 أكتوبر 2021، جامعة تونس قرطاج.

[8] À peine j’ouvre les yeux. Allociné

[9] جاك مندلباوم، «على حلّة عيني: برعم موسيقى الروك في قلب ”الربيع العربي“»، Le Monde، نُشر على الإنترنت في 19 ديسمبر 2015.

[10] سليم بن شيخ، المرجع نفسه، ص 189.

[11] سيلفي نويل، «[نقد] على حلّة عيني»، Le Blog du Cinéma، نُشر على الإنترنت في 21 ديسمبر 2015.

[12] عواطف حنان، «تحرير الرجال (السكان الأصليين): التحدّي الجديد للمتحضِّرين 2.0»، QG Décolonial، نُشر على الإنترنت في 22 سبتمبر 2021.  انظر أيضًا الفيديو الذي خصّصته لهذا الموضوع قناة Paroles d’honneur على اليوتيوب.

[13] هذا هو مجمل ما تطرحه و تفصّله حورية بوثلجة في كتابها «البِيض، اليهود، ونحن» (باريس، دار La Fabrique للنشر، 2016).