في الرابع والعشرين من أوت 2020، أعلنت رئاسة الحكومة عن إقالة شوقي الطبيب من رئاسة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. حينها، كان إلياس الفخفاخ قد قدم استقالته من منصب رئيس الحكومة منتصف جويلية من العام ذاته، وظلّ ضمن حكومة تصريف الأعمال إلى غاية نوفمبر 2020، تاريخ تسلم هشام المشيشي المشعل عنه.
في تلك الفترة، عصفت أزمة سياسية بتونس ضمن صراعات بين رئاسة الجمهورية والبرلمان، وكان الفخفاخ ضمن تلك العاصفة، لم يكن الوحيد في قلبها، بل جرّ معه العميد السابق للمحامين والرئيس الأسبق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، بعد شهر من تقديم استقالته من رئاسة الحكومة.
كانت هيئة مكافحة الفساد طرفا في سقوط حكومة الفخفاخ، بعد تقديمها تقريرا عن تضارب مصالح في صفقة للوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، حصلت عليها شركة ”فيفان“ التي كان للفخفاخ أسهما فيها، ولم يغفر رئيس الحكومة الأسبق، لشوقي الطبيب وأقاله من رئاسة هيئة مكافحة الفساد بسبب إحالة الطبيب تقرير الهيئة عن صفقة الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، إلى القضاء وإلى رئاسة البرلمان. بعد 25 جويلية 2021، دفع العميد شوقي الطبيب ثمن ذلك التقرير طيلة خمسة أعوام من التتبعات انتهت بالحكم عليه مدة عشر سنوات سجنا.
شكايات فتحت شهية القضاة
يوم 12 ماي 2020، علم شوقي الطبيب أن ما يعرف ”بشبكة المدونين الأحرار“، تقدّمت بشكاية ضدّه بصفته رئيسا للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، استنادا إلى تقرير زعمت أنّ شركة دولية للتصرف والتدقيق أعدّته وكشفت فيه سوء تصرف مالي وإداري ولوجستي للهيئة.
اعترف معز الحاج منصور في تدوينة له أنّ شبكة المدونين الاحرار التي تضمّ الصحبي العمري وماهر زيد ومحمد الحاج منصور وآخرين، إضافة إلى لمرصد الشفافية الذي يضم المستشار الجبائي لسعد الذوادي، ”دَور محوري في الاطاحة بشوقي الطبيب“، وأنّ مرصد الشفافية راسل رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية بخصوص ما أسماه بملفات فساد في الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وأنّ معز الحاج منصور التقى بمسؤول حكومي منتصف شهر جويلية سنة 2020، وسلّمه ملفّات بخصوص الهيئة قبل أن تتمّ إقالة شوقي الطبيب في أوت من العام ذاته.
أشارت إحدى الملفات الى علاقة شوقي الطبيب مع مستثمر يقوم بعقد صفقات لصالحه مع ”كبار الفاسدين من أجل التغطية على ملفاتهم“، واستندت تلك الملفات على صورة تجمع شوقي الطبيب والمستثمر المذكور، قدّمها النائب السابق بالبرلمان المنحل ماهر زيد، إلى شبكة المدونين الأحرار، وفي 6 أوت 2021، فتحت النيابة العمومية تحقيقا ضدّ الطبيب دون إعلام فرع المحامين بتونس. كما قدّم ماهر زيد سنة 2018، شكوى ضدّ زوجة شوقي الطبيب واتهمها بالتهرّب الضريبي وأنّ ثروتها تبلغ مائة مليار.

تقول مريم عزوز زوجة العميد شوقي الطبيب في تصريح لنواة، إنّ مرصد الشفافية الذي ينتمي إليه الأخوين الحاج منصور بدأ بحملات تشويه ضدّها حين طلبت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد إيقاف جريدة الثورة نيوز لصاحبها ناعم الحاج منصور وإغلاق موقعها الإلكتروني والصفحات التابعة لها، ثم تم تقديم شكاية ضدّها سنة 2018 قبل أن يتم حفظ القضية. تقول عزوز:
رغم حفظ القضية، قام ماهر زيد النائب الأسبق بالبرلمان، بإثارة الدعوى على مسؤوليته الشخصية، وفُتح ملفّ القضية مرة أخرى، وتم التحقيق معي عشرات المرات أمام الشرطة الجبائية ولا تزال قضيتي جارية في مكتب التحقيق عدد 25، رغم أنهم لم يجدوا أيّ دليل على حصول الجرائم المنسوبة إلي ولا أي برهان على أنني استفدت ماليا من منصب زوجي في هيئة مكافحة الفساد. أذكر في إحدى المرات قيل لي أثناء التحقيق معي في المكتب عدد 25، وهو المكتب ذاته الذي حقق فيه الصحفي مراد الزغيدي: يجب أن تشكري الله على أنّ مصيرك لم يكن كمصير مراد الزغيدي. قاموا بكل الإجراءات بما في ذلك إحالتي على مصلحة القيس للتثبت من هويتي.
تذكر مريم عزوز أنّها قدمت شكاية ضدّ ماهر زيد ومحمد ناعم الحاج منصور بتهمة الادعاء بالباطل، وحُكم على ماهر زيد بستة أشهر سجنا، ونال الحاج منصور أيضا أحكاما بالسجن، ولم يتم تنفيذ تلك الأحكام.
شوقي الطبيب في مرمى المسار
في سبتمبر 2020، كان شوقي الطبيب قيد الإقامة الجبرية بعد ساعات من إقالته، وفي بداية الشهر ذاته، لمّح الرئيس قيس سعيّد إلى التهم التي وجّهها ماهر زيد في الدعوى ضدّ زوجة شوقي الطبيب بالقول ”أذكر لكم فقط ما تحصّل عليه أحد المحامين من خلال عمليات يحترفها. الأموال التي تحصّل عليها بدون أن أذكر لا اسمه ولا اسم زوجته، ثروة زوجته مائة مليار، بالرغم من أنها عاطلة عن العمل“، وردّ شوقي الطبيب على تلميح الرئيس في كلمته، بالقول إنّه تمّ حفظ القضية التي رفعها ماهر زيد ضدّ زوجة الطبيب.
بالتوازي مع الدعوى ضدّ مريم عزوز، واجه شوقي الطبيب قضايا أخرى رُفعت ضدّه. تقول المحامية في هيئة الدفاع عن الطبيب، هالة بن سالم في تصريح لنواة إنّه توجد ثلاث قضايا في حق موكّلها، وتضيف ”أصدر قاضي التحقيق بالقطب القضائي المالي والاقتصادي يوم 14 أفريل 2026، بطاقة إيداع بالسجن في حق العميد شوقي الطبيب في قضية متعلقة بالتسيير المالي للهيئة، ثم حُكم عليه ابتدائيا يوم 21 ماي بالسجن عشر سنوات مع تأجيل التنفيذ في قضية ثانية رفعها ضدّ ماهر العروي، وكيل شركة فيفان، وما تزال القضية الثالثة التي رفعها ضدّه أحد أفراد عائلة الحاج منصور، قيد التحقيق“.
بدأت القضية الأولى ضدّ شوقي الطبيب بصفته رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، إثر شكاية تقدم بها ماهر العروي وكيل شركة فيفان سنة 2020، واتهم فيها الطبيب بالتدليس واستعمال وثائق مدلّسة وإذاعة معطيات دون ترخيص، وذلك بعد أن وجّهت هيئة مكافحة الفساد مراسلة إلى مجلس نواب الشعب بخصوص شبهة تضارب مصالح تتعلق برئيس الحكومة الأسبق إلياس الفخفاخ. واستندت تهمتي التدليس ومسك مدلّس إلى تقديم نسخة من السجل التجاري لشركة فيفان ضمن المراسلة، قالت الشركة إنها مزوّرة.
بعد مرور أكثر من سنة عما يعرف بـ”الحرب على الفساد“ التي أطلقتها حكومة الشاهد أواخر ماي 2017، وبعد صدور بعض التشريعات المناهضة للفساد آخرها قانون التصريح بالمكاسب، مازال يسود انطباع عام بأن هذه الظاهرة آخذة في الاستفحال. في هذا السياق كان لنواة حوار مع شوقي الطبيب، رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، حول راهنية ظاهرة الفساد في تونس ومدى تطور مكافحتها تشريعيا وسياسيا ومجتمعيا.
تقول هيئة الدفاع عن شوقي الطبيب في ملفّ مرافعاتها الذي اطلعت عليه نواة، إنّ المراسلة التي وجّهتها هيئة مكافحة الفساد إلى البرلمان هي وثيقة إدارية وإخبارية فحسب، وأنّها ”ليست عقدًا أو سندًا قانونيًا ينشئ حقًا أو يُسقطه. وبالتالي لا يمكن اعتبارها محررًا مزورًا بالمعنى الجزائي“. وذكرت هيئة الدفاع عن شوقي الطبيب أنّ القضية بُنيت على ما وصفته بالإخلالات مثل إحالة موكلها عبر مساعد الوكيل العام رغم أن القانون يفرض تولي الوكيل العام شخصيا قرار الإحالة، وذكرت أن القضية اعتمدت على تصريحات الشاكي بصفته شاهدا، كدليل إدانة، لذلك اعترض دفاع شوقي الطبيب على هذا الإجراء استنادا إلى منع القانون التونسي القائم بالحق الشخصي من أن يكون شاهدا.
أمّا القضية الأخرى التي أودع بموجبها شوقي الطبيب السجن في أفريل الماضي، فتتعلق بتهم استغلال النفوذ والرشوة وغسيل الأموال، وذلك بسبب إسناد الهيئة تذاكر الطعام لموظفيها إضافة إلى منح. وهي إذا ثبتت فإنها تدخل تحت طائلة ”أخطاء في التصرف وتوجب عقوبات إدارية“ حسب هيئة الدفاع، التي تشير أيضا استناد المحكمة إلى تقرير لم يشر إلى أيّ تجاوزات وتقرير آخر غير منشور لم يتمكن محامو شوقي الطبيب من الاطلاع عليه.
لم تهدأ عاصفة الدعاوى القضائية، فمنذ 25 جويلية 2021، بدا أنّ شوقي الطبيب هو أول هدف للسلطة وذلك بعد فرض الإقامة الجبرية عليه، يوم إقالته، دون إعلام رسمي، وظلّ تحت الإقامة الجبرية بين أوت وأكتوبر من ذلك العام.
وصف ملف مرافعات هيئة الدفاع عن شوقي الطبيب التهم المنسوبة إلى موكلها ”بالتضخيم الإداري الذي تحول إلى قضية جزائية“ وأن تهمة غسيل الأموال لا يمكن أن ترتبط في كل الأحوال بإسناد الإدارة لتذاكر الأكل إلى الموظفين. وتساءل المحامون ”هل نحن أمام مكافحة الفساد أم تصفية حسابات سياسية بطريقة قانونية أو توظيف للقضاء في ملف تقني بسيط؟“
بدأت الإشارات إلى أن العميد شوقي الطبيب في مرمى السلطة منذ جويلية 2021، عندما خضع إلى الإقامة الجبرية، وتوضّحت تلك الإشارات منذ بداية جانفي 2024، حين توجه إلى مطار تونس قرطاج للسفر ضمن فريق دفاع مكون من محامين عرب للترافع لفائدة القضية الفلسطينية أمام محكمة الجنايات الدولية، فأعلمه الأمن في المطار أنّه ممنوع من السفر.
تواصل ماراثون محاكمات شوقي الطبيب بعد إحالة ملفّه إلى دائرة الاتهام المختصة بالنظر في قضايا الفساد المالي ثم القطب القضائي الاقتصادي والمالي. وتواصلت جلسات التحقيق بين 6 أفريل و14 أفريل 2026، تاريخ إيداعه بالسجن في قضية تذاكر الأكل، ثم الحكم عليه بالسجن عشر سنوات يوم 21 ماي الماضي في قضية التدليس.

يقول أمين عام التيار الديمقراطي هشام العجبوني في تصريح لنواة ”بغض النظر عن محتوى ملف القضيتين ضدّ شوقي، فإنه يمكن اعتبار أي قضية من القضايا العدلية في الوقت الحالي، ضد سياسيين أو شخصيات وطنية، قضية سياسية. فشوقي الطبيب مثلا كان مستهدفا بعد أيام من 25 جويلية 2021، ووُضع قيد الإقامة الجبرية، كما لمّح الرئيس قيس سعيّد له في خطابات كثيرة، متهما إياه بالتورّط في الفساد، ولمّح أيضا إلى تورّط زوجته في ذلك أيضا. فتح ذلك الباب لملاحقة شوقي الطبيب قضائيا في أكثر من قضية. في هذه الفترة، لا يمكن الحديث عن قرينة البراءة ضمن قضاء غير مستقل يتحرّك وفق تهديد مبطن للقضاة من قبل رئيس الجمهورية قال فيه إنّ من يبرؤهم فهو شريك لهم“.
يضيف هشام العجبوني في تصريحه لنواة أنّ الحقائق أصبحت تضيع في أروقة المحاكم بعد تدخل السلطة التنفيذية في عمل القضاة وتنقيح المرسوم عدد 35 والإعفاءات التي لحقت بقضاة بناء على تقارير بوليسية، وأنّ ذلك دفع القضاء نحو الخضوع إلى قيود السلطة الحاكمة.
في بداية العام 2020، عاشت تونس أزمة سياسية خانقة بدأت بإسقاط حكومة حبيب الجمني، تحرّكت الأحزاب ذات الأغلبية في البرلمان، من أجل اختيار رئيس حكومة مناسب لها، وكان شوقي الطبيب من ضمن الوجوه المرشحة لمنصب رئيس الحكومة بعد أن اقترحت حركة البعث في رسالة إلى الرئيس قيس سعيد، تكليف الطبيب لتشكيل حكومة، قبل أن يتم تنصيب إلياس الفخفاخ على رأسها.
يقول العجبوني لنواة ”في النصف الأول من سنة 2020، كان هناك صراع سياسي داخل البرلمان لتنصيب حكومة يمكن أن تتماهى مع برامجها. واضح أن العميد شوقي الطبيب كان جزءا من أسباب إقالة إلياس الفخفاخ خاصة أن هيئة مكافحة الفساد لم تتحرك بخصوص التصريح بأملاك رئيسها، إلاّ عند اشتعال الصراع السياسي بعد تمرير حكومة الفخفاخ. أُجبرت حركة النهضة صاحبة الأغلبية في مجلس النواب، على قبول الفخفاخ وحكومته، لكنها قررت منذ البداية تنحيته، وهو أمر لا تخفيه قيادات النهضة“.
لم يدم إلياس الفخفاخ الذي كلّفه الرئيس قيس سعيّد على رأس الحكومة سوى ستة أشهر تقريبا، وخلال تلك الفترة دارت رحى الصراعات في مجلس النواب لإسقاط حكومة الفخفاخ، وتدخّلت جهات أخرى لإسقاط حكومته، وهو ما يثبته تسريب صوتي للمحامية السابقة مايا القصوري ذكرت فيه أنه يجب على إلياس الفخاخ الرحيل وأن الشخصية المضمونة التي يجب أن تخلف الفخفاخ هي هشام المشيشي، وذكرت في تسريب ثان أنها وبّخت السفير الفرنسي في تونس آنذاك، أوليفييه دارفور، بخصوص مناقشته مع الرئيس سعيّد ترشيح خيام التركي على رأس الحكومة.
في ظلّ ذلك الصراع، وقبل إقالة إلياس الفخفاخ، ظهرت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد على الخط، حين كشفت يوم 29 جوان 2020، امتلاك إلياس الفخفاخ، رئيس الحكومة آنذاك، خمس شركات لم يتم التصريح بمعاملاتها مع الدولة.
وذكر شوقي الطبيب آنذاك أن الهيئة لم تبلغها المعطيات بخصوص تعامل شركات الفخفاخ مع الدولة إلا يوم 25 جوان من ذلك العام، مضيفا أن الفخفاخ لم يقدّم تفاصيل عن معاملات شركات مع هياكل عمومية عند تصريحه بممتلكاته ثم صدر تقرير عن هيئة الرقابة العامة للمصالح الحكومية. في فترة تولي محمد عبو منصب وزير الدولة لدى رئيس الحكومة المكلف بالوظيفة العمومية والحوكمة ومكافحة الفساد، في 18 جانفي 2021، والذي أثبت تهمة تضارب المصالح.
تقول مريم عزوز زوجة العميد شوقي الطبيب لنواة إنّ الفخفاخ نفسه اعترف بامتلاكه أسهما في الشركة التي يملكها وربحت صفقة الوكالة الوطنية للتصرف في النفايات، واعترف الفخفاخ بذلك عند مساءلته في جلسة عامة في البرلمان يوم 25 جوان 2020، وتساءلت قائلة ”إذا اعترف رئيس الحكومة الأسبق رسميا أنه يملك أسهما في شركة فاليس وأنه قرر التخلي عن أسهمه في الوقت الذي ما زال في منصبه في رئاسة الحكومة، فما هو جُرم شوقي الطبيب؟ هناك مغالطات بخصوص تبرئة الفخفاخ من التهم الموجهة إليه، لكن الواقع أنّ القضية المذكورة ما تزال سارية ولم يتم تبرئته، وهو ما يؤكّد أنّ قضية شوقي الطبيب هي بالأساس قضية سياسية شأنها شأن مراد الزغيدي وغيره“.
يفرض السياق السياسي المطبق على البلاد، قراءات مختلفة للقضايا التي تحال فيه شخصيات سياسية او حقوقية أو وزارية سابقة. فيكفي أن تكون للشخصية المحالة آراء معارضة للانقلاب والعبث الذي تلاه حتى يفتح الباب لتشويهها والتشهير بها دون أن تتدخل النيابة العمومية لتضع حدا لجرائم السحل الالكتروني المحصنة بالإفلات من العقاب. واقع اقترن في كل مرة بإضافة قضايا أخرى في حق المتهمين لضمان نسيانها في غياهب السجون. معطيات توافرت في قضية شوقي الطبيب الذي تشكلت له هيئة دفاع تضم أسماء عالمية لكشف الاخلالات التي تقول انها رافقت الملفات التي يقبع وراء القضبان جرّاء تداعياتها.





iThere are no comments
Add yours